محمد إسماعيل زاهر
احتفل العالم الأربعاء الماضي باليوم العالمي للكتاب، والآن نحن نحتفل في الإمارات بالدورة الجديدة من معرض أبوظبي للكتاب، إن تعدد المناسبات التي تحتفي بالكتاب تدفع البعض إلى تناوله من منظور جمالي، والبعض الآخر سيتطرق إلى تجلياته الأدبية والفكرية، وربما تتبع أحدهم تجلياته من زاوية سيمائية، وهناك من سيلتفت في قراءته إلى الإحصائيات التي لا نهاية لها في هذا الحقل، ومن سيقدم المقترحات للنهوض بصناعته في الوطن العربي، ومن سيطالب بكذا وكذا، ومن سيتورط في حديث وجداني، ومن سينتقد . . إلخ، والكل سيسأل نفسه ما المغاير الذي يمكن كتابته في هذه المناسبات؟ خاصة أن أحوال الكتاب، كما تطرح وتناقش، معلومة للجميع .
إن الاحتفال بالكتاب يفرض علينا أسئلة عدة في ما يتعلق بإشكاليات الكتاب في الوطن العربي كما نناقشها دائما، وهي إشكاليات يمكن تضمينها في قائمة تشمل جوانب تتعلق بالنشروالتوزيع وتسهيل عبور الكتاب بين الأقطار المختلفة . . إلخ، ولكن المفارقة تكمن في غياب الإحصائيات التي تخبرنا بما فعلناه لتجاوز هذه الإشكاليات، إذن نحن أمام حالة نعلم أعراضها على وجه الدقة، ونعلم طرائق العلاج أيضاً، ونجهل في الوقت نفسه ما حققته هذه الطرائق على أرض الواقع .
هل هناك مشكلة في انتاج الكتب؟ فبرغم حديث لا ينتهي ومقارنات أصبحت مملة عن تراجع معدلات انتاج الكتاب العربي مقارنة بثقافات أخرى، فإن التجول في المعارض أو المكتبات يخبرنا أن هناك العشرات وربما المئات من الكتب التي تصدر بصفة دورية من دون أن يسمع بها أحد، وهناك أيضا العشرات من الأسماء الجديدة في حقول التأليف كافة، والتي تشكو من البقاء لسنوات في الظل، والحال نفسه لا يتعلق بالكتب الصادرة بالعربية ولكنه ينطبق أيضا على الترجمات، لقد أصدر المشروع القومي للترجمة في مصر ما يقترب من 1500 كتاب، ومشروع كلمة في الإمارات أكثر من 700 كتاب، بالإضافة إلى مئات الكتب المترجمة الصادرة هنا وهناك، فهل تابعت المجلات والملاحق الثقافية والندوات والأمسيات هذه الإصدرات؟ من جانب آخر أصبحنا نقرأ عن دور نشر تتأسس يوميا، وتلهث وراء الكتاب، فضلا عن انتعاش ما يعرف بالنشر الإليكتروني، وهو ما يستدعي ضرورة مراجعة مقولة أخرى تتعلق بتهديد النشر الإليكتروني للورقي والتي لا نمل من طرحها في مقالات وتحقيقات وحوارات وصلت إلى طريق مسدود .
في الشق المقابل، المعني بالقراءة بوصفها الهدف النهائي من عملية انتاج الكتب وبوصفها إحدى نقاط الضعف في الثقافة العربية أيضاً كما أكدت تقارير وتحليلات عدة، يمكننا أن نسأل عن نسب المطالعة "المتراجعة" دوما: ماذا عن عشرات المواقع الإليكترونية التي تمتلئ بمئات من عروض الكتب، والتعليق عليها بحرفية ومهارة يفتقر إليها أحيانا بعض المنتسبين للثقافة المعتمدة؟ وماذا عن عشرات الكتب التي يضعها البعض على قائمة القراءة؟ إن فعل القراءة نفسه مراوغ، فهناك قراءة إمتاعية وأخرى وظيفية، وثالثة بهدف البحث والدراسة، ورابعة متمهلة، وخامسة متأملة، وسادسة نوعية، وسابعة فردية، وثامنة جماعية، وربما تنتعش القراءة في مجتمع ولا يستطيع استثمارها في منتج معرفي جاد، وربما تقتصر على نخبة نشطة وفعالة تشد الجميع إلى الأمام، الأمر الذي يحتاج إلى نظرة أخرى تبحث عن حقيقة "المشكلة" التي يشعر بها الجميع في ما يخص الكتاب/ القراءة .
تتلخص مشكلتنا مع الكتاب أولا في غياب البعد المعلوماتي الذي يرصد وفق دراسات حديثة نسباً حقيقية لتوزيع الكتب تخلو من الإهداءات والشراء المؤسسي، وغياب الدراسات المتعلقة بالقراءة ثانيا، فلا يكفي أن نستثير المتابعين من خلال أبحاث تقول إن العربي يقرأ ربع صفحة في اليوم، فضلا عن حلم عسير بدراسات تبحث سيسيولوجيا كيفية استيعاب المجتمع للأفكار الجديدة التي تطرحها الكتب .
الأهم من ذلك مدى الاستيعاب الثقافي للأفكار التي توفرها الإصدارات والترجمات الجديدة التي لا تجد منفذا لها داخل الساحة الثقافية العربية، فمنذ فترة بسيطة ترجمنا كتاب "حكاية جينجي" للكاتبة اليابانية موراساكي شيكيبو في جزأين كبيرين، والذي يرجح أنه كتب للمرة الأولى في عام 1000م، وبرغم إشارات البعض إلى تأثير هذه الملحمة في الأدب والفن الياباني، وما دعا إليه آخرون بضرورة اعتبارها أول رواية حديثة تسبق "دون كيخوتة" لسيرفانتس، وخاصة أنها لامرأة، فإن تلك الإشارات لم يتم تداولها على بساط البحث، فالجديد لا يثير النقاش، أو لا يلفت الانتباه، وربما لا يستدعي الاهتمام، فالتمركز دائما حول الأفكار المعتمدة والمكررة التي اكتسبت قوتها من خلال إعادة التدويروالتكريس، والنماذج كثيرة، نلمح بعضها يوميا، والبعض الآخر يقبع في بطون آلاف الكتب التي تصدر كل يوم حول العالم .
نحن لا نرى الكتاب الأداة الأساسية للمعرفة، بل لا توجد رؤية واضحة ومحددة لتلك الكلمة السحرية "المعرفة"، التي أصبحنا نلحقها مؤخرا بالمجتمع والاقتصاد . . إلخ، المعرفة في أحد معانيها تعني الاستكشاف ومغامرة الانفتاح على الجديد والمغاير، وإعادة تأمل القديم واختبار مقولاته وفرضياته واستبعاد المتكلس وغير المفيد منه وإبقاء ماهو صالح وقابل للدخول في جدل مثمر وبناء .