المدهش في الفن التشكيلي السعودي، أنه يخضع لتطور مضموني حي، وأن أبرز الأسماء الراسخة فيه تعيش كامل زمانها الفني وهي باتت على قناعة راسخة، أنه لم يعد أمامها سوى الطرق التي تأخذها الى مزيد من الاختبارية والابتكار كأن هؤلاء الفنانين والفنانات يمارسون عن قصد عملية التوغل المتعمّد في هذه الغابة التي لم يقطعها بهذا العمق أي واحد قبلهم. إنني ومن موقع مراقبتي المستمرة لأسماء سعودية كثيرة، بدأت أتعامل مع الحركة الفنية التشكيلية السعودية من منظار نقدي آخر، حيث أخضع كل مرحلة من مراحل أي فنان يطل مرة أخرى بجديده، لمعيار نقدي حيوي، يتشابه من حيث إطاره العام مع نظرية إم.جي.جيو M. J. Guyau (1854 - 1888)، حيث كان ذلك الشاب العبقري الذي عاجله الموت وهو لم يبلغ تمام الرابعة والثلاثين عاماً.. صاحب نظرية تقول إن الفن، أردنا ذلك أم رفضناه، ينبع من صميم الحياة نفسها، لأن الجمال ما هو إلا شعور خصب مملوء بالحياة، وبالتالي فإن الفن نشاط اجتماعي تنحصر غايته في الحياة أو الواقع نفسه.

ولكنني أرى وفق معياري أن الأمر بقدر ما يتعلق بالحياة، وبقدر ما ينبع الفن من صميم هذه الحياة، فإنه كبناء ثقافي مستقل. وضمن إطار الحيوية الثقافية البصرية التي تفاعلت كثيراً وبشكل إيجابي مع نمو المدينة. وتطور المشهدية الرؤيوية للخارج، أصبح على علاقة أوثق بمستقبل الحياة لا بالحياة كنمط من أنماط الوجود الحي.

إن نقّاداً كبار معاصرين لجيو لم ينكروا النشأة الاجتماعية للفن، لكن ذهبوا الى الغاية أكثر مما توقفوا أمام موضوع النشأة، بل إن البعض الآخر تحدث عن ماهية الفن أيضاً، على اعتبار أن الانفعال الجمالي هو بمثابة توسيع للحياة الفردية في سعيها نحو الامتزاج بالحياة الشاملة الكلية. والتقائها (أثناء تلك المحاولات الامتدادية) بالحياة الاجتماعية نفسها.

وبما أن مفهوم الحياة الاجتماعية بات يخضع اليوم لمعيار (كوزموبوليتي) كوني أو عالمي شامل، أكثر من أن يخضع لمفهوم جماعي محلي ضيق، حيث اتساع الثقافة البصرية والرؤيوية الكونية العامة عبر الأجهزة الكومبيوترية والشبكات العنكبوتية الكونية. وضعت الفنان في موقع التفاعل مع العالم الخارجي بمفهومة الكوني لا المحلي. فهنا تصير النظرة النقدية لأي فنان سعودي مكرس ذات وقع ديناميكي آخر ينطلق من نظريتنا لمدى أو مقدار مساحة التفاعل مع حداثة هذه الثقافة البصرية، أو مدى الإضافة المحركة التي منحها هذا الفنان للحركة الفنية السعودية التي لا يجوز التعامل معها، وفقاً لمعايير مبسطة تنطلق من مفهوميّ التراث والمعاصرة البائسين.

إن أسماء كبيرة ومؤثرة في الفن السعودي المعاصر، قد تجاوزت المؤسسين والرواد، فلا يصح لنا أن نبقى مصممين على وضع ما أنتجه الرعيل الأول معياراً لنتاج الرعيل الثاني، أو ما كرسّه الرعيل الثاني من تطور تعبيري معياراً لما بات ينتجه الرعيل السعودي الثالث. فقد برهنت النتاجات الأخيرة، لأسماء مهمة أمثال طه الصبّان وعبدالله حماس وبكر شيخون وعبدالله الشيخ وأحمد فلمبان وعبدالرحمن السليمان وعبدالله الشلتي والنواوي وغيرهم، على أن اللوحة عند أغلبهم تحولت الى نزوع نحو حالتين متصلتين هما:

أولاً: التطور المضموني البنيوي الخاص بالفنان ومسيرته الفنية.

ثانياً: الكثافة النوعية لحالة المزج ما بين التقنية أو التقنيات المكتسبة وموضوع المرحلة.

لقد بات للموضوع الفني حضوراً ضميرياً مدعماً بالبناء المتين للعمل. حتى بتنا نرى عند نحات أو مركب التشكيل الحديدي، بناءً تجريدياً ينزع الى تجاوز موضوع المحاكاة التي بقيت ردحاً من الزمن لازمة ضرورية للاكتمال. فيما نرى في معرض عام 2006 للعجيلان مرحلة تحليلية يمارس من خلالها الفنان ذهابه الى أقصى حدود التجانس ما بين المادة ومسطحها التصويري الذي يأخذ طابعه الثابت النهائي عندما يتحول إلى قطعة كولاجية كاملة ومرسومة بمجموعة من الموتيفات المتحركة. كذلك الأمر بالنسبة لعبدالله حماس وهو فنان كبير ومكرس، إذ بات يشعر بامتلائه الكامل بالمفردات التي يستطيع أن يضعها كشريط زماني على مسطح تصويري طويل. لكن الرؤيا النفسية الأكثر رسوخاً ستبرز عند طه الصّبان. هذا الفنان الذي بات يشعر الآن بالمعنى الوجودي للوحدة الذاتية، حيث يكون الفنان في النهاية وحيداً أمام تاريخه الذاتي كفنان، فيما كل الأشياء الأخرى تصير اتساعاً. لذلك يرسم مساحات هي (المراح) الأوسع للنفس، والإطلالة الأكثر ألفة للذات. إنها اللوحة المنتظرة لفنان يتحرك من الداخل باستجابته العضوية وعقلانيته الرزينة. أما عبدالله الشيخ الذي يمتلك قامته الفنية الخاصة، فإن الجانب التقني من لوحته الجديدة يطل كتجديد مضموني أيضاً. فهذا الفنان لا يتعامل مع التقنية كبناء مغاير. بل كقوة مضمونية لها موضوعها القاسي والمؤثر.

بالنسبة لمحمد سيام، وهو الفنان الذي أقام معرضه الأول في صالة روشان عام 1411 هجرية، وله جداريات في مطاريّ الملك عبدالعزيز والملك خالد بالرياض. فإن اتجاهه التكعيبي في البناء العام للوحة. أخذ المنحى المتحرك داخلياً، وسيطرت الشفافية مدفوعة بالحركة على الفعل الأدائي للرسم. إنه من الفنانين الأذكياء الذين ينتجون عملاً له حضوره الواسع.

وللفنان يوسف جاها مفهومه التجريدي الخاص، فهو يبحث عن الحالة الغنائية اللونية العامة، لكنه يذهب الى المدى الحيوي أو النفسي المؤثر حين يسقط الحدود داخل العلاقة اللونية في الداخل. وهو واحد من الفنانين الذين يستحدثون ذواتهم باستمرار.

الأمر ذاته عن الفنان عبدالله الشلتي، إذ حقوله التجريدية هي مساحات للروح، بل هي البساط الذي تفترش عليه ذاكرتنا البصرية كما يتبدى الأمر في أجود أعماله التي شارك فيها بالمعرض الجماعي الذي أُقيم في جدة سنة 2009.

ومن خلال متابعاتنا للمثابرة الحية عند (نوال مصلي) نكتشف ذهابها باللوحة الى المستوى الكشفي، وبخاصة عندما تكشف لنا جوهر العلاقة بين الصحراء والخضرة، أو بين البناء الأثري القديم والمعمار الحديث. وللكيمياء اللونية عند فاطمة عمران وجود مدهش، فهي تختبر تفاعل الألوان بالحوامض، وتتدخل عندما تريد تهذيب هذه التفاعلات، لكنها تنتج مسطحاً تجريدياً مثيراً للغاية.

أما الفنانة المخضرمة فوزية عبداللطيف. فهي ذاكرة تصويرية بامتياز، عالجت طوال مسيرتها الفنية المواضيع المحلية بروح تسجيلية جميلة، لكنها الآن تختصر الرموز والإشارات، وتكون بقامة واثقة لتضع أمامنا لوحة رمزية جديدة.

ونذهب الى عالم حنان حلواني ورموزها الموزعة توزيعاً سحرياً، فهي كفنانة جرافيك واحدة من أنضج وأدق من أنتج لوحة جرافيكية مقنعة، لأن تقنيتها تنطلق أصلاً من الانتباه التام للتوزيع اللوني. وهي حذرة كما سبق وتعلمت تقنية الحذر والدقة في محترف الفنان الكبير الدكتور أحمد نوار في القاهرة.

ومن الفنانات السعوديات المميزات الفنانة النشطة علا حجازي، وهي دارسة فنون وناقدة مثقفة، لها حضورها الجيد في المعارض الجماعية، وقد نجحت بجدارة عندما ركّبت أعمالها تركيباً لونياً فعالاً، واستطاعت خلق الموضوع المتجانس مع وعيها التربوي للعمل الفني. إنها فنانة جديرة بالمتابعة لأنها سوف تمنح الأكثر إدهاشاً.

إن أسماء كثيرة تطل باستمرار من نوافذ الفن التشكيلي السعودي، وما على النقد إلا أن يتابعها وفقاً لمعيار نقدي جديد ينطلق من قاعدة تفاعل الفن السعودي المعاصر مع الحداثة ومفاهيمها العالمية.