يعبر محتوى الأغاني على اختلاف تصنيفاتها إن كانت شعبية، طربية، كلاسيكية، أو فلكلور من التراث، عن المشاعر الإنسانية من فرح وحزن إلى حب وفراق، وأيضاً قد تصاغ كرسالة توجه للطفل والأم والوطن . لكن ما يثير الجدل والاستغراب ظهور أغان لا ترتدي كلمات أو بالأحرى تتدحرج الحروف فيها دحرجة بدون ضوابط وأساسيات كمطلع هذه الأغنية: تي رشرش تي رشرش رش المال بالدولار والريال وأغنية أخرى تقول: بسبوس عاشق بسا ويدلعها ميو ميو . البعض يدافع عنها ويسميها فلكلوراً تراثياً، ليرد الآخر بأنها أغان شعبية، فهل نحن أمام انحدار في الذوق والمزاج العربي أم هي مساحة للتنفيس فقط عن ضغوط وهموم الحياة اليومية؟ وهذا ما توجهنا به إلى مجموعة من الناس وسألنا بعض أهل الاختصاص في هذا التحقيق .
تبدي بثينة السرساوي (عارضة أزياء) إعجابها الشديد بموجة أغاني التي رشرش تقول: تضفي هذه الأغاني المرح والفرفشة وتملأ الأجواء بالفرح . لا أهتم من أين أتت هذه الأغنية أو تلك ومن يغنيها، حتى ولو كان مصدرها الملاهي والحانات الليلية، أما بالنسبة لكلماتها ليس من الضروري فهمها، على سبيل المثال، وهناك أغان قديمة جددت إيقاعاتها الموسيقية واحتفظت بنفس الكلمات، وأصبحت تنبض بالحياة أكثر، ويؤديها مطربون كثر في حفلاتهم الغنائية، وهذا ليس خطأ لأن التجديد مطلوب، عندما أجتمع بأصدقائي في المقهى نتبادل النكت ولكن لا نضحك عليها كلها بخلاف موجة التي رشرش التي ترش الضحك والمتعة على أجوائنا .
توافقها الرأي أسماء السرساوي (أعمال حرة) وتقول: أحب هذا النوع من الأغاني لأنني أحب الرقص والدبكة، وما يثير إعجابي أكثر مساحة التعبير وإضافة كلام جديد من تأليفي، وهذا سر محبتي وانجذابي لها فكل مرة أرددها أشعر وكأنني مع لون فني جديد، وأيضاً تنفع كنغمة للموبايل وابتكار من الأغنية الأساسية أغنية جديدة، بأن أدخل عليها مقاطع من أغانٍ مختلفة أو نكتة، وهنا تكمن المتعة مع تطور تكنولوجيا الموبايل من نسخ وتغيير وتعديل .
أما جمال مدلجي (طالب سنة أولى في جامعة أبوظبي) فيقول: هذا النوع من الأغاني لاينتمي للأغاني الشعبية أو أغاني الدبكات والحفلات، إنما هي فقط لفت نظر للمطرب غير المعروف، والدليل على ذلك أن أصحاب هذه البدعة هم غير معروفين، إنما تقتصر شهرتهم على الملاهي الليلية .
ويضيف: لا أنكر استمتاعي بالأغاني الشبابية سريعة الإيقاع ولكن ليس لدرجة تلوث أذني بعشوائية أغانٍ لا تحمل مضموناً، وأذكر في حفلة ميلادي استماعي وأصدقائي لأغنية من هذا القبيل سقطت سهوا في السي دي فسببت لنا حالة من الارتباك والإزعاج لدرجة لم نعرف فيها ماذا نفعل نرقص أم نستمع أم نتوقف .
يوافقه الرأي أحمد عطا الله (طالب سنة ثانية، جامعة أبوظبي) ويقول: القائمون على إنتاج هذا النوع من الأغاني هدفهم ربحي فقط، متناسين تأثيرها في فئات المجتمع، وفي المقابل هناك الكثير من شباب اليوم أراهم في الجامعة وفي الأماكن العامة يستخدمونها كوسيلة للفت انتباه الفتيات والمارة مخلفة بذلك تصرفات همجية ومزعجة، وكذلك محلات التسجيلات وبيع الكاسيت أيضاً تستهويهم هذه الأغاني للترويج التجاري وهي متاجرة رخيصة للذوق والمعنى .
يختلف معهم زميلهم عامر عنون الذي يقول: أجد المتعة والفرح عند سماعي هذه الأغاني وليس بالضرورة فهم كل كلمة، فالإيقاع جميل وهذا يكفي لإشعال أجواء الحفلات والمناسبات، لا أحب المثالية في الفن بينما التغيير مطلوب أحياناً لكسر الملل حتى على مستوى ظهور أغان بلا امعنى، فمثلاً هناك أغنية لا أعرف معناها جيداً لكنها تجذبني ومطلعها: (قال قال قم لقى، هاي هاي هاي، قال قال قم لقى الخ . . .) أحب سماعها وقت التوتر وخاصة وقت الامتحانات، والدراسة فهي وسيلة لتغيير المزاج والفرفشة .
أما زيد عبدالعظيم (موظف في شركة للإلكترونيات في العين) لا يعتبر هذا الغناء انحطاطاً للذوق العربي، ويتابع: تفرضها وسائل الإعلام وكثرة التكرار وسماع هذه الأغاني بشكل دوري يؤدي إلى تخزينها بشكل تلقائي في العقل الباطن، وبالتالي تثبت بسرعة في الذاكرة، ولا ألقي باللوم كله على المغني لأنه برأيي ضحية، وجد نفسه أمام فريق عمل يشجعه على الانطلاق نحو النجومية ويوفر له ما استطاع من السبل والإمكانات . . طبعاً ليس لسواد عينيه ولكن لمصالح تعود بالفائدة على فريق العمل الذي أصبح يتاجر بالذوق والكلمات وحتى المعنى إن لم يكن يتاجر بمبادئ المؤدي المغني أصلاً، وبطبيعة الحال فإن العمل أياً كان يعود ببعض الفائدة على المغني الذي يشعر بشيء من اللذة من خلال الظهور .
يستهجن الشاعر عبد الكريم يونس هذا النوع من الأغاني بقوله: تفتقر كلماتها إلى المعنى والمضمون، فمغنية اليوم لا يهم إن كان صوتها جميلاً وكلمات أغانيها قوية، بل المهم شكلها والثياب التي ترتديها وتثير بها الغرائز، إضافة إلى حركاتها التي لا تخفى على أحد، فالفرق شاسع بين مطربات الزمن الجميل اللواتي كان الناس يطربون لسماع أصواتهن من دون أن يرونهن، فالصوت والكلمة وأخيراً اللحن كانت الأساس في نجاح المطربة أو فشلها وكذلك المطرب، ولا يمكن أن نضع مقارنة أو مقاربة بين أغنيات عبدالحليم حافظ مثلاً وبين من يغني بحبك يا حمار .
ويضيف: أغاني هذا العصر أصبحت تفتقد إلى أدنى مقومات الطرب الحقيقي، وصارت الكلمات المبتذلة لها الأولوية في سوق الكاسيتات، وفي رأيي أن السبب في هذا يعود إلى أننا بدأنا نفقد الكثير من قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا فانعكس هذا على جميع أمور الحياة . . ومنها الغناء .
من جانبه يشير الشاعر عادل العوادي، إلى أن العامل المساعد لانتشار ووصول هذه الأغاني لكل شرائح المجتمع هو: اللحن والتوزيع الموسيقي، حيث يتم في معظم الأحيان التركيز عليهما من دون الوقوف عند الكلمات، ولذلك يعمد معظم من يغني هذه الأيام عند عدم إيجاد كلمات لائقة وعدم موافقة كتاب الأغاني على منحهم كلماتهم، إلى الاستعانة بملحنين وذلك لتشتيت انتباه المستمع ويعلق: في رأيي ان الانحدار نحو ضياع قيمة الأغنية العربية .
يصف علاء الزين (مغنٍ) ما تشهده الساحة بقوله: هي مجرد حالة استماع مؤقتة وسوف تنقضي، لكنني شخصياً ضد هذا النوع من الأغاني فهي تميل للشعبية ولكنها لا تنتمي للفلكلور أو التراث، مجرد صدح وضجيج وإيقاعات تخلق أجواء يطلبها الجمهور، وهنا اضطر إلى مجاراة ما يريده الناس تلبية لرغباتهم، فهناك الكثيرون ومن مختلف الأعمار ممن تستهويهم هذه الأغاني وترضي أذواقهم . الفن الأصيل انتهى! ولمست تعطش الناس وحاجتهم لتغيير أجواء الحياة وما يلفها من نكبات وأخبار وحوادث مؤلمة في العالم عموماً والوطن العربي خاصة .
يتحدث الملحن محمد الشامسي الموادع قائلاً: انتشار هذه الأغاني بشكل كبير ما هو إلا استحداث موضة جديدة، في ظل غياب أي جديد منذ 5 أو6 سنوات تقريباً، فالألحان التي تطرح في الأسواق أكثرها متقاربة ومكررة، علماً بأن ولادة أي أغنية تتطلب 3 عناصر أساسية وهي نص الأغنية ثم اللحن ثم التوزيع الموسيقي، لتنصهر كلها في بوتقة الأغنية السريعة، في وقت يتسابق فيه كل من هب ودب ليصبح اللامغني مغنياً واللامخرج مخرجاً الخ . . في مهنة لمن لا يملك مهنة .
ويضيف: لو أجرينا مقارنة بين أغاني الحاضر والماضي، نرى غياب عذوبة الكلمة وصفاء اللحن وروعة الأداء، فالفنان سابقاً كان يسافر من بلد إلى بلد بحثاً عن شاعر مبدع وكلمات مختارة بدقة ليخرج بعمل فني عالي المستوى، أما الآن فلا عجب من أخذ الكلمات واللحن على الهاتف في زمن السرعة زمن التيك أواي، وكثيرون ينجرفون خلف هذه الأغاني تماشياً مع التيار والموضة، ومما يشجع على ترويج مثل هذه الأغاني بشكل غير مرغوب عدم وجود نقابة فنية تعنى بشؤون الفن والفنانين، فمثلاً الإمارات تحتضن عدداً هائلاً من الفنانين والملحنين والشعراء من جميع أنحاء الوطن العربي، لكن لا توجد في أغلب الأحيان رقابة تحفظ حق كل منهم، وتحمي جهد الفنان وما تكلفه مادياً لإنتاج ألبومه الغنائي . الآن توقفت في الاستديو الذي أملكه عن الإنتاج الفني أو تبني مطرب ناشئ لأن هذا يأتي علي بالخسارة أكثر من الربح في وقت أصبح الألبوم الغنائي يطرح في الأسواق لتتجاذبه الأيدي الطامعة بعد 10 دقائق من صدوره لنجده على الانترنت منتشراً بسرعة البرق، وكذلك ما يفعله أصحاب محلات الكاسيت وإفسادهم لتعب المنتج أو الفنان وضربه عرض الحائط، هنا تكمن المصيبة ومع ملاحقة هؤلاء لا ينتهي الموضوع، فمن الضروري سن قوانين تعاقب المستنفعين من جهد الفنان والمنتج، كما يجب حظر المواقع التي تنسخ الأعمال الفنية بهدف ربحي بحت وتؤثر سلباً في مسيرة الفنان .
فادي الصائغ موزع موسيقي عراقي من منتقدي هذه الأغاني قائلاً: تحول المطرب إلى آلة موسيقية تغني بإيقاعات سريعة في زمن الانترنت والاتصال السريع، وانتشرت في الآونة الأخيرة في بعض البلدان العربية أغاني الدبكات الشبابية بصورة مبتذلة، فإذا تطرقنا للكلام نجده تارةً فارغاً من المعنى وتارةً مبهماً وغير مفهوم يصل إلى درجة السب والشتم وأخشى ما أخشاه تطبيق ثقافة فن الهيب هوب المنتشر في أمريكا . من المؤسف الابتعاد عن الأغنية الكلاسيكية والشعبية والتراثية في عصر الحداثة وتحت شعار الزمن يريد ذلك تماشياً مع مسمى آخر موضة وآخر صرعة .
طارق الهاشمي (أختصاصي اجتماعي) يقول: بداية دخول فن الراي إلى المجتمع العربي كانت من خلال أغنية الشاب خالد دي دي التي اكتسحت الشرق والغرب رغم صعوبة فهم الكلمات، لكنها وصلت لشريحة كبيرة، وظهر عدد من الأغاني التي نجحت بسبب التوزيع الموسيقي واللحن بعيدًا عن مستوى الكلمات سواء كان قوياً أو ضعيفاً، فالناس تتأثر بالأغنية، وهي تنقسم إلى الكلمات واللحن وأخيرا التوزيع الموسيقي، ويؤديها شخص صاحب صوت وموهبة، فإذا وصلت لشريحة كبيرة نتساءل عن سبب نجاحها فنجد أن الذوق ليس السبب فقط بل عوامل أخرى مساندة مثل الإعلام أو وسائل التواصل العدة التي تسهم بشكل مباشر في انتشار ورواج هذه الموضة، ما الذي يجعلنا نحب أغنية من لغة أخرى لا نعرف معنى كلماتها؟ السبب موسيقاها مع صوت الفنان .
ويضيف الهاشمي: التركيز على الكلمات يختلف من شخص لآخر وأغنية عن أخرى فمثلاً أغنية فوق لنا خل من التراث العراقي اشتهرت بفوق النخل وهي خطأ وكثير منا لا يعلم تلك المعلومة، والسبب أنها علقت في البال لحنياً وموسيقياً بهذا الشكل وهذا المعنى .