متابعة: لبنى بولحبال
في عالم يسوده الصمت، ويغيب عنه ضجيج الأصوات، تلك الأصوات التي ربما لم يسمعها أبداً منذ الولادة، أو تلك التي فقد سماعها ولم يعد يشعر بها مرة أخرى لسبب ما أو لآخر، يعيش "الأصم" معاناته، وهي معاناة يترتب عليها عدم قدرته على الكلام، لأن الكلام مرتبط بما يسمعه الإنسان، وصعوبته في الانخراط داخل المجتمع وممارسة كامل حقوقه المجتمعية .
تظهر أرقام صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 5% من سكان العالم، أي نحو 360 مليون شخص من مختلف أنحاء العالم، يعانون فقدان السمع . بينما تحذر في الوقت نفسه من تزايد هذا العدد بسبب الأمراض المعدية، مثل التهاب السحايا والحصبة والنكاف والعداوى المزمنة التي تصيب الأذن، والتي يمكن أن تؤدي إلى الإصابة بضعف السمع . وذلك عدا الأسباب الشائعة الأخرى المسببة لفقدان السمع مثل التعرّض للصخب وإصابات الأذن والتقدّم في السنّ واستخدام الأدوية السامّة للأذن .
إلا أن المنظمة العالمية تؤكد في الوقت نفسه أنه يمكن توقّي نصف حالات الصمم وضعف السمع عن طريق الوقاية والتشخيص المبكّر للحالات وتدبيرها العلاجي .
اسمع صوتي
في هذا الإطار انطلقت فعاليات النسخة الثانية من مؤتمر "اسمع صوتي -تمكين الأشخاص الصمّ"، مؤخراً في مجمع محمد بن راشد للتعليم الأكاديمي الطبي في مدينة دبي الطبية، بالتعاون مع كل من مركز "كلماتي للنطق والتّواصل" وجمعية الإمارات للصمّ .
وقد ناقش المؤتمر أهمية دمج الأشخاص الصمّ وغيرهم ممن يعانون تحديات ضعف السمع في المجتمع، وذلك من خلال توفير التعليم وفرص التوظيف وشمولهم اجتماعياً والاعتراف بلغة الإشارة الخاصة بهم .
كما تناول المؤتمر موضوعات أخرى شملت التدريب المهني للأشخاص الصمّ، واستراتيجيات القراءة، ودعم النساء الصمّ، وورش عمل حول لغة الإشارة المحلية المستخدمة في دولة الإمارات .
وعلى هامش المؤتمر التقت "الصحة والطب" بالمشاركين المتحدثين في المؤتمر حيث تحدثوا عما تناولوه في كلماتهم ومحاضراتهم وأوراق العمل التي قدموها للمؤتمر .
1000 أصم في الإمارات
وعن واقع الصم واحتياجاتهم في الدولة، قال عبدالله الكمالي الأمين العام لجمعية الإمارات للصم، إن نحو ألف شخص يعانون فقدان السمع في الدولة بينهم 450 منتسباً للجمعية، كما أن الكثير من مستخدمي القوقعة لم يستفيدوا منها بالشكل الجيد نتيجة ضعف كفاءة البرنامج التأهيلي المصاحب لزراعة القوقعة، إضافة إلى المضاعفات الجانبية الناتجة عن زراعتها، فهناك مثلاً قطعة حديدية يتم تثبيتها خارج الأذن ترتفع حرارتها مع ارتفاع درجة حرارة الجو ما يتسبب بحدوث صداع، كما تؤثر هذه القطعة في الحامل أيضاً .
وأوضح أن فقدان السمع في الإمارات غالباً ما يكون سببه وراثياً، داعياً الجهات ذات الاختصاص إلى تثقيف أولياء الأمور بكيفية التواصل مع فاقدي السمع .
وأشار إلى الصعوبات التي يواجهها الأصمّ في الحصول على وظيفة أو ترقية بسبب عدم دعمه بدورات تساعده على تطوير مهاراته والارتقاء إلى مناصب أعلى، ودمجه مع أفراد المجتمع بشكل يحقق له نوعاً من الثقة بالنفس والنجاح، سواء على الصعيد العملي أو الاجتماعي .
ونوه في هذا الصدد بالدور الذي تقوم به مراكز وزارات الداخلية من حيث إعطاء دورات مهنية لتأهيل الصمّ لمساعدتهم على الحصول على وظيفة .
وكشف عبدالله عن مشروع جديد تقوم به الجمعية بالتعاون مع مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الاحتياجات الخاصة، وهو عبارة عن قاموس موحد لإشارات الصم في الدولة، وقال إنه تم البدء في وضع هذا القاموس منذ شهرين وسيستغرق إنجازه 4 سنوات، وسيتم تعميمه على الصمّ واعتماده كمنهج عند المترجمين والمدرسين، إضافة إلى إنشاء لجنة خاصة لمترجمي الإشارة لمناقشة حقوقهم وقوانينهم من خلال الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة الخاصة بهم، مشيراً إلى أن هذه اللجنة بدأت ب 9 مترجمي لغة إشارة .
التحديات والتوعية
بدوره، قال مروان عابدين الرئيس التنفيذي لمدينة دبي الطبية: "إن ضعف السمع أو عدمه يجب ألا يؤثر في جودة حياة الإنسان وفي حقيقة أنه عضو فاعل ومنتج في المجتمع، ومن هذا المنطلق، لا بد من أن نرفع مستوى وعي مجتمعاتنا حول مختلف أنواع التحديات لكي نتعلم ألا نصدر أي أحكام مسبقة على الأفراد المصابين بمثل هذه التحديات، بما في ذلك ضعف السمع والصمم، لكسر الحواجز على صعد عدة .
حقوق الصم
من جانبها، قالت بدور سعيد الرقباني مديرة ومؤسسة مركز "كلماتي للنطق والتّواصل" إن "هذا المركز يهدف إلى توفير خدمات النطق واللغة والتواصل للأطفال، لا سيما الصم وضعفاء السمع، إلى جانب الخدمات المختصة الداعمة لفئات أخرى من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقد قمت بهذه الخطوة بعد أن ولدت ابنتي صماء، وبما أنني قد مررت بهذه التجربة بنفسي، لا يمكنني أن أشدد بما يكفي على أهمية دمج الصم وتعليمهم وتوفير فرص التدريب المهني لهم" .
وأوضحت أن مؤتمر هذا العام يواصل دعمه لجهود دولة الإمارات تجاه تحقيق هدفها المتمثل في توفير العوامل الأساسية التي تضمن حقوق الإنسان للأشخاص الصم، بما في ذلك التعليم بلغتين، ولغة الإشارة، وتسهيل وصولهم إلى هذه الفرص، وترجمة لغة الإشارة، مضيفة أن "هناك حاجة ملحّة لتمكين الأشخاص الصمّ من خلال منحهم التعليم والتوظيف وتقديم الدعم المجتمعي لهم" .
التعايش الوظيفي
من جهته، تحدث الدكتور توماس راكو بروفيسور في قسم الفنون ودراسات التصوير في المعهد التقني الوطني للصم عن المشكلات التي يواجهها الصم في مجالات العمل، وقال: "ليس من السهل النجاح في وظيفة ما عندما يكون كل من حولك سامعاً، وفي بعض الأحيان قد يشعر الأصم أن من حوله يحكمون عليه بطريقة مختلفة لكونه أصم، وهو الوضع الذي يشبه كونه في حوض سمك والجميع يشاهد تحركاته، ولكن يجب التغلب على هذا الشعور والتركيز على كيفية النجاح في محيط العمل، حيث إنه لا يستطيع تغيير عادات وسلوكيات الآخرين، ولكن يمكنه العمل على تغييرها باتباع عادات وأفعال الناجحين الآخرين من الصم، لذلك تم إنشاء ورشة تقوم على مجموعات صغيرة يشاركون فيها بآرائهم حول السلوكيات المؤدية للنجاح" .
النمو السليم
أما شارلوت الخليل المستشارة النفسية في علم نفس الأطفال، فركزت على جوانب النمو عند الصم منذ الطفولة، مشيرة إلى أن العلوم الإنسانية والطبية أكدت أن النمو النفسي والجسدي السليم لا يتم إلا بتوافر شروط حيوية ليتمكن الطفل من الاستفادة من فرص النمو الصحيح، لذلك فإن خللاً بسيطاً في أحد تلك الشروط يؤدي إلى اضطراب وخلل في النمو النفسي والجسدي، لذلك تم التركيز في محاضرتي على شروط النمو السليم وحاجات الطفل الأساسية، وأهمية تفاعله مع بيئته ومدى تأثير البيئة فيه، ولأن النمو نضج وتعلم، تطرقت لأهم المشكلات التي يواجهها الأهل في تربية أولادهم، كما تناولت موضوع الأجهزة الالكترونية وتأثيرها في الأطفال وكيفية التعاطي مع هذا الموضوع" .
وأضافت، أن تطور الطفل يعتمد بالشكل الأساسي على العائلة، والأبوين بشكل رئيسي ما يضعهما أمام ضغوط كثيرة، وأكدت أن فريق دعم الأهل يؤمن مناخاً مشجعاً، حيث يستطيع أولياء الأمور التشارك في همومهم وقلقهم، كما يسمح لهم بتبادل الخبرات وتعلم استراتيجيات تربوية جديدة من خلال تواصلهم مع بعضهم بعضاً .
تمكين الصمّ العرب تعليمياً
وفي ورقته للمؤتمر تناول الدكتور طارق الريس أستاذ مشارك في جامعة الملك سعود عميد كلية التربية، موضوع تعليم الأشخاص الصم في العالم العربي والرؤية المستقبلية للتمكين الحقيقي، قائلاً: "لاشك في أن مجال تعليم الأشخاص الصم أصبح يلقى مزيداً من الاهتمام في العالم العربي في السنوات الأخيرة، وهذا الاهتمام أدى إلى تبني عدد من المفاهيم التربوية مثل الدمج والتدخل المبكر وتطوير مناهج التعليم وتوظيف التقنية الحديثة وأيضا إتاحة الفرصة لهذه الشريحة لمواصلة تعليمها العالي، إضافة إلى عقد العديد من الندوات والمؤتمرات وورش العمل لتطوير تعليم الأشخاص الصم، وأن جزءاً من هذا الخلل يعود إلى استمرار النظرة القديمة المتمثلة في العطف والشفقة على الأشخاص الصم وقلة الثقة بقدراتهم" .
وأضاف: "يعد مجال تعليم الطلاب الصم من المجالات المتجددة، إذ إن هناك العديد من التوجهات الحديثة في تربية وتعليم الأشخاص الصم التي تظهر بين فترة وأخرى، وذلك لحاجة هذه الفئة إلى أساليب خاصة في تعليمهم، وإن عدم مواكبة هذا التطور من قبل العديد من المؤسسات التعليمية الخاصة بهم في العالم العربي أدى إلى تطبيق ممارسات خاطئة وقديمة في الميدان، نتجت عنها مشكلات عديدة أهمها ضعف الطلاب الصم في القراءة والكتابة، حيث إن مستوى الطالب الأصم المتخرج في المرحلة الثانوية يعادل مستوى الطالب السامع في الصف الرابع الابتدائي، وهذا التدني في المستوى التعليمي للأشخاص الصم كانت له انعكاسات سلبية كبيرة على حياتهم من حيث تهميشهم وتقليل فرص تأهيلهم والتحاقهم بمؤسسات التعليم العالي وتوظيفهم ودمجهم في مجتمعاتهم كأشخاص منتجين، لذلك تم التركيز في ورقتي على أبرز المشكلات والعقبات في تعليم الطلاب الصم في العالم العربي، وما يجب القيام به لتطوير تعليم الطلاب الصم في العالم العربي كإحدى أهم أدوات تمكينهم" .
الأسباب الكامنة وراء الإصابة بالصمم وضعف السمع
يمكن أن يكون الصمم وراثياً، حيث يزداد خطر إنجاب طفل أصمّ إذا كان أحد الوالدين أو كلاهما أصم منذ ولادته .
ومن المحتمل أن يحدث ضعف السمع أيضاً قبل الولادة أو خلالها جرّاء مشكلات عدة منها:
- الولادة المبتسرة .
- ظروف تمنع الطفل أثناء الولادة من استنشاق كمية كافية من الأكسجين .
إصابة المرأة أثناء الحمل ببعض العداوى، مثل الحميراء والزهري وغير ذلك .
- استخدام الأدوية السامة للأذن (مجموعة من الأدوية تضمّ أكثر من 130 دواءً، مثل المضاد الحيوي "جنتاميسين") أثناء الحمل بطرق غير سليمة .
- الإصابة باليرقان، الذي يمكنه إلحاق ضرر بالعصب السمعي لدى الوليد .
ويمكن أن تؤدي الأمراض المعدية، مثل التهاب السحايا والحصبة والنكاف والعداوى المزمنة التي تصيب الأذن، إلى الإصابة بضعف السمع، خصوصاً في مرحلة الطفولة، وقد يحدث ذلك أيضاً في مراحل لاحقة . ويمكن أيضاً أن يؤدي استخدام الأدوية السامة للأذن في أيّ من مراحل العمر، بما في ذلك بعض المضادات الحيوية والأدوية المضادة للملاريا، إلى إلحاق أضرار بالأذن الباطنة . كما يمكن أن تتسبّب الإصابات التي تحدث في الرأس أو الأذن بالإصابة بضعف السمع .
ويمكن أن تتسبّب الكتل الشمعية أو الأجسام الغريبة التي تسدّ قناة الأذن بالإصابة بضعف السمع في أيّ من مراحل العمر . ويمكن أن يؤدي التعرّض للصخب المفرط، بما في ذلك استخدام الآلات الصاخبة في العمل أو التعرّض للموسيقى الصاخبة أو غير ذلك من أشكال الصخب، مثل دويّ الأسلحة أو الانفجارات، إلى إلحاق أضرار بالأذن الباطنة وإضعاف القدرة السمعية . ومع التقدم في السنّ، قد يؤدي التعرّض المتواصل للصخب وغيره من العوامل إلى الإصابة بضعف السمع أو الصمم .
الوقاية من خطر الإصابة بالصمم
تركز الحلول المطروحة لمعالجة مشكلة ضعف السمع على الوقاية والكشف عن الحالات في مراحل مبكّرة وتدبيرها العلاجي وتأهيلها .
ويمكن توقّي حالات ضعف السمع الحسّي العصبي من خلال ما يلي:
-تمنيع الأطفال ضدّ أمراض الطفولة، بما في ذلك الحصبة والتهاب السحايا والحميراء والنكاف .
- تمنيع النساء اللائي بلغن سنّ الإنجاب ضدّ الحميراء قبل أن يحملن .
- تحرّي حالات الزهري وبعض العداوى المعيّنة الأخرى لدى الحوامل وعلاجها .
- تحسين خدمات الرعاية في الفترة التي تسبق الولادة وفترة ما حول الولادة .
- تلافي استخدام الأدوية السامة للأذن إلاّ عندما يتم وصفها من قبل عامل صحي مؤهّل ورصدها لضمان إعطاء الجرعات الصحيحة .
إحالة الرضّع المشتبه في إصابتهم باليرقان إلى المرافق المتخصّصة لأغراض التشخيص والعلاج المحتمل .
- الحدّ من التعرّض (في أماكن العمل والترفيه) للصخب المفرط باستخدام المعدات الشخصية لحماية السمع، ومكافحة الصخب .
ويمكن توقي حالات ضعف السمع التوصيلي من خلال الكشف عنها في المراحل المبكّرة والقيام، بعد ذلك، بالتدخلات الطبية أو الجراحية المناسبة لعلاجها . كما يمكن الكشف عن حالات ضعف السمع لدى الرضّع وصغار الأطفال في مراحل مبكّرة والقيام بالتدخلات الواجبة لعلاجها من الأمور التي تسهم في توقّي مشكلات النطق والحديث ومصاعب التطوّر التعليمي . وتعتبر إتاحة المزيد من المعينات السمعية المناسبة بأسعار معقولة وتعزيز خدمات المتابعة من التدابير التي تخدم مصالح الكثير من المصابين بضعف السمع .