يعتبر إدغار موران، من بين قلة من مفكرين فرنسيين، لا يزالون على قيد الحياة ويشتغلون بلا كلل، في غياب كثيرين . وكان آخر ضحايا العنصرية الصهيونية في بلاده بسبب مقال كتبه دافع فيه عن الشعب الفلسطيني وفضح فيه العدوانية الإسرائيلية . ولا يزال الرجل يطبع الساحة الفكرية بحضوره وكتاباته ومواقفه، إلى جانب المفكر ميشيل سير . وقد أسهم الرئيس نيكولا ساركوزي في منحه شهرة إضافية، في فرنسا، تزاد إلى شهرته الكبيرة في العالم، حيث جامعات في أمريكا اللاتينية تُدرّس نظرياته وتخرج أتباعاً له ومريدين، وتطلق اسمه على كبريات معاهدها . الكثيرين من المفكرين الفرنسيين الذين كانوا ضحية لسطوة الأيديولوجيا ففضلوا الهجرة إلى أمريكا وبلدان أخرى، ومن بينهم ريمون آرون وبول ريكور، فقد عانى إدغار موران أيضاً من سطوة عالم الاجتماع الشهير بيير بورديو، الذي لم يكن يعتبر موران سوسيولوجياً بمعنى الكلمة .

بالفعل يؤاخذ عليه الكثيرون كونَه عصيّاً على التأطير، ولكن ربما هذا أيضاً ما يصنع جزءاً من أسطورته الحيّة . الشخصية اللانمطية، ولعل السوسيولوجي الكبير ألان تورين، كان محقاً حين يقول عنه: أحَس العلماءُ، في البداية، بحذر شديد من هذا الهاوي الذي كان يمشي بخطى واسعة على أرضيتهم . ولكنه الهاوي، كما يقول ألان تورين، أو الموسوعي كما يرى كثيرون (يوجد شبه في الثقافة الواسعة يجمعه بالمفكر ميشيل سير، وهو أيضاً من كبار العمالقة الذين لا يزالون على قيد الحياة)، الذي لم يدافع أبداً عن شعبٍ بعينه، ولا أمّة بعينها، ولا إثنية بعينها، ولكنه دافع دائماً عن حقها في الوجود والحرية والاحترام .

من أين يمكن للمرء أن يبدأ الكتابة عن إدغار موران، هذا المفكر الفرنسي، العصي على الوصف، اللا نمطي، فعلاً؟ ألَمْ يقُل عنه المفكر الفرنسي الآخر ريجيس دوبريه، في مقال صغير: إن المرء يجد نفسه أمام خيارات عدة في تناول الرجل: إذْ هو إدغارات عديدة: الابستيمولوجي والسوسيولوجي والرائي والأوتوبيوغرافي والصحافي والفيلسوف وكاتب يوميات حميمية والمناضل والمؤرخ . . .

إن بإمكان المرء أو الدارس أو المهتم أن يأخذ ما يريد من هذا الواحد المتعدد، ويبدو أنه حتى الساسة أحسوا بحاجتهم إلى النهل من منبعه وروافده الكثيرة .

حين تحدث الرئيس ساركوزي عن سياسة الحضارة، تساءل المفكر: حين اقتبس ساركوزي الكلمة، ما الذي يعرفه، هو ومستشاره هنري غينو، عن أطروحاتي؟ هل هي صيغة اختطفها أم هي إحالة إلى أفكاري؟ .

ويقول المفكر إدغار موران شارحاً الجملة التي خطفها ساركوزي: حين تحدثتُ عن سياسة الحضارة، كنت أتحدث عن إثبات حالة أنه إذا كانت حضارتنا الغربية قد أنتجت مَنافع فقد ولّدت أيضاً أضراراً لا تقل أهمية، والفكرة التي أدافع عنها تتمثل في كيفية إيجاد حل لهذه الأضرار من دون خسران منافع حضارتنا .

بالطبع لا يجيب الرئيس ساركوزي عن هذا السؤال، والمعروف أن ساركوزي لا يحب القراءة، وقد أثبت الأمر مناظرة ساركوزي المرشح للانتخابات مع الفيلسوف ميشيل أونفراي ونشرتها مجلة فيلوزوفي ماغازين .

المفكر يكتب ويمضي، هي سنة الحياة، ولكن ماذا لو أن القارئ، والقارئ العصبي، على وجه التأكيد، لا تروقه كتابات المفكر؟ حينها تأتي المحاكم لتلغي صفحات الحوار والنقاش ومقارعة الحجة بأخرى في المجلات والصحف .

ولعل المقال الذي وقعه موران مع كل من سامي نايير ودانييل ساليناف، بعنوان: إسرائيل فلسطين: السرطان، كرّس قطيعة كبرى بينه وبين الكثيرين من المفكرين اليهود والصهاينة، واتهم فيه المفكر موران بمعاداة السامية . على الرغم من أن المقال يستعرض معاناة الشعب الفلسطيني ويدين سياسة القمع التي قام بها ارييل شارون . ويرى مُوقّعو المقال الثلاثة أن الشعب اليهودي، الذي تعرض للاضطهاد، أصبح مُضطَهِداً . ونقرأ في المقال: الضحايا المدنيون الفلسطينيون أصبحوا الآن يشكلون ما بين 15 و20 ضعفاً مقارنة مع الضحايا الإسرائيليين .

وحين نتحدث عن القطيعة التي أثارها هذا المقال، نشير إلى أن العديد من المثقفين الفرنسيين، من أصول يهودية، لم يستسيغوا رنة المقال . ورأوا فيه تشجيعاً على الجرأة في انتقاد إسرائيل، بل والحق في قول أشياء سيئة عن اليهود، كما ذهبت إلى ذلك الصحفية المرموقة الراحلة فرانسواز جيرود .

ولكن الأمر الغريب، الذي وقع بعد كتابه المقال، فهو جلب المفكر إدغار موران إلى المحاكم بدعوة معاداته للسامية (بل إن دوائر يهودية يمينية ومتصهينة اتهمته بالخيانة)، وهي قضية لم يستفد منها العرب كثيراً لشرح قضيتهم المركزية، فلسطين، عدا بعض الدعم من قلة لعلّ من بينهم سفيرة فلسطين السابقة في باريس، ليلى شهيد برادة، التي أسهمت بالفعل بدور كبير في الدفاع الذكي والفعال عن قضيتها .

والحق أن مسؤول صحيفة لوموند، إدوي بلونيل، الذي كان ضحية لتهديدات وتنصّت الرئيس الراحل فرنسوا متيران، والذي يتعرض هذه الأيام، على خلفية فضيحة بيتنكور/ وورث لانتقادات وتجريحات قاسية من رجالات الرئيس نيكولا ساركوزي إلى درجة اتهامه بالفاشية، ساند في قاعات المحاكم مفكرنا الكبير . وعبّر عن امتعاضه من إصباغ الطابع القضائي على الآراء ودافع عن قرار صحيفة لوموند نشر المقال، مقدّراً أن صحيفة لوموند يجب أن تكون مكانا للنقاشات حيث تتواجه وجهات نظر متناقضة .

في حين أن المفكر لم يأخذ الكلمة في المحكمة، مكتفياً بكتابة مقالة في صحيفة لوموند بعنوان: لا ردّ على البزاق . وفيها نقرأ: أعرف أنني لست سوى ضحية من بين ضحايا آخرين لعدم الفهم . ويبدو لي الأمر غير مقبول، حين يدافع المرء عن إدراك الآخر، وهذه هي حالتي . ويصل الأمر إلى نوع من المرارة، ولكنها مرارةٌ مُتحكمٌ فيها: ليس أول مرة يقودني فيها شعوري بالحقيقة وبالعدالة أو الشرف إلى أن أُتهم بالخيانة: خائن لفرنسا لأنني أسهمت في المقاومة أثناء الحرب الكونية الثانية، أو لأني عارضتُ حرب الجزائر، خائن للاشتراكية لأني قاومتُ الستالينيين، أو لأني لم أثِقْ البرنامج المشترك لليسار، وها أنا خائنٌ لليهود لأنني عبّرتُ عن تعاطفي مع الفلسطينيين الذين يتعرضون لويلات وإهانات الاحتلال . إن الكثير من الأصوليين الذين يمنحون تبريرات لا مشروطة لإسرائيل يسبغون، في حقيقة الأمر، على ايديولوجية مجردة التعبير عن تعاطف ملموس .

الطرد من الحزب الشيوعي قدرُ كبار مثقفي فرنسا: ومثل العديد من العقول النيّرة، التي أحست ولاحظت انحراف الحزب في بيروقراطيته وطابعه الستاليني، أصابه ما أصابهم، أي الطرد من الحزب، لأسباب عدة كالانحرافية أو الثورة المضادة وغيرها من التبريرات التي كان يراد منها تكميم الأفواه ومنع كل فكر نقدي .

ويصف الشعور العارم بالحرية بعد الطرد من حزب لم يكن يستطيع أن يتفهم وجود عقول نيرة تختلف أحياناً مع القيادة: في ثمانية أيام (أيام الاستنطاق والمساءلة) اكتشفتُ هذه الأعجوبة، وهي أن الرحى السوسيولوجية الرهيبة لم تسحق أفكاري لتستبدلها بأيديولوجيا البورجوازية الصغرى . كنت شيوعياً، دائماً، وإلى الأبد، ولكني كنت حُرّاً، كنتُ نفسي، مسؤولاً عن نفسي، كنتُ أخيراً شيوعياً، كنتُ حُرّاً في أن أصبح كل صباح ما أريده، متحررا من الأغلال، من سترة المجانين، ومن كل الحواجز ومن كل المجانين .

لا يقترح المفكر إدغار موران نموذجاً محدداً لحل إشكالات البشرية . من العبث اقتراح نماذج مجتمع . أعتقد أن المشكل الحقيقي هو أن نفهم أننا نسير في طريق تقودنا إلى كوارث، وأنه يتعين تغيير كل شيء . يجب الإشارة إلى آفاق هذه الطريق الجديدة . إنها في البدء تكمُنُ في فكرة أن الطريق الجديدة ليست مرسومة سلفاً . الطريق تنفتحُ أثناء المشي . ثم يجب، بعدها، أن ندرك أن الطريق سياسية واقتصادية واجتماعية وإيكولوجية وتربوية وإدراكية وأخلاقية ووجودية . لا يمكن أن نعزل الإصلاحات التي يجب إجراؤها، لأنها متداخلة . لا يمكن أن نوجد حلاّ لمشكلات العالَم، التي هي مشكلات محلية بقدر ما هي شاملة، عن طريق إصلاح اقتصادي (واحد)، عن طريق إصلاح سياسي (واحد) . الكل مترابط . ويشرح المفكر والسوسيولوجي إدغار موران إسهامه واقتراحه في المسألة: كتاب المنهج (من كتب السوسيولوجي) قادني إلى الحاجة إلى إصلاح الفكر . وهو يفترض، بالتأكيد، إصلاح التربية، ولكن إصلاح التربية يفترض أيضا إصلاح الفكر . ويجب أن يقودنا إصلاح الفكر إلى معرفة ربط المَعارِف المنفصلة من أجل أن تكون جاهزة لمواجهة مشكلاتنا الأساسية والشاملة . الفكر المُركب يدعو إلى سياسة مُركبَة، في حين تظل السياسة إمّا سجينة خرائط تبسيطية وإما تظل مقطورة الاقتصاد .

ولا يحس المرء وهو يستمع أو يقرأ محاضرات إدغار موران بأي نوع من النزوع للمركزية الأوروبية، بل مُسوح إنسانوية: الأملُ الأوروبي خيّب ظني، كنتُ آمُلُ نهضة جديدة لا تأتي . الصين، إن تجاوزت هذا الخليط من الدكتاتورية الستالينية والرأسمالية الهائجة التي تميّزها، ستكون خزّاناً رائعاً في المستقبل، شأنها شأن الهند . وفي رأيي فإن أمريكا اللاتينية، بكل حيويتها الاستثنائية، بما فيها حيوية الفكر، هي بصدد خلق حضارة خليطة، تمزج ثقافات سوداء وهندية وأوروبية؛ هنا يتولد، ثانية، النزوع الإنسانوي . لكن يوجد ما هو أكثر من الأمل، يوجد الحُب .

إدغار موران، الشاهد على القرن، ينخرط في كل النضالات، له رأي في كل القضايا، وهو بهذا يمنح مفهوم المثقف تفسيراً أكثر واقعية وأكثر براغماتية، من دون أي تنازل يذكر . وإذا كان العالم بدأ يعي المخاطر التي تتهدد كرتنا الأرضية، من تلوث وغازات وانحباس حراري وثقب الأوزون وغيرها، فإن مفكرنا ليس بعيداً عن هذه الهواجس، وعن الأمل في أن نترك لأجيالنا عالماً قابلاً للحياة . وقد عبّر عن دفاعه عن عقد إيكولوجي . وهو يلتقي مع رائد الدفاع عن هذه الفكرة في فرنسا، وهو نيكولا هيلوت . ولكن مفكرنا يمنح المصطلح لمسة إضافية، جديرة بأن تجعله قابلاً للحياة، وهو يعلن نقداً، ولو مبطناً، للدول الرأسمالية الكبرى التي تلوث كرتنا الأرضية: العقد الإيكولوجي لا معنى له إلا بشرط أن يتم إكماله بعقد سياسي . وكي لا نصطدم بالجدار فإننا في حاجة إلى سياسة أسميها سياسة الإنسان .

وهنا لفتة للمساهمة التي يمكن أن يقدمها الجنوب، الذي نسميه متخلفاً، وأحياناً سائراً في طريق النمو، وأحياناً صاعداً . الفكرة التي مؤداها أن الشمال لا يقدم سوى المنافع والحلول الجيدة خطأ . إن أولوية الحسابات في حضارة الشمال تُعمي النوعية ذاتها للحياة . الجنوب يحافظ على فضائل الدفء البشري وفن العيش والجماعة والتضامن التي تخلى عنها الشمال . يجب مصالحة كل هذه الحقائق .

والحل كما يرى إدغار موران، وخلافاً لكل النظريات التي تنادي بالصراع والصدام والحرب، يتلخص في: الإيمان بتآزر وتعاضد الحضارات . إن الحكمة الإفريقية والهندية والأمريكية اللاتينية يجب أن تتمازج مع أنوارنا، المضيئة ولكن المُعمية كثيراً . يجب أن نتوقف عن اعتبار أنفسنا أسياداً كي نصبح شركاء في هذا الموعد الكبير للأخذ والعطاء الذي كان يحلم به الراحل ليوبولد سيدار سنغور .

من الصعب الإحاطة بالرجل بكلمات، فالملامح والبراهين على نزوعه الإنساني وعلى قدرته على فهم الآخر وعلى التسامح أكثر من أن تعد . وليس غريباً أن يظل قريباً من منظمة اليونسكو ومن روحيتها في إفشاء روح السلام والحق في الاختلاف وفي الحاجة إلى الثقافة والتربية والتعليم، وفي حفظ تراثات البشرية .

يبتسم من وصفه بالموسوعي، وكأنه اطلع على الحديث الشريف اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد يقول عن نفسه إنه الطالب الأبدي: لست ممن يصنعون لأنفسهم مساراً مهنياً، بل أنا من الذين اختطوا لأنفسهم حياة . الحياة برحابتها في مقابل قسوة المهنة وشروطها وإكراهاتها .

فقد أمه وهو لا يزال طفلاً، فوصفها بهيروشيما (ي) وعانت زوجته من مرض الإدمان على الكحول، قبل موتها، فعاملها أفضل معاملة .

إنه إدغار موران الذي نريد لو أن العرب الرسميين يهتمون به قليلاً، قبل أن يرحل . . فهو أفضل من دافع عن قضايانا العادلة وعن نفسه .