للأفلاج في الإمارات تاريخ طويل . حيث ارتبط بناؤها بالري والسقاية . وكلمة (فلج) أو حسب ماتلفظ محلياً (فَلَيْ) مفرد وجمعها (فلاية) . . وهو الشق أو المجرى المائي الذي يبنى تحت الأرض . . وأحياناً يظهر على بطن الأرض . . وأصل الكلمة من الفصحى الفلج وهو النهر الصغير والجمع أفلاج . . وعن تاريخ هذه الأفلاج خاصة منها التي بنيت في مدينة العين التي تعتبر من الواحات الغنية بالأفلاج التي تستخدم لري المزارع والنخيل وردت بعض الأقاويل . . فإن الناس منذ قديم الزمان كانت لديهم خبرة واسعة بمجاري المياه وكانوا يتتبعون منابعها . . وفي مدينة العين يوجد جبل حفيت الذي يعتقد الأهالي أن مياه الأفلاج تنبع من مجاري تحت هذا الجبل وتمر عبر قنوات طبيعية، كهوف أو مجاري تحت الأرض بعضها قديمة جداً ترجع إلى زمن استقرار مالك بن فهم الأزدي في عُمان . . فقد ذكر سرحان بن سعيد الأزكوي في كتابه (كشف الغمة) أن هذه الأفلاج حفرها النبي سليمان بن داوود عليهما السلام . . ويذهب الأزكوي إلى أن مالك بن فهم مؤسس عُمان طهر عُمان من الفرس وطردهم منها بعد أن قتل المرزبان . . أثناء ذلك طلب الفرس مهلة سنة للخروج من عُمان فأعطاهم ذلك ولكنهم استغلوا المهلة وطمسوا الكثير من الأفلاج وأزالوا معظمها وخربوها . . وفي رواية أخرى أن هذه الأفلاج حفرها شداد بن عاد بن إرم بن سام وهو أحد ملوك العرب المشهورين في تاريخ اليمن حتى إن بعض المصادر ذكرت أن شداد بن عاد هو الذي شيد إرم ذات العماد التي أشار إليها الخالق جل شأنه في القرآن الكريم .

ولأهميتها في الزراعة والسقاية لاقت الأفلاج عناية خاصة من شيوخ الإمارات منذ زمن طويل . . وقد كان الشيخ سلطان بن زايد بن خليفة الذي حكم أبوظبي بين 1922 - 1926م أول من اعتنى بالأفلاج وبناء القلاع وفلاحة الأرض وزراعتها . . وقد بني له قصر لايزال موجوداً إلى الآن في شرقي العين وسجل على بابه تاريخ بنائه وهو في 3 شعبان عام 1358ه وكتب في أعلى عتبة الباب هذه الأبيات:

لاح نجم السعد في باب العلا

مجده باق على رغم المعاند

أشرق التاريخ باليوم السعيد

شاد بيت الملك سلطان بن زايد

وقد كان آل نهيان يعتنون بالري والزراعة لما لها من فائدة عظيمة على الإنسان، فالزراعة السلعة الدائمة التي ارتبطت بالإنسان منذ وجوده على الأرض لذا كان اهتمام شيوخ آل نهيان بزراعة الأرض وفلاحتها ينبع من إيمانهم بقيمة الغرسة وفائدتها وارتباطها بالإيمان، لذا ظل هذا العمل المتوارث من أولويات اهتمام آل نهيان . . وقد قام الشيخ سلطان بن زايد بحفر فلج المويجعي الذي استمر العمل فيه عامين . . وأدى هذا العمل إلى إزدهار قرية المويجعي ونشاطها الزراعي . . بعد ذلك حفر عدة أفلاج مثل فلج المسعودي وفلج الجاهلي وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، رائد نهضتنا ومؤسس دولة الاتحاد منذ توليه حكم العين والمنطقة الشرقية عام 1946م اعتنى بالزراعة والري، وحفر القنوات والأفلاج خاصة القديمة المطموسة وبنائها واستغلالها للزراعة، وباشر الشيخ زايد بحفر (فلج الصاروج) والذي بدأ العمل فيه منذ العام 1948م واستمر مدة ثمانية عشر عاماً، فلم يتراجع عن مواصلة استصلاح هذا الفلج وإعادته لعهده القديم، مع طول هذا الفلج الذي يبلغ كيلو متراً ونصف كيلومتر، ويجري فيه الماء إلى مسافة تقدر ب 65 قدماً تحت الأرض، وأشرف بنفسه على متابعة العمل في إصلاح مجرى الفلج بهدف استصلاح الأراضي وزراعتها، وبعد أن انتهى من العمل نظم الشيخ زايد عملية السقاية واضعاً نصب عينيه العدالة في توزيع مقادير المياه على الأراضي الزراعية، حيث ألغى سيطرة الأغنياء على المياه واستغلالهم لها خمس مرات في الشهر بينما لايحصل الفقير إلا على مرة واحدة كل عدة أشهر، واستغل الأغنياء حاجة الفقراء وبدأوا يبيعون لهم الماء من حصصهم، من يومها أمر الشيخ زايد بأن السقاية حرة متاحة للجميع . فأباح للفقراء استغلال أفلاج آل نهيان من دون مقابل، ومن يومها أصبحت السقاية من فلج الصاروج الجديد حرة ومشاعة بين الناس . . هذا هو زايد باني الحضارة يتدخل دائماً لإحقاق العدل بين الناس ورد الظلم، وسمعنا كيف استطاع تحدي خبراء الزراعة في مطلع السبعينات الذين طلب منهم الشيخ زايد حلاً لزراعة الكثبان الرملية في العين، فقالوا لا يمكن أن تصلح الزراعة في هذه الأرض الفقيرة لكن الشيخ زايد أصر على رأيه وحول العين إلى واحه خضراء، فهذا العمل لايقوم به إلا بُناة الحضارات من الزعماء الذين يتحلون بفكر خلاق ورأي سديد .

[email protected]