يقترن اسم جاسم المكي في رأس الخيمة بالإصلاح بين المتخاصمين من الأزواج والأهالي، وحل الخلافات الأسرية، وإعادة السكون والطمأنينة والسلام إلى البيوت، التي كادت الخلافات الزوجية والأسرية أن تقوضها أو تعصف بها، وإعادة المياه إلى مجاريها بين الزوجين أو أطراف الخلاف في العائلات المختلفة وأبناء المجتمع عموماً. المكي، وهو من مواليد 1955، وثيق الصلة أيضاً بأفراح الناس في الإمارة، من خلال دوره ك«مأذون شرعي»، وهو أول مأذون شرعي في رأس الخيمة يوثق عقود الزواج في المحكمة. تجارب واسعة وخبرات متنوعة يحملها المكي، ما منحه ذاكرة حافلة بالعبر والحكايات والمواقف، في ظل ما شغله من مواقع ومناصب مهمة اجتماعياً ورسمياً، ابتداء من موقعه رئيساً لقسم التوجيه والإصلاح الأسري في دائرة محاكم رأس الخيمة لأعوام طوال، ثم مديراً لإدارة الخدمات المجتمعية حالياً، وصولاً إلى كونه أول مأذون شرعي مرخص يوثق عقود الزواج في المحكمة، وهي المهمة، التي يتولاها منذ أعوام طويلة ولا يزال، وتالياً نص الحوار معه:
}} نبذة عن النشأة الأولي ؟
- ولدت في «جزيرة الزعاب»، وهي الجزيرة الحمراء كما تسمى الآن، باعتبار أن الوالدة تنتمي إلى الجزيرة، وواحدة من أبناء قبيلة الزعاب، وبعد ولادتي هناك عدت مع والدي إلى مدينة رأس الخيمة القديمة، وتحديداً إلى حي «سدروه»، بجانب حصن رأس الخيمة القديم، (متحف رأس الخيمة الوطني حالياً)، الذي كان مقر الحكم والحاكم حينها.
بدأت دراستي لدى «المطوعة»، وكان عمري 5 أعوام، وكان بيتها المجاور لمسكن الأسرة، مدرستي الأولى، ثم انتقلت إلى مدرسة القاسمية في المرحلة الابتدائية في رأس الخيمة، ومنها إلى مدرسة خالد بن الوليد بمنطقة الجزيرة الحمراء، وذلك بعد وفاة والدي، رحمه الله، إذ اضطررنا إلى الانتقال إلى الجزيرة، للعيش في كنف خالي، رحمه الله، إبراهيم عبيد العتبي الزعابي.
لاحقا انتقل خالي، رحمه الله، من منطقة الجزيرة الحمراء في رأس الخيمة إلى العاصمة أبوظبي عام 1969، وكنا بصحبته، حيث قضيت ما بين 4 إلى 5 أعوام تقريباً، وهناك التحقت بمدرسة الغزالي في البطين، ثم عدنا إلى رأس الخيمة مجدداً، وكانت وجهتنا منطقة «الحيل»، حيث تقيم جدتي من والدتي، وهي المنطقة ذاتها، التي كان «يقيظ» فيها الوالد، أي يقضي في ربوعها فصل الصيف، وهو ما جاء تحت تأثير شوق جدتي لرأس الخيمة وحنينها لأهلها وأقاربها، بجانب شعور والدتي بواجب البقاء بالقرب من والدتها ورعايتها، لنعود جميعا، باستثناء خالي، إلى رأس الخيمة، مسقط رأسي.
أول مأذون شرعي
}} مسيرتك المهنية؟
- بدأت هذه المسيرة بالتحاقي بمدرسة سالم لتدريب الشرطة في رأس الخيمة، اعتباراً من الخامس عشر من يناير/كانون الثاني 1974، وكانت حينها بمنطقة العريبي، حيث درست وعملت 6 أعوام متواصلة، عملت بعدها لفترة «محفظا» للقرآن الكريم، ضمن مشروع الشيخ زايد المستمر لتحفيظ القرآن الكريم، ثم انتقلت للعمل في وزارة العدل، ضمن محكمة الشارقة الشرعية، في وظيفة «مسجل تنفيذ»، ثم «أمين سر»، قبل أن ألتحق ب«قلم الحقوق»، لأكمل في محكمة الشارقة 8 أعوام، ومن ثم انتدبت إلى محاكم رأس الخيمة في يونيو/حزيران 0991.
بدأت في محاكم رأس الخيمة في وظيفة أمين سر الجلسات القضائية، وتدرجت لاحقاً في المناصب الوظيفية الإدارية، ثم توليت «مسؤول قسم التنفيذ الشرعي»، ثم سكرتير رئيس دائرة محاكم الإمارة، وكلفت لاحقاً بوظيفة أمانة سر لجنة المحامين، وتوليت أيضا أمانة سر المجلس الأعلى للقضاء في رأس الخيمة، ورقيت في مرحلة لاحقة من سكرتير مكتب رئيس دائرة المحاكم إلى مدير مكتب رئيس الدائرة.
بعد ذلك كلفت بمنصب رئيس قسم محكمة الاستئناف، وصولاً إلى تعييني في منصب رئيس قسم التوجيه والإصلاح الأسري في محاكم رأس الخيمة في الخامس عشر من يناير 2006، لأرقى مؤخراً إلى مدير إدارة الخدمات المجتمعية والأحوال الشخصية في دائرة المحاكم. وشغلت عضوية لجنة المصالحة في محاكم رأس الخيمة.
عملت، ولا أزال، مأذوناً شرعياً منذ 1985 وأبرمت آلاف عقود الزواج بين أهالي رأس الخيمة، وأنا أول مأذون شرعي يوثق العقود في المحكمة، وقبل ذلك كانت العقود عرفية، بمعنى أنها غير موثقة في المحكمة، بجانب كوني خطيب جمعة منذ 1976 حتى الآن.
حكيم العرب
}} هل رأيت الشيخ زايد؟ وما تأثيره في شخصيتك؟
- للأسف لم أحظ بهذا الشرف، وظل ذلك حسرة في قلبي إلى يومنا هذا، في حين أن تأثير باني الإمارات ومؤسس اتحادها في شخصيتي راسخ، باعتباره الأب الحنون والمعلم والمربي وباني دولتنا المباركة وصانع تاريخها. وأهم ما في شخصية «حكيم العرب»، زايد هو التواضع والجدية في العمل والتخطيط للمستقبل وخدمة الوطن وحبه الجارف للخير لوطنه وللوطن العربي والعالم الإسلامي برمته، وهي قيم نهلناها من مؤسس الدولة.
وأرجو من الله، سبحانه وتعالى، أن يعوضني عن لقاء «زايد» بلقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث أحلم بإلقاء قصيدة خاصة ألفتها مؤخراً بمناسبة اليوم الوطني للدولة تحت ع نوان 2 « ديسمبر».
تطرقت في القصيدة إلى المراحل، التي مرت بها دولتنا الحبيبة، قبل الاتحاد ونشأة الدولة، ثم بعد نشوئها، على يد المغفور له بإذن الله، تعالى، الشيخ زايد، وإخوانه شيوخ الإمارات المؤسسين، وهي لا تزال دولة فتية إبان عهد البناء والتأسيس الأول، وصولا إلى مراحل الازدهار الاقتصادي والرخاء الاجتماعي والمادي والخدمي، تحت ظل قيادتنا الرشيدة. وتستعرض القصيدة مراحل صعبة، عشناها كأبناء للإمارات من جيل الرواد والمخضرمين.
قلت في القصيدة:
«قبل زايد تفصلنا رسوم وحدود
الكل متغرب الأبوة والعمومة والجدود
أهل المرايل والشجاعة كبار لكبود
لقمة العيش فرقتهم وحظه من يعود
أمه كسيرة خاطر نحيلة عود
سكايب دموعها شتوة برق ورعود
تناظر بشوق بوعيالها يعود
وفي عهد زايد زال الكدر ولصدود
بناها سبع وفك طلاسمها ولقيود
رسم احدودها بحر وجبال واندود
عائلة شعرية
}} من أين أتاك الشعر؟
- عائلتي، التي نشأت فيها، يمكن أن أصفها ب«العائلة الشعرية»، لاسيما شقيقي الأكبر، وهو إمام مسجد وشاعر و«نوخذة» في البحر، أي قائد السفينة في الإمارات ودول الخليج العربي الأخرى، وهو عبد الله محمد المكي، بجانب اثنتين من شقيقاتي، كانتا متعلقتين بالشعر وتحفظان الكثير منه، وتستشهدان به كثيراً في سرد القصص وطرح المواضيع في أحاديثهن اليومية، هما «فاطمة» و«آمنة» محمد المكي، رحمهما الله.
بدأت كتابة الشعر عام 1973، وكنت في الخامسة عشرة من العمر، وأول ظهور شعري وإعلامي لي على الملأ وأمام الناس كان في برنامج (العين الساهرة) لشرطة رأس الخيمة، الذي كان يقدمه أحد الإخوة السودانيين.
}} لك تجربة في العمل الإعلامي، حدثنا عنها؟
- قدمت حتى الآن 4 برامج إذاعية مختلفة، على أثير إذاعة رأس الخيمة، وهي جميعاً من إعدادي وتقديمي. الأول حمل عنوان (أسرتي)، بدأ بثه في السابع من يوليو/تموز 2007، ولا يزال مستمراً، والثاني بعنوان (قصة من الواقع)، وتكون من 30 حلقة، وبث أيام الجمع، والثالث (أهل القرآن)، عبارة عن 4 حلقات عرضت في شهر رمضان المبارك، والبرنامج الإذاعي الرابع كان تحت عنوان (فتاوى)، وكنت أستضيف فيه أحد العلماء المتخصصين في العلوم الشرعية.
قدمت أيضاً برنامجاً تلفزيونياً في قناة رأس الخيمة الفضائية بعنوان (أسرتي)، تناول قضايا أسرية واجتماعية، واستضاف مجموعة من المتخصصين في الشؤون الأسرية والقضايا الاجتماعية من داخل الدولة وخارجها، بجانب استضافتي في عدد من القنوات الفضائية والإذاعية في الإمارات، وكتبت أيضاً مقالات عدة في عدد من المجلات المحلية تمحورت حول الإصلاح الأسري والقضايا الزوجية والاجتماعية.
مواصفات المصلح الأسري
}} كيف اكتسبت ملكة الإصلاح الأسري في الخلافات الزوجية؟
- بصفتي أمين سر جلسة في المحكمة، أكون في عملي قريبا من القاضي، وأكتب كل ما يمليه علي من أحكام، وهذه الأحكام تتضمن الصلح بين الأزواج المتنازعين، وهو ما يحصل أمامي، حين يتحدث القاضي مع أطراف النزاع، فأعايشه بصورة حية ومباشرة، الأمر، الذي استمر معي من عام 1982 إلى 1992، أي 10 أعوام كاملة، وما زلت قريبا إلى اليوم من القضاة، الأمر الذي منحني خبرة تعادل درجة الدكتوراه، من وجهة نظري، وأقول عن نفسي «تتلمذت في محاكم الشارقة، وتخرجت في محاكم رأس الخيمة».
واعتبر مؤسس قسم التوجيه والإصلاح الأسري في دائرة محاكم رأس الخيمة، بجانب فريق العمل الخاص بالقسم، وأسست أيضا قسم المأذونين، الذي طالبت بإنشائه قبل ذلك، لأترأسه بعد تأسيسه، وشغلت وظيفة مقرر لجنة المأذونين.
}} ما أهم مواصفات «المصلح الأسري»؟
- الوصول إلى حل المشكلات الأسرية والخلافات الزوجية من أقصر الطرق، أي في زمن محدود، ومعرفة مفاتيح حل المشكلة بين الطرفين، والصدق في الشخصية، والأمانة، والحفاظ على سرية العمل، مما يطلع عليه العامل في الإصلاح الأسري من مشاكل الناس، والحفاظ على خصوصياتهم، إضافة إلى الذكاء وسرعة البديهة.
}} موقف أبكاك ولا تنساه؟
- وفاة الشيخ زايد، رحمه الله، وقد كتبت فيه قصيدة بعد رحيله مباشرة، بينما رأيته في منامي قبل وفاته بأسبوعين.
}} وفي مجال العمل الأسري والمحاكم؟
- أبكتني حالات كثيرة على امتداد مسيرتي الطويلة في المحاكم، وتحديداً في مجال الإصلاح الأسري، لاسيما حين يقرر زوجان الانفصال وبينهما أبناء.
}} هل تبكي أمام المراجعين والموظفين، أم تداري دموعك؟
- أحاول مداراتها، لكنني لا أتمكن من ذلك، بسبب حساسية الموقف ومباشرته، ما يجعلني أذرف الدموع أمام المتخاصمين والمتواجدين، ما يحرك مشاعرهم ويدفعهم للبكاء هم أنفسهم.