دخلت المستشفى وأنا كلي أمل وإيمان بالله سبحانه وتعالى بأنه سيشفيني من ذاك المرض الخبيث الذي فتك بجسدي، صارعته بقوة وصارعني بعنف كنت مصرة على ان أفوز عليه وأن أتخلص منه، كل حلمي كان ان أسمع كلمة مبروك لقد شفيت تماما، كنت أتوق إلى سماع تلك الكلمة لم أكن أخاف الموت وكنت دائما أقول: يارب إني لا أسألك رد القضاء، لكني أسألك اللطف فيه، فلماذا يخاف المؤمن المتمم واجباته كلها من الموت؟ فأنا لو مت سأقابل وجهه الكريم، لكن سبحان الله الانسان يتمسك بالحياة بقوة، فكنت أفعل ما يُطلب مني بالرغم من الآلام المبرحة التي أعانيها وبالرغم من أعصابي المنهارة من التغيرات التي حصلت في جسدي وشعري وحياتي كلها لكن كنت دائما أقول الحمد لله ولا ازال، إلى ان حظيت أخيرا بموعد مع الطبيب الذي لطالما تحدثوا عن براعته وبعد اتصالات كثيرة ومكثفة، فهو لا يأتي إلى هنا إلا زيارات والموعد معه يجب ان يحدد قبل أشهر جاء دوري ودخلت مع والديّ وانا لا أشعر بقدمي كنت أرتجف ودقات قلبي تتسارع اصفرار وجهي والسواد المحيط بعيني ينبئانه بسوء حالتي، قام عن مكتبه ليرحب بي ويجلسني على الكرسي المقابل لمكتبه الفخم، فتح ملفي امسك قلمه وبدأ بطرح سيل من الأسئلة عليّ فكانت تجيب والدتي أو والدي عني هنا وضع قلمه على المكتب وقال لهما بلطف لكن بحزم من فضلكما دعوها هي تتكلم وتجيبني، صمتا وأكمل يسألني أين أشعر بالألم وبأية طريقة؟ هل هناك من وقت معين أو طعام محدد يزعجني؟ ما اسم الأطباء الذين عالجوني قبله إلى ما هناك من أسئلة خاصة بي أنا شخصياً، لأن ملف مرضي وعلاجي مع صور الأشعة والتحاليل كلها أمامه، قال اسمعي يا سلامة سوف أطلب منك فحصاً واحداً ومنظاراً لمعدتك وبعدها نتكلم قلت لكن طبيبي فعله ولم يجد شيئا قال أنا لست هو، ولتأتي إلي يعني انك واثقة بأنني بارع أليس كذلك؟ قلت نعم، فقال إذاً على بركة الله أراك بعد يومين في المستشفى ووصف لي دواء طالبا مني ان أمزجه بلترين من الماء وأشربه وكتب لي حقناً أيضاً حتى تكون أمعائي فارغة تماما وجاهزة للمنظار وبعد يومين كنت ممدة على السرير، حيث بدأت أشعر بالنعاس وما هي إلا لحظات حتى استيقظت على صوته وهو يقول الحمد لله على السلامة دخل والداي يقبلانني ويسألان الطبيب إذا استطاع رؤية شيء لم يره غيره من الأطباء فقال: بالطبع انظروا هنا أترون قطعة من الأمعاء لونها أسود قالا نعم قال للأسف انه لم ينتبه لها أحد فهنا تكمن المشكلة، ولو قطعوا لها تلك القطعة التي لا تتعدى سنتيمترات لما احتاجت إلا لعلاج بسيط لا يتعدى الشهر الواحد، صدم والداي بما سمعا ثم قالا وما العمل يا حضرة الطبيب؟ قال عملية جراحية بأسرع وقت ممكن قالا اليوم، أجاب ضاحكا وهو يربت على كتف والدي ليس هكذا تسير الأمور، فيجب قبلاً ان يراها طبيب القلب ونجري تحاليل دم وغيرها ثم يراها الطبيب المختص بالتخدير وطبيب الرئتين وإذا كان كل شيء على ما يرام نجري الجراحة، فرح الجميع لي وأصبحت العائلة كلها في المستشفى لا أرى أمامي سوى شفاه مبتسمة ووجوه بشوشة مع ان الطبيب قال لهم ان نسبة نجاح الجراحة لا يستطيع ان يقررها الآن فسيطمئن أكثر عندما يشق بطني ويرى ما في الداخل والى أين امتد المرض، لكنهم وبالرغم من ذلك كانوا فرحين فقد أتى أخيرا من يعطيهم ويعطيني بعض الأمل شكرت الله وطلبت منه ان يشفيني لو أراد ذلك فقد تعبت وأتعبت من حولي بدءا من والدي الذي أهمل عمله وحياته لا يفعل شيئاً سوى السفر بي من مكان إلى آخر ومن طبيب إلى بروفسور كذلك أشقائي وشقيقاتي لا همّ عندهم سوى شفائي لا يتركونني للحظة واحدة بمفردي كانوا وكأنهم يستفيدون من كل دقيقة انا فيها معهم وبينهم يمازحونني يأخذونني إلى السينما والمطاعم المراكز التجارية ليبتاعوا لي كل ما تشتهيه العين أصبحت تسريحتي لا تسع لزجاجة عطر صغيرة فقد كانوا يفرطون في تدليلي واهتمامهم بي كانوا يحاولون استباق الزمن وتقديم كل شيء لي قبل ان أموت، كنت أسمع بكاء شقيقاتي ودعاء أشقائي ووالدتي فأضع رأسي تحت وسادتي وأضغط عليها حتى لا اسمعهم يتكلمون بحسرة وقهر عني كنت اسمع والدي وهو يصرخ بهم قائلا لماذا تنوحون فابنتي ستشفى بإذن الله تعالى، فهو قادر على كل شيء لا أريد ان أراكم هكذا، واخفضوا أصواتكم لربما سمعتكم، نعم يا أبي كنت اسمع كل كلمة وأشعر بكل دمعة وتنهيدة، والدتي المسكينة كانت تنام بجانبي وتوقظني من رقادي وهي تصرخ سلامة فأقفز بخوف وأقول ما بك يا أمي ماذا جرى فتنظر إلي والدموع في عينيها تأخذني بين ذراعيها وهي تردد الحمد لله يا حبيبتي فقد راودني كابوس أعوذ بالله منه هيا عودي إلى النوم فعرفت لاحقاً إنها لم تكن كوابيس كما تدعي لكنها كانت تنظر إلي وأنا نائمة لا أتحرك وبالكاد تشعر بأنفاسي فتناديني مرة وتهزني مرات لكنني لا استيقظ بسبب الأدوية المهدئة التي كنت أتناولها فلا استيقظ بسرعة فكانت تهلع وتعتقد بأنني قدمت، لكن كانوا كلهم في كفة وخطيبي في كفة اخرى، كان قد طلبني للزواج قبل ان أعرف بمرضي ذاك بستة أشهر كنا خلالها نحضر لحفل الزفاف وعندما علمنا وتأكدنا وقبل ان أبدأ العلاج بالكيماوي طلب والدي منه ان يأتي مع والديه إلى منزلنا ثم أخبرهم ودموعه تتدحرج على خديه ووالدتي صامتة ساهية حزينة مصدومة، فكان ان وقف يوسف خطيبي والصدمة بادية على وجهه قائلاً أنا لن أتخلى عن سلامة فأنا أحبها وستشفى بإذن الله، أجابه والدي لا يا بني لن أدعك ترتبط بإنسانة مريضة لا أحد يعلم غير الله ان كانت ستشفى أم لا وكم سيطول علاجها لذلك أحضرنا لك الهدايا التي ابتعتها لها شبكتك وشيكاً بمهرها وإذا أراد الله ان يشفيها وكنت أنت لا تزال غير مرتبط فهذا شيء آخر قال يوسف اسمعني جيدا يا عمي افترض أنني كنت متزوجاً بها ومرضت فهل كنت سأتركها وهي بتلك الظروف؟ أبدا، اسمح لي أنا لن أتخلى عنها، وقف والده يؤيده ويقول صح لسانك يا ولدي هذا الكلام العدل، اقتربت والدته مني تأخذني بين ذراعيها وتقول لا تخافي يا ابنتي فإن الله كبير وكثيرون ابتلوا بهذا المرض وشفوا ويعيشون الآن حياة طبيعية عادية، كان موقفه وموقف أهله مشرفا جدا لكنني كنت أنا من رفض هذا الشيء وأصررت عليه قلت له لست مضطرا ان تمضي أيامك متنقلا بين مستشفى وآخر، قال أفضل ان افعل هذا على ان أفكر أنني لن أراك بعد اليوم ولن تكوني خطيبتي والفتاة التي حلمت بها، لا تحاولي إبعادي عنك فأنا احبك من صميم قلبي ولن أتنازل عنك مهما كان السبب كما أرجو منك ان تعيدي خاتم الخطوبة إلى إصبعك وألا تخلعيه مرة ثانية تدحرجت دمعة على خدي وقلت لقد نحفت جدا وهو يقع من إصبعي كما ان شكلي كاملا سيتبدل وهذا الشعر الطويل الذي طالما أحببته سيتساقط فأجابني، أنا لم أحب شكلك بل أحببت أخلاقك أدبك رقتك مرحك حبك لي وقوفك إلى جانبي عندما احتاج إليك لطالما كنت سندي فاسمحي لي ان أكون عكازك ولا تبعديني عنك أتوسل إليك، وهكذا بدأ معي رحلة العذاب والآلام، فكان نعم الرفيق والحبيب، كان لا يتركني للحظة واحدة، وفي يوم كنت منزعجة جدا من علاجي وكنت أشعر بألم فظيع في رأسي وكنت أتقيأ كل ما يدخل جوفي جلس ينظر إلي بقهر وحزن قال لي يا ليتني انا من يتألم يا ليت ذاك المرض فيني وليس فيك كان وقتها قد تساقط شعري كاملا وكنت اربط رأسي بباندانا لأن الشيلة كانت تنزلق عنه خجلت منه فسحبت الشيلة أثبتها بالقوة فوقه فقال سلامة أتتزوجينني الآن قلت بدأت تشفق علي يا يوسف منذ الآن قال لا تدعي حزنك وقهرك على نفسك يدعوانك إلى الشك بي بل أنا أريد ان تكوني زوجتي على سنة الله ورسوله الآن قبل غد أريد ان أكون معك في كل لحظة أنام تحت أقدامك، ها ما رأيك طبعا رفضت وكعادته أصر ثم دون ان ينتظر ردي أمسك الهاتف واتصل بوالديه وأشقائه ثم نادى أهلي وعائلتي الذين كانوا كالعادة في المستشفى فأخبرهم بقراره ففرحوا جدا واتوا بالشيخ إلى المستشفى مع الشهود وامتلأت غرفتي بالورود وارتدى الجميع الأقنعة لأن مناعتي كانت خفيفة وهكذا تم عقد القران في المستشفى وحضره الأطباء والممرضات وحتى المرضى الموجودون في القسم الذي أنا فيه المخصص للأمراض السرطانية أعطيت الأمل للجميع خاصة الفتيات اللواتي هن في سني، وهكذا بقي يوسف معي ليلا ونهاراً لا يتركني أبدا هو ووالدتي ووالدي وشقيقاتي وأشقائه إلى ان أتى ذاك الطبيب وقرر إجراء الجراحة التي بنظره ستنهي كل آلامي وسيبتر المرض ويقتله، جهزوني باكراً وأعطوني بضعة أقراص وألبسوني الرداء الأبيض وضعوا على رأسي قبعة من الشاش الأخضر، شعرت بقشعريرة تسري في جسدي ونظرت إليهم واحدا واحدا كأنني أودعهم فاقترب مني كل واحد بدوره يطبع قبلة على رأسي أمي أمسكت يدي بقوة وكأنها لا تريد ان تتركها اقترب والدي منها سحب يدها قبلني قبلاً كثيرة وقال نراك بخير يا صغيرتي فليرافقك المولى اقترب أخيرا زوجي الحبيب ليقول لي في إذني انا بأنتظارك لا تخذليني الآن يجب ان تقاومي من أجلي فأنا لا استطيع العيش من دونك، شيعتهم بنظراتي إلى ان اختفوا وأصبحت في المصعد بدأت أشعر بالنعاس قليلا أدخلوني إلى غرفة جدرانها بيضاء قبل ان يفتح الباب على مصراعيه ويجرونني إلى غرفة الجراحة سمعت صوت طبيبي وهو يقول لا تخافي أنت بخير وبين أياد أمينة فقط دعي إيمانك بالله قويا، شد على يدي قبل ان أراه يضع قفازيه ثم قال لي أحلام سعيدة ولم أعد أشعر بشيء، استيقظت بعد وقت شعرت بأنه قصير لأرى الطبيب مجددا أمامي يقول لي الحمد لله على السلامة يا سلامه فقد نجحت الجراحة كما كنت أتوقع والآن سوف يأخذونك إلى غرفتك، خرجت فوجدت الجميع كما تركتهم لكن هذه المرة كانت دموع الفرح على وجوههم، كنت أفتح عيني فأراهم واسمعهم ثم أعود للنوم مجددا إلى اليوم الثاني عندما بدأت آثار المخدر تتلاشى وبدأت اشعر بالآلام من جراء الجراحة فبدأت أصرخ من الألم هرعت الممرضات إلىّ ليحقنني بالأدوية المخففة للألم كان الجرح كبيرا والغرز تملأه لا استطيع الحراك من الفراش لكنني كنت انتظر وصول الطبيب ليشرح لي حالتي وهل استأصل المرض أم لا، وما هي إلا ساعة حتى دخل وقال ماذا أيتها المحاربة قالوا لي انك كنت تصرخين من الألم فاستغربت لأن واحدة مثلك حاربت المرض لعامين تتألم وتبكي من غرز قليلة قلت له طمئني يا دكتور، قال ان الله سبحانه وتعالى قرر إعطائك فرصة جديدة لتعيشي حياة سعيدة وكل ما كان علي فعله هو ان اقطع الجزء المصاب وأصل الأمعاء السليمة ببعضها لكن يبقى عليك عندما يشفى جرحك ان نضعك في غرفة عازلة لثلاثة أيام لا تستطيعين خلالها التحرك من مكانك وهناك ممرضة ترتدي ملابس خاصة تدخل إليك ثلاث مرات في اليوم لتعطيك الطعام لأننا سنصوب نوعاً من الإشعاعات لنلغي احتمال عودة ذاك المرض إليك مجددا وبعد هذا ستبقين لفترة عشرة أيام من دون ان تقتربي من أطفال أو حوامل، قلت بفرح هل تتكلم جدياً، يعني أنا شفيت من السرطان، قال بإذن الله نعم، أخذت أبكي ووالدتي أيضا لم نكن نصدق بأن هذا الحلم قد أصبح حقيقة ثم مسحت دموعي لأسأل الطبيب، هل من أمل لي في المستقبل ان أحمل وأنجب قال بالطبع يا عزيزتي بعد عام واحد يكون جسمك قد نظف تماما من أية رواسب وإشعاعات وستكونين جاهزة للإنجاب ستعودين إنسانة طبيعية مائة في المائة بجسم سليم وعقل سليم شكرته بحرارة قال لا تشكريني بل اشكري الله عز وجل فأنا مجرد وسيلة، فرح الجميع بالأخبار الجيدة وبأنني شفيت والحمد لله صحيح ان الدرب لا يزال طويلاً وشاقاً لكنني على الأقل شفيت منه ولم أعد أعتبر أن أيامي أصبحت معدودة كما قال لي الطبيب الذي بدأ في علاجي سامحه الله والذي حول حياتي وحياة من حولي إلى جحيم لا يطاق، انا الآن إنسانة عادية أمارس حياتي كالجميع عندي زوج رائع يدعمني ويرعاني ويحبني وعائلة كبيرة تحيطني بحبها واهتمامها ماذا أريد أكثر؟ الحمد لله.

[email protected]