يعلمنا القرآن الكريم أن إيمان الإنسان لا يتحقق ولا يؤدي أهدافه ومقاصده في سلوكياته إلا إذا أدى ما عليه من فرائض وواجبات دينية وتعامل مع نعمتي الأموال والأولاد وفق ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما أخبرنا الحق سبحانه بأن تقوى الله تخلصنا من الكثير من ذنوبنا ومشكلاتنا وأزماتنا .

يقول الحق سبحانه في سورة الأنفال: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم . يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم .

روى المفسرون في سبب نزول قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله روايات منها: ما جاء عن ابن عباس من أنها نزلت في أبي لبابة حين بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فقالوا له: يا أبا لبابة ما ترى؟ أننزل على حكم سعد بن معاذ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه . . أي أن حكم سعد فيكم سيكون الذبح فلا تنزلوا .

قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله .

ومنها ما جاء عن جابر بن عبدالله من أنها نزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان يطلعه على سر من أسرار المسلمين .

وقيل إنها نزلت في قوم كانوا يسمعون الشيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يحدثون به المشركين .

سوء عاقبة الخائن

قال ابن كثير في تفسيره: والصحيح أن الآية عامة وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فإن الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هو المعتمد عند جمهور العلماء .

ومن هنا يكون المقصود بخيانة الله: ترك فرائضه وأوامره التي كلف العباد بها، وانتهاك حرمته التي نهى عن الاقتراب منها . . والمقصود بخيانة الرسول صلى الله عليه وسلم: إهمال سننه التي جاء بها وأمرنا بالتقيد بتعاليمها . . والمقصود بالأمانات: الأسرار والعهود والودائع وغير ذلك من الشؤون التي تكون بينهم وبين غيرهم مما يجب أن يصان ويحفظ .

والمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله بأن تهملوا فرائضه وتتعدوا حدوده، ولا تخونوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن تتركوا سنته وتنصرفوا إلى غيرها وتخالفوا ما أمركم به وتقترفوا ما نهاكم عنه . . ولا تخونوا أماناتكم بأن تفشوا الأسرار التي بينكم، وتنقضوا العهود التي تعاهدتم على الوفاء بها وتنكروا الودائع التي أودعها لديكم غيركم، وتستبيحوا ما يجب حفظه من سائر الحقوق المادية والمعنوية .

وقوله سبحانه وأنتم تعلمون أي: والحال أنكم تعلمون سوء عاقبة الخائن لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللأمانات التي أاؤتمن عليها . . فعليكم أن تتجنبوا الخيانة في جميع صورها لتنالوا رضا الله ومثوبته .

إيثار حب الله

ولما كان حب الأموال والأولاد والاشتغال بهم من أهم دواعي الإقدام على الخيانة فقد نبه سبحانه إلى ذلك فقال: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم .

أي: واعلموا أيها المؤمنون أن أموالكم وأولادكم فتنة . . أي امتحان واختبار لكم من الله تعالى ليتبين قوي الإيمان من ضعيفه .

أما قوي الإيمان فلا يشغله ماله وولده عن طاعة الله بينما ضعيف الإيمان يشغله ذلك عن طاعة الله، ويجعله يعيش حياته عبداً لأمواله، ومطيعاً لمطالب أولاده حتى ولو كانت هذه الطاعة متنافية مع تعاليم وآداب دينه .

فالواجب على المؤمن اتقاء خطر الفتنة الأولى بكسب المال من وجوهه الحلال وإنفاقه في وجوهه المشروعة . . واتقاء خطر الفتنة الثانية باتباع ما أوجبه الله على الآباء من حسن تربية الأولاد على الالتزام بالدين والحرص على الفضل وتجنبهم كل أسباب المعاصي والرذائل .

وقوله سبحانه: وأن الله عنده أجر عظيم ترغيب للمؤمنين في طاعة الله بعد أن حذرهم من فتنة المال والولد .

أي: واعلموا أن الله عنده أجر عظيم لمن آثر طاعته ورضاه على جمع المال وحب الأولاد فكونوا أيها المؤمنون من حزب المؤثرين لحب الله على حب الأموال والأولاد لتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة .

نعمة أو نقمة

ويقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث بالأزهر: إن الآية السابقة تحمل لنا هدايات كثيرة فهي تنبهنا إلى حقيقة مهمة ينبغي أن ندركها ونعمل بها وهي أن الأموال والأولاد نعمة من الرازق الواهب وينبغي أن نسعد بهما لو طبقنا منهج الله فيهما . . ومنهج الله في الأموال هو جمعها من طرقها المشروعة وإنفاقها في المجالات والأمور المباحة والإكثار من التصدق منها بعد إخراج زكاتها .

أما الأولاد فإن تربيتهم تربية صالحة وإلزامهم منذ نعومة أظافرهم بطاعة الله وغرس الفضائل فيهم يحققان لآبائهم وأمهاتهم السعادة في الدنيا والآخرة . . فما أروع وأجمل وأفضل عند الله وعند الناس من أن يرزق الإنسان بولد صالح يرعاه في الدنيا ويكون سبباً في دخوله الجنة بما يفعل من طاعات وما يقدم من خيرات؟

لكن عندما ننجرف بالأموال ونجمعها من مصادر حرام وننفقها في الحرام وعندما نهمل تربية الأولاد ونترك لهم الحبل على الغارب لكي يفعلوا ما يشاؤون فإن نعمة الأموال والأولاد تتحول إلى نقمة .

هداية القلوب وتكفير الذنوب

ثم ختم سبحانه نداءاته للمؤمنين بهذا النداء الذي يهديهم إلى سبل الخير والفلاح فقال: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم .

وقد اختلف العلماء في معنى قوله فرقاناً فقال بعضهم يجعل لكم مخرجاً، وقال بعضهم نجاة وقال فريق آخر معناه فصلاً وفرقاً بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم وكل ذلك متقارب المعنى وإن اختلفت العبارة .

وقال الألوسي في تفسيره: فرقاناً أي هداية ونورا في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل .

والمعنى الذي ترشدنا إليه الآية الكريمة وفقاً لما اتفق عليه المفسرون: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله بأن تصونوا أنفسكم من كل ما يبغضه وتطيعوه في السر والعلن يجعل لكم هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل ونصرا تعلو به كلمتكم على كلمة أعدائكم، ومخرجاً من الشبهات التي تقلق النفوس، ونجاة مما تخافون . . وفضلاً عن كل ذلك فإنه سبحانه يكفر عنكم سيئاتكم أي يسترها عليكم في الدنيا ويغفر لكم يوم القيامة ما فرط منكم من ذنوب بلطفه وإحسانه . . ولله ذو الفضل العظيم .