الأمية، الفقر، الطمع، اليأس، وضعف الإيمان، مقومات أساسية في شخصية من يلجأون إلى السحرة والدجالين. فكثيرا ما سمعنا عن شخص كان مريضا وقرر الأطباء أن حالته ميئوس منها، ثم ظهر أحد ممن يدعون علمهم ببواطن الأمور وأكد أن هذا الشخص مسحور، ويجب الذهاب به إلى أحد الدجالين لفك السحر انطلاقا من أن السحر مذكور في القرآن، ومع حالة اليأس من شفاء المريض، ومع نظرية طرق جميع الأبواب، ينطلق السؤال عن أحد الدجالين الموثوق فيهم، لعلاج حالته.
ليس الأمل في الشفاء من المرض المبرر الوحيد للبحث عن السحرة والدجالين، فهناك من يحلم بتحويل التراب إلى ذهب، أو من يحاول العثور على الزئبق الأحمر، ومنهم من يتعمد إيذاء الآخرين في صحتهم أو استقرارهم الأسرى أو الرزق، من الذين ليس لديهم إيمان بالله.
حاولنا من خلال هذا التحقيق عرض بعض الأعمال أو الأهداف التي يسعى بعض الأشخاص إلى تحقيقها. ثم عرضنا أعمال هؤلاء الدجالين والسحرة على العلماء لمعرفة حكم الدين، وقبل الخوض في تفاصيل الموضوع نستعرض بعض الحالات
قصة هذا الرجل الذي يعمل سائقا وفوجئ بابنته منذ فترة تتصرف بشكل غريب وتتحدث بلغة غير مفهومة، وتصاب بحالة اختناق في المساء، ودائما عصبية وتصرخ من دون سبب. ذهب بها إلى أحد المستشفيات فطلب إجراء بعض الفحوصات ليقرر بعدها أنها خالية تماما من أي مرض عضوي، وأنها تعاني مرضا نفسيا، وهو ما أكده أكثر من طبيب ذهب إليهم الأب.
نصحه صديقه بالذهاب إلى أحد الدجالين لأن مرضها ما هو إلا مس شيطاني، واقتنع الرجل بما سمعه، خصوصاً أن الاعتقاد في هذه الأمور شائع في بلدته. وبالفعل ذهب الأب مع ابنته إلى منزل الرجل فبدأ التحدث مع الفتاة ثم أعلن أنها مصابة بمس شيطاني، وأن حالتها أعلى من طاقته وتحتاج إلى من هم أقوى تأثيراً منه على الجان، فما كان من الأب إلا أن وافق.
تحدث الدجالون مع الفتاه وقاموا ببعض الطقوس حتى انطلق صوت خفي يقول إنه يريد الزواج منها، ولو خرج فسيخنقها قبل أن يغادر جسدها، بعدها قالوا إنهم يريدون بخوراً وقرباناً ب150 ألف جنيه حتى تشفى الفتاة. صعق الأب من الرقم لأنه لا يملك غير سيارته التي يعمل عليها سائقا والتي هي مصدر دخل الأسرة، فاقترحوا عليه دفع 35 ألف جنيه يشترون أشياء يستخدمونها في المرحلة الأولى لحين تجهيز باقي المبلغ، ولم يمهلوه إلا وقتاً قليلاً لجلب باقي المبلغ لأنهم سوف يرحلون إلى السودان ولن يعودوا مرة أخرى. فضلا عن حالة الفتاة التي سوف تسوء أكثر.
طلب الرجل من زوجته أن تتصرف، خصوصا أن لها إرثا كبيرا، فطلبت من أخوتها مبلغ ال35 ألف جنيه لحين بيع قطعة أرض من ميراثها.
ذهبت الزوجة بالمبلغ إلى الدجالين فرفضوا استلامه طالبين أن يتأجل ذلك لحين حضورهم إلى المنزل، وهو ما حدث بعد أن حضروا ومعهم إناء كبير لوضع الفحم والبخور وأشياء أطلقوا عليها البركات، أشعلوا البخور وبدأت طقوس ظلت لثلاث ساعات كاملة كانت فيها الفتاة كالجثة الهامدة، وفي جلسة أخرى حصلوا فيها على باقي المبلغ، انصرفوا على وعد بالعودة مرة أخرى، ثم تركوها ورحلوا بعد أن أخبروا والد الفتاة بأن كل شيء على ما يرام، وبعد فترة اكتشف الأب أنه كان ضحية لثلاثة نصابين.
من النصب إلى الاغتصاب حيث شهدت إحدى القرى بمحافظة الدقهلية واقعة خطف واغتصاب لتلميذة اعتدى عليها دجال لجأ إليه والدها لعلاجها بعد رسوبها في الامتحان، حيث اختلى بها في غرفة داخل مسكنها بزعم علاجها ثم أعطاها كمية من الماء بها مخدر ثم اعتدى عليها، وعندما أفاقت وجدت دماء على ملابسها وجسدها، وعندما حاولت الاستغاثة بوالديها هددها بقتلها وإيذاء والديها وأشقائها، فخشيت من تهديده ولم تبلغ أهلها بما حدث، وفي اليوم التالي شاهد الدجال فريسته تسير في الشارع فاختطفها بالقوة وأجبرها على ركوب سيارة معه، وتوجه بها إلى إحدى القرى ثم اصطحبها إلى منطقة المدافن واعتدى عليها مرة أخرى، وعندما أصابها الإعياء خشي عليها من الموت فتركها وفر هارباً.
مجال آخر من الخرافات يكمن في محاولات الأثرياء في العثور على الزئبق الأحمر الذي تجري عمليات البحث عنه داخل رؤوس المومياوات الفرعونية وأماكن وجودها، حيث تجري جلسات يرأسها دجال لتحضير بعض الأرواح لتساعد في العثور على الزئبق الأحمر، والذي هو كما يدّعون خلاصة مستخلصات مناجم الذهب، إلا أنه من المستحيل الحصول عليه من هذا الطريق فيلجأ البعض إلى الجان، خصوصا أنه الطريق المضمون للحصول عليه.
وهناك من يعتقدون في جلسات الزار أنها وسيلة لإخراج الجان ويتم ذلك عن طريق طقوس معينة تقوم بها الكودية، وهي شيخة الزار أو رئيسته وهي الوسيط بين المرأة الممسوسة وعالم الأرواح، فهي التي تحدد نوع مرض الزبونة عن طريق أخذ الأثر، وهو عبارة عن جزء بسيط من ملابسها به رائحتهاتضعه تحت رأسها فترى رؤيا في منامها، وفي الصباح تكون قد توصلت لأصل العلة، ونوع الزار المطلوب، وموعده، ومكانه والفرقة المشتركة فيه، أو يتم الزار في هدوء حيث تقوم النساء بقرع الوسائد ثم تحدد على ضوء ذلك الأتعاب، بالإضافة إلى الطلبات التي يطلبها الجن المعالج من ذبائح وخلافه.
ومن بين سلسلة جرائم القتل تخرج حكايات الجن الذي يخرج من الجسد عن طريق الضرب المبرح، فيظل الرجل يضرب الضحية المريضة بالأيدي أو الكرابيج زاعما أن هذا الضرب ينزل على الجني، والحقيقة هي أن الضحية هي التي تنال هذا الضرب المبرح حتى تفيض روحها.
أكد الدكتور منصور الرفاعي، وكيل وزارة الأوقاف بالمساجد وشؤون القرآن الأسبق، أن الذهاب إلى السحرة بأي شكل من الأشكال حرام، لأنهم يمارسون أعمالا حرمها الله تعالى في كتابه الكريم، فمن المعروف للناس جميعاً أن الرزق بيد الله، وليس بيد دجال أو مشعوذ أو ساحر ولا كاهن، مهما ادعى هؤلاء من القدرة، فالذهاب إليهم يعتبر جريمة أخلاقية ومن عمل الشيطان،.
أما من يبررون اعتقادهم في السحر باعتباره مذكورا في القرآن، فإن الله تعالى قرن ذكر السحر بالكفر ووصفه بأنه من أعمال الشياطين، فهو كفر سواء تعلمه أو ذهب إلى من يتعلمه.
كما أكد الدكتور منصور أن هناك طريقة لعلاج الشخص المسحور وهي بالطبع بإذن الله وهي الثقة والاعتماد والتوكل وحسن العلاقة بالله تبارك وتعالى من خلال أمرين هما: (المحافظة على كل ما أمرنا به الإسلام، وحسن العلاقة بالناس، وهي العلاقة المبنية على الأدب والاحترام).
الدكتور عبد المعطي بيومي، عضو مجمع البحوث الإسلامية قال إن هناك قاعدة في القرآن الكريم لا يجوز أن ننساها وهي أن السحر إنما يؤثر في الشخص عندما يكون ضعيفا أو بعيد الصلة عن الله عز وجل.
وعن حقيقة لبس الشيطان لجسم الإنسان قال الذي ورد في القرآن هو المس، ويكون أشبه بمرض نفسي يصيب الشخص، وعلاجه يكمن في تقوية الشخصية بالإيمان بالله تعالى.
أما قراءة الكف وربطها بخطوط العمر والرزق وكذلك فتح المندل وقراءة الفنجان والطالع وما شاكل ذلك، فهي أمور تعتمد على قوة فراسة من يقرأ هذه الأمور وقدرته على تحسس أخبار الشخص المدجل عليه واستنطاقه بمعلومات يريد أن يعرفها بطريق غير مباشر ليقولها حتى يكسب ثقة من أمامه.
وأرجع الدكتور عبد المعطي عملية البحث عن الغائب أو الأشياء المسروقة ومعرفة السارق إلى أنها أشياء دجلية من قبل الساحر ومدى ذكائه وفراسته إذ يحاول عن طريق سؤاله عن علاقة الشخص المسروق بالآخرين ومن الذي يريد الإضرار به وما إلى ذلك. لكنها ليست كرامات ولا تمت لها بصلة.
وأكدت الدكتورة فايزة خاطر أستاذة ورئيسة قسم العقيدة بالأزهر، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن اللجوء إلى السحر يعتبر عدم رضاء بقضاء الله، فالمرأة التي لا تنجب تذهب إلى الساحر ليكشف إذا ما قام أحد ب عمل لها لتعقيمها، أو التي تأخرت في الزواج أو ما شابه فنقول لمن يعتقد في تلك الخرافات أن هذا شرك بالله وعليهم التوبة إلى الله والندم على ما فعلوا، على ألا يعودوا إلى ذلك لأن لا أحد يملك مقدرات البشر إلا بارئها تعالى.
أما فيما يتعلق بمسألة الربط في يوم الزفاف فقالت الدكتورة فايزة خاطر إن الربط يحدث بالفعل إذ إن حدث مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما سحره اليهود، فقال: (عليكم بالوضوء والبقرة)..
ولو أن شخصاً شعر بأنه مسحور فيجب أن يقرأ سورة البقرة كاملة متصلة مع سورة الصافات كل ثلاثة أيام لمدة أربعين يوما، والحكمة هي أن سورة البقرة تحديداً تبعد الشيطان مسافة سبعين ألف فرسخ تحت الأرض فيستغرق ثلاثة أيام حتى يعود من هذه الرحلة، وعندما يعود يكون قد حان موعد القراءة التالية فيرسل في الرحلة نفسها، ويظل على هذا الوضع حتى نهاية الأربعين يوما، فإذا انتهت مع مواظبة القراءة لن يعود الشيطان أبدا حتى لو كان ماردا، وبالتالي سيبطل مفعول السحر لأنه يعتمد في الأساس على الجان.
وعن البعد النفسي والاجتماعي لهذه الظاهرة تقول الدكتورة سهير عبد العزيز، عميد كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الازهر، حيث أكدت أن البيئة التي ينشأ فيها الشخص تلعب دوراً كبيراً في سلوك حياته وبناء فكره سواء كان متعلماً، أو جاهلاً، لأنه يتأثر بالثقافة المحيطة به منذ طفولته، فالطفل الذي ينشأ وسط عائلة تؤمن بهذه الخرافات، ويرى أمه تذهب هنا وهناك من أجل معرفة شيء معين أو عمل حجاب أو تعويذة، وبما أن الأم قدوة، فإن الطفل بالطبع سيلتقط هذه الطبائع وقد ينفذها في كبره ما لم يفطن لمدى خطورتها وبعدها عن الدين.