تحقيق: راندا جرجس

القلب عضو عضلي مجوف يضخّ الدم لمختلف مناطق الجسم، عبر العديد من الشرايين والأوردة، وهو كباقي أعضاء الجسم يمكن أن يتعرض للعديد من المشاكل الصحية الناتجة عن اضطرابات مختلفة أو التقدّم في السن، والإصابة ببعض الأمراض المزمنة مثل: داء السكري، ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع هوموسيستين الدم وازدياد نسبة الكولسترول، ولذلك تتعدد الإصابات التي تستهدف القلب من شخص لآخر كـعدم انتظام ضربات القلب، الجلطة القلبية، الذبحة الصدرية، تصلب الشرايين.. وغيرها، وفي السطور القادمة يحدثنا الخبراء والاختصاصيون عن هذا الموضوع وطرق الوقاية والعلاج.
يقول الدكتور وليام الزغبي، استشاري أمراض القلب والأوعية الدموية إن الغالبية العظمى من أمراض القلب هي أمراض في الشرايين التي تنقل الدم إلى العضلات والتي تتسبب في الإصابة بغالبية حالات السكتة القلبية والوفيات، كما تتضمن الأمراض المتعلقة بالصمامات القلبية، حيث يترتب على المرضى علاج أو استبدال الصمام وفقاً للحالة، أما المجموعة الثالثة من أمراض القلب فهي العدوى الفيروسية أو المجالات الأخرى التي تؤثر على عضلة القلب وليس الشرايين، ما يؤدي إلى حدوث ضيق في النفس والتعرض لخطر الوفاة، ويمكننا تشبيه القلب بالآلة الديناميكية المجهزة بجهاز لتنظيم نبضات القلب، حيث تتعرض الكهرباء أحياناً إلى انقطاع أو مشكلات لتسبب اضطرابات، وهو ما يؤدي عموماً إلى خفقان في القلب وحدوث الوفاة، ومن أكثر أمراض القلب شيوعاً أمراض القلب التاجية، عندما يبدأ الكولسترول أو التكلس المرتفع بسد الشرايين والتسبب في الإصابة بأزمة قلبية، ولكنها تعد أيضاً من الأمراض التي يمكن الوقاية منها من بين أمراض القلب الأخرى.


الفئة الأكثر تهديداً


يفيد د.الزغبي أن هناك عوامل تحدد خطورة أمراض القلب التاجية، وتتضمن التدخين السلبي واستنشاق الأدخنة والملوثات، والتاريخ المرضي للعائلة، إضافة إلى الأمراض المتعلقة بأسلوب الحياة المتبع بما في ذلك السكري وارتفاع ضغط الدم والكولسترول، وبعض الأشخاص الذين يقضون غالبية وقتهم جالسين خلف مكاتبهم أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب، حيث يترتب على الشخص ممارسة الرياضة لمدة 30 دقيقة يومياً على الأقل ومشي 10,000 خطوة يومياً، بالإضافة إلى اتباع نظام غذائي صحي، يمكن للأمراض المرتبطة بأسلوب الحياة مثل السكري والسمنة وضغط الدم والكولسترول، أو التاريخ المرضي في العائلة أن يكون لها تأثير على صحة القلب.

تصلب الشرايين

يوضح الدكتور محمد أحمد حلمي استشارى أمراض القلب، انه تم إجراء أكثر من مليون عملية قلب مفتوح جراء عمليات القلب في العالم سنوياً لتوصيل الشرايين التاجية، وهناك عدة أسباب تؤدي إلى تصلب شرايين القلب ومن أهمها الارتفاع في ضغط الدم وكذلك مرضى السكري، التدخين، الزيادة في الوزن إضافةً إلى الأسباب الوراثية مثل إصابة أحد الوالدين أو الأخوات بهذا المرض، وتأتي أعراض وجود تصلب بالشرايين على شكل حدوث آلام الذبحة الصدرية وهو ألم بمنطقة الصدر، وربما يتصاعد الألم للكتف، وتعرف أسباب حدوث هبوط عضلة القلب، أنها نتيجة وجود انسداد بالدعامات سابقاً.

علاجات حديثة

يشير د.حلمي إلى انه يتم حالياً تعميم استخدام الوصلات من الشرايين لإجراء جراحة القلب، وذلك يعطي نتائج أفضل وعمراً افتراضياً أطول للشرايين التاجية، وكذلك من الممكن إجراء الجراحة عن طريق القلب النابض، أو عمل فتحة صغيرة جانبية بصدر المريض (التدخل المحدود)، وذلك طبقاً للحالة وعدد الشرايين المصابة، وللمحافظة على القلب، يجب الاعتدال في تناول كميات الطعام، والمحافظة على قسط وافر من الراحة والانتظام في ممارسة المشي يومياً لمدة نصف ساعة.

تمدد الشريان الأورطي

يذكر الدكتور محمد عبد السميع شحاتة استشاري أمراض القلب، أن الإصابة بتمدد الشريان الأورطي تعتبر من أهم و أخطر أمراض الأوعية الدموية التي تصيب الإنسان حيث يعد هو الوعاء الشرياني الأكبر في جسم الإنسان، ويتولى مهمة توزيع الدم المحمل بالأكسجين إلى جميع أعضاء الجسم، حيث تكمن خطورة الإصابة بمرض تمدد الشريان الأورطي في غياب الأعراض عن معظم المرضى، ويمكن تقسيم المرضى المصابين إلى قسمين بناء على مكان حدوث التمدد تشريحياً كالآتي:
* يعاني مرضى القسم الأول من تمدد الشريان الأورطي بداية من نشأة الشريان الأورطي مروراً بالقوس الأورطي ونزولاً حتى مستوى الحجاب الحاجز.
*بينما يعاني مرضى القسم الثاني من تمدد الشريان الأورطي بداية من مستوى الحجاب الحاجز وحتى نهاية نفس الشريان.

متلازمة مارفان

يبين د. شحاتة، أن معظم المرضى من القسم الأول يعانون من متلازمة (مارفان) ويتصف هؤلاء المرضى بزيادة في طول عظام الجسم، وزيادة لين بعض المفاصل بالإضافة إلى تشوهات العمود الفقري، ويتم تشخيص المرض عن طريق الموجات الصوتية العادية على القلب عن طريق منظار المريء، الموجات الصوتية على البطن، الأشعة المقطعية باستخدام الصبغة والرنين المغناطيسي، وتتلخص الأعراض الخاصة بتمدد الشريان الأورطي في مثل هذه الحالات بـ:
- شعور المرضى بآلام في الصدر.
- حدوث ضيق في التنفس نتيجة ضغط الشريان الأورطي على الشعب الهوائية.
- صعوبة في بلع الطعام نتيجة ضغط الشريان الأورطي على البلعوم.
- تغير واضح في حدة الصوت نتيجة ضغط الشريان الأورطي على العصب المغذي للأحبال الصوتية.
- انغلاق جدار الشريان الأورطي الذي يعتبر من أهم المضاعفات الخطيرة، التي يمكن أن تودي بحياة المريض.

وسائل علاجية

يؤكد د. شحاتة على أن العلاج التداخلي يتم بناء على قياس مدى تمدد الشريان الأورطي، بحيث يتخذ قرار التدخل عند تخطي قطر الشريان الأورطي لحاجز الـ 55 مليمترا أو الـ50 مليمترا في حالات متلازمة مارفان، وأحياناً يتم النزول بالحد الأقصى لقطر الشريان الأورطي إلى 45 مليمترا في حالات التمدد السريع عند المتابعة السنوية، ارتفاع ضغط الدم، ووجود تاريخ مرضي عائلي بنفس المرض، أو عند الرغبة في حدوث حمل عند السيدات، ومن المعروف أن القطر الطبيعي للشريان الأورطي لا يتعدى حاجز الـ40 مليمترا، ويتكون العلاج من شقين كالآتي:
* الشق الأول ينطوي على العلاج الطبي الخاص بعوامل الخطورة التي يعاني منها المريض ويعتبر أهمها على وجه الإطلاق هو السيطرة على مرض ضغط الدم المرتفع، وأثبتت بعض الدراسات الحديثة بعض التأثير الإيجابي لبعض العقاقير مثل: حاصرات أو مضادات بيتا بالإضافة إلى عقار (لوزارتان).
* الشق الثاني العلاج التداخلي: وينقسم إلى نوعين وهما: التدخل الجراحي عن طريق إصلاح الجزء المصاب من الشريان الأورطي واستبداله ببعض الأجزاء الصناعية، بينما يتمثل النوع الثاني في العلاج التداخلي في تركيب الدعامات الصناعية عن طريق القسطرة التداخلية.
يضيف: أما مرضى القسم الثاني من تمدد الشريان الأورطي، فيجب الإشارة إلى أن التدخين يعتبر من أهم عوامل الخطورة التي تؤدي إلى نشأة وتطور تمدد الشريان الأورطي في هذا القسم من المرضى، ويتم اكتشاف المرض عن طريق الصدفة عند إجراء بعض الفحوص الطبية الروتينية في المرضى الذين لا يعانون من أي أعراض، بينما يعاني بعض المرضى من بعض الآلام في البطن أو الظهر، وأثبتت الدراسات الحديثة بعض التأثير الإيجابي للعقارات الخافضة لمستوى الدهون بالدم مثل عقار (أتورفستاتين)، بينما يتضمن الشق الثاني العلاج التداخلي جراحياً أو عن طريق القسطرة التداخلية، وبناء على قياس مدى تمدد الشريان الأورطي بحيث يتم اتخاذ قرار التدخل عند تخطي قطر الشريان الأورطي لحاجز الـ55 مليمترا أو إذا وصل معدل تمدد الشريان إلى أكثر من 10مليمترات في السنة.

سبل وقائية

يوصي د.شحاتة ببعض طرق الحماية من المرض، بالسيطرة على عوامل الخطورة التي تؤدي إلى الإصابة بأمراض الأوعية الدموية المختلفة مثل ارتفاع ضغط الدم، البول السكري، ارتفاع نسبة الدهون بالدم، الابتعاد تماماً عن التدخين، وأيضاً في إجراء الكشف الدوري والفحوص الدورية التي يوصي بها طبيب أمراض القلب، كما ينصح باتباع نظام غذائي صحي من خلال الإكثار من تناول الخضروات والفواكه ومضادات الأكسدة والابتعاد عن الإكثار من تناول الدهون وخاصة المشبعة التي توجد بكثرة في الوجبات السريعة، كما يجب المداومة على تخصيص وقت يومي لممارسة بعض التمارين الرياضية التي تساعد على إبقاء شرايين الجسم في صحة جيدة.

أورام القلب الخبيثة

يفيد الدكتور مايكل رياردون، استشاري أمراض القلب والأوعية الدموية، أن احتمالية الإصابة بورم خبيث يتم تشخيصها بشكل عام بناء على النتائج التي نحصل عليها من التصوير، حيث نكتفي عادة بظهور الأورام اللحمية الغرنية (ساركوما) في الشريان الرئوي والقلب الأيسر لتحديد طريقة العلاج بما أن هذه الأورام تظهر بوضوح نظراً لضخامتها، وتسببها في حدوث السكتات القلبية، الأمر الذي يحتاج إلى تدخل جراحي لإزالة الورم حتى لو كان حميداً لتخفيف حدة السكتة القلبية، أما عند ظهور الأورام اللحمية الغرنية في القلب الأيمن فيتم أخذ خزعة من الأنسجة باعتبارها الطريقة الوحيدة للتشخيص بشكل قطعي، وهناك أهمية كبيرة لأخذ الخزعة في حالات القلب الأيمن خاصة وأن ما يقارب 10% من حالات ظهور الورم لا يتم تشخيصها كأورام لحمية الغرنية ويمكن عندها العلاج دون تدخل جراحي، كما أظهرت التجارب أن العلاج الكيميائي في مراحل المرض الأولى يساعد على تقليص حجم الورم، ما يؤدي إلى نتائج أفضل للجراحة والشفاء في حالات الأورام اللحمية الغرنية.

أسباب الإصابة

يذكر د. رياردون أن الأورام الخبيثة تعتبر أوراماً لحمية غرنية بشكل عام، وتنتج جميعها عن عيوب جينية ناجمة عن انقسام الخلية والتي لا يستطيع الجسم مقاومتها، ويعتبر ظهور الأورام الخبيثة في القلب من الحالات النادرة، وذلك نظراً لانقسام خلايا القلب بشكل غير منتظم، وتُعد هذه العيوب الجينية في الانقسام عشوائية ولا ترتبط بالعوامل الوراثية أو البيئية للمصاب مثل نوعية الطعام أو التدخين. ويمكن الإصابة بالأورام اللحمية الغرنية نتيجة علاج ممتد لسنوات بالأشعة السينية (عادة لعلاج أمراض مثل سرطان الغدد اللمفاوية)، ولا يوجد عمر محدد للإصابة بأورام القلب، بما فيها الخبيثة، إلا أن الأورام الأكثر شيوعاً بين الفئة العمرية للمرضى ما بين 30 وحتى 50 عاماً، الأمر الذي يجعل هذا المرض أكثر صعوبة بالنسبة للمرضى باعتبارها مرحلة تكوين أسرة وبناء المسيرة المهنية.

مخاطر ومضاعفات

يؤكد د.رياردون على أن المضاعفات تتمثل بشكل رئيسي في نمو حجم الورم بشكل كبير للدرجة التي يتم فيها إعاقة تدفق الدم عبر القلب، ما يتسبب في حدوث سكتة قلبية، ومن الممكن أن يتسبب الورم بالانصباب التاموري (أي تجمُّع لسوائل حول القلب داخل التامور، وهو تركيب كيسي ثنائي الطبقة يحيط بالقلب)، ويمكن لهذه السوائل أن تزيد وتعيق قدرة القلب على الامتلاء، ما يسبب سكتة قلبية أيضاً، كما يمكن أن تشمل المضاعفات آلاماً في الصدر وعدم انتظام في ضربات القلب.

الاغتراس الذاتي

يفيد د.رياردون أن اللجوء إلى زراعة القلب الاعتيادية لعلاج أورام القلب الخبيثة نادر الحدوث وذلك لسببين: ففي حال قمنا بعملية زراعة للقلب، فمن اللازم تثبيط مناعة المريض لتجنب رفض الجسم لهذه الزراعة، إلا أن تثبيط المناعة بالتزامن مع وجود ورم خبيث ربما يتسبب في حدوث انعكاسات غير متوقعة، فمن الممكن أن تؤثر على حجم الورم، ويكمن السبب الثاني في محدودية عدد المتبرعين بالقلب وأولوية زراعته للحالات التي تعاني من سكتات قلبية بدلاً من المرضى ممن يعانون من أورام خبيثة، وعند الإصابة بورم خبيث في القلب، نقوم باستخدام تقنية «الاغتراس الذاتي» التي تسمح لنا بنقل القلب خارج الجسم للقيام باستئصال الورم وترميم خلايا القلب بسهولة أكبر، ومن ثم نقوم بإعادة القلب ذاته إلى جسم المريض دون الحاجة إلى تثبيط المناعة.

نسبة الشفاء

ويوضح د.رياردون أن معظم أنواع السرطانات يتم الشفاء منها بنسب ضئيلة، كما أن عملية تحويل مجرى الشريان التاجي أو تركيب الدعامات لا تعالج الإصابة بل تقوم بتحويلها إلى مرض مزمن من الممكن التحكم به والتعايش معه بشكل طبيعي، كما أن معدل نجاة المريض من الساركوما القلبية هو أقل من 6 أشهر في حال عدم اللجوء إلى التدخل الجراحي، حيث كان من الشائع تحديد سبب الوفاة بحدوث السكتة القلبية إلى أن تم تطوير مزيد من التقنيات في هذا المجال، ومن المؤسف أن الأورام الخبيثة في القلب، مثلها مثل أي أمراض خبيثة أخرى، تنتشر في منطقتنا كما تنتشر في خلايا الجسم، وهي أحد الأسباب الأكثر شيوعاً للوفاة، ولكن بفضل الجهود الطبية، أصبح المريض يعيش لسنوات بدلاً من أشهر معدودة، وما زال العلماء يعملون على اختبار الجينات لهذه الأورام لإيجاد علاجات بيولوجية أفضل إلى جانب العمليات الجراحية.

دراسات وحقائق

توصي الجمعية الأوروبية لأمراض القلب، بضرورة التأكد من سلامة الشريان الأورطي في الرجال بداية من سن 65 عاماً، وفي الإناث المدخنات بداية من السن ذاته، حيث تأتي الأمراض القلبية الوعائية في صدارة أسباب الوفيات في جميع أنحاء العالم، بنسبة ثلاثة أرباع الوفيات الناجمة عن الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ويفوق عددها أيّاً من أسباب الوفيات الأخرى.
وأكدت الإحصائيات أن هناك نحو 17.5 مليون نسمة، توفوا جرّاء الأمراض القلبية الوعائية في عام 2012؛ ما يمثل 31% من مجموع الوفيات التي وقعت في العالم في العام نفسه.