غلاء الأسعار، احتكارات في مجالات الأراضي والسيارات والعقارات والمباني، التداخل بين المال والسياسة، تقليص دور السلطة وضعف دورها الاجتماعي، وإثقال الموظفين والطبقة الوسطى بالقروض، الفقر والبطالة، أزمة الخريجين، اعتمادية السلطة على التمويل الخارجي، الضرائب الباهضة، سياسة الليبرالية الجديدة ونمو الشرائح الطبقية والطفيلية، احتكار التجارة، سواءً تجارة الأنفاق في قطاع غزة أو العديد من السلع الاستراتيجية بالضفة الغربية، تلقيص مساحات الحريات والتعديات على حقوق الإنسان .
ما تقدم يشكل أبرز العناوين التي أدت، وتؤدي إلى حالة الاحتقان والتوتر الاجتماعي، وهذا ما تشهده الضفة الغربية على وجه التحديد ويتم التعبير عنه بالإضرابات وإغلاق الطرق واستخدام الحمير احتجاجاً كوسيلة للمواصلات بدلاً من السيارات، وكما عبر شاب في غزة عن ضيقه من وضع أسرته الاقتصادي بالانتحار حرقاً، وعبر احتجاج لأصحاب السيارات على سياسة ازدواج الضريبة، والاحتجاجات الأولوية لبعض الفئات الاجتماعية على سوء أوضاعها وسخط المواطنين تجاه الاستمرار في قطع التيار الكهربائي رغم الفواتير العالية التي تصلهم، ورغم الحديث عن توفر كميات كبيرة منه، وشعور المواطنين بأنه لا يوجد فوارق جوهرية بين حكومة غزة الراهنة والحكومة السابقة ابان عهد حركة فتح، خاصة في ما يتعلق بالامتيازات وبلورة النخب وتحويل السلطة كمصدر للثروة والنفوذ، وفقاً للكاتب والناشط المجتمعي محسن أبو رمضان .
ويقول أبو رمضان إن كل ذلك يتم في ظل استفحال التمدد الاستيطاني وإنشاء منظومة من المعازل والكنتونات والجزر وتقويض ممكنات إقامة الدولة المستقلة .
وبغض النظر عن الحسابات الخاصة السياسية والشخصية والفئوية فإن الأحداث، تؤكد على:
1- أهمية الربط بين النضال الاجتماعي والوطني، فالمواطن مهدور الكرامة الذي يئن تحت وطأة الجوع والفقر في ظل سيطرة احتكارية لتحالف السياسة والمال مصحوباً بالقبضة الأمنية لا يمكن أن يكون عنواناً ومصدراً للصمود .
2- ضرورة إعادة الاعتبار لدور السلطة التي اصبحت عنواناً للصراع الفئوي وأدت إلى انقسام سياسي وجغرافي وأداة للاستغلال الاقتصادي ولتحجيم الحريات العامة وتكريس الفئوية، وأضعفت من طبيعة النضال الفلسطيني الذي ينبغي ان تكون قاعدته التحرر الوطني وليس النزاع على السلطة الفاقدة عملياً للسيادة وغير القادرة على السيطرة على حدودها ومواردها بفعل ممارسات واعتداءات الاحتلال .
3- ضرورة الضغط على الحكومتين في غزة والضفة لإنهاء الانقسام . إسرائيل تريد توجيه حالة الاحتقان والتوتر الاجتماعي في مواجهة السلطة، ومن المناسب والمهم إعادة صياغة المعادلة لتكن حالة الاحتقان موجهة للنضال ضد الاحتلال والاستيطان والعدوان والحصار .
4- السعي الجاد باتجاه إعادة توجيه المسار، فبدلاً من الرهان على المفاوضات العبثية وتجاوز استعصاء المقاومة بالآليات التقليدية، يجب اتباع مسار قائم على المقاومة الشعبية والدبلوماسية والسياسات عبر التوجه للأمم المتحدة وانتزاع اعتراف دولي بدولة فلسطينية، وكذلك العمل على ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين وبذل الجهد المطلوب باتجاه عزل إسرائيل كدولة ابارتهايد وتمييز عنصري واسقاط عضويتها في المحافل الدولية وفرض حصار شامل عليها بوصفها دولة منتهكة لمبادئ حقوق الانسان .
5- إعادة تعريف السلطة بحيث تصبح أداة من أدوات منظمة التحرير التي يجب أن يشارك فيها الجميع على أسس وطنية وديمقراطية وضمن آلية تشاركية غير إقصائية تعيد توحيد الشعب بالوطن والشتات، ولتصبح السلطة أداة عاملة على تقديم الخدمات واسناد المواطنين على قاعدة تحررها من الاتفاقات المجحفة، خاصة اوسلو وباريس الاقتصادي .
إن اللامبالاة وعدم الاكتراث من قبل صناع القرار والحكومتين لحالة الاحتقان الاجتماعي المبنية على السياسة الاقتصادية والاجتماعية الخاطئة ستؤدي إلى نتائج لن تكون في مصلحتهما، وبالمقابل فإن العمل على الاستخلاص السريع للعبر عبر اعادة توحيد مؤسسات السلطة وبناء المنظمة واتباع سياسات اقتصادية من شأنها حماية المواطن ومصالح الفقراء والمتضررين سيساهم في اعادة الثقة بالنظام السياسي الفلسطيني، وسيعيد توجيه الاحتقان باتجاه الصراع الرئيس المجسد بالاحتلال، فهل يتعظ القائمون على السلطة، أم أن الأمور تسير على قاعدة أن الضفة ليست كغيرها من بلدان الربيع العربي، وأن غزة ليست كالضفة، الأمر الذي لا يعكس استفادة من التحولات العربية المحيطة؟
إن الاحتقان في مواجهة السلطة أو الاحتلال هذا هو التحدي، فهل يستطيع صناع القرار تجاوزه؟
ورغم الاحتجاجات الشعبية المتواصلة في الضفة الغربية، يرفض رئيس السلطة محمود عباس كل فكرة للانتفاض في وجه دولة الاحتلال، وحتى هذه الاحتجاجات تصيبه بالرعب عندما يفكر أن الناس قد يتوجهون لنقاط التماس، والتظاهر للاشتباك مع الاحتلال وسياساته المدمرة للفلسطينيين، وهو يدعي أن ذلك دمر القضية الفلسطينية وجلب الوبال على الناس، بحسب الكاتب والناشط في مجال حقوق الانسان مصطفى إبراهيم .
ويقول: هو (أي عباس) يدرك أننا شعب تحت الاحتلال ويجب مقاومة هذا الاحتلال بكل ما نملك من ادوات وأساليب، لكن هي قناعات الرجل وفريقه بعدم مواجهة دولة الاحتلال حتى بالاحتجاجات الشعبية السلمية التي يتغنى بها صباح مساء، والفرصة تلو الفرصة تأتي للرئيس والسلطة للانتفاض في وجه الاحتلال، فالناس يرسمون الاتجاه ويتجهون نحو الهدف المحدد، والرئيس لا يريد استغلال ذلك، لا سياسياً ولا اقتصادياً للضغط على دولة الاحتلال .
إن الاحتجاجات في الضفة الغربية على ارتفاع الأسعار والغلاء الفاحش والحياة الصعبة مست كل الناس، والمواطن هو من يدفع الثمن فلا زيادة في الأجور، ولا أي دخول اخرى يستفيد منه الناس، ولا دعم حكوميا يخفف عن كاهلهم، وما ذنب الناس ان يكون سعر لتر البنزين هو نفس السعر في تل أبيب التي يزيد دخل الفرد فيها عن نظيره في رام الله اضعاف، كل هذا سببه نحن واستمرارنا في التمسك بالاتفاقات المهينة الموقعة مع إسرائيل .
إن مشكلاتنا سببها الاحتلال وسياسات السلطة الاقتصادية التابعة والخانعة، القائمة على اتفاق أوسلو ومشتقاته، كاتفاقية باريس والغلاف الجمركي وغيرها من الاتفاقات المدمرة للاقتصاد الفلسطيني، والحديث لإبراهيم .
فالاحتجاج ضد سلام فياض ليس هو العنوان الوحيد في هذه الأزمة وجميع الأزمات الاقتصادية والمالية التي تعانيها السلطة، فياض مجرد منفذ لسياسات وبرنامج الرئيس والسلطة، وهو يقوم بذلك باقتدار وفق رؤيته، والوهم المعشش في رأسه ببناء مؤسسات الدولة تحت الاحتلال .
إن خطابات التسول الموجهة والباهتة، والتحذيرات الصادرة بلهجة الضعيف الذي يحاول أن يكون رب العائلة ولم ينجح، غير مجدية، والمؤتمرات الصحفية واللقاءات التلفزيونية والإذاعية لا تحل المشكلات العميقة القائمة والمعروفة اسبابها، والتي خطها الإسرائيليون باتقان قبل عقدين من الزمن، ها هي نتائجها .
الاحتجاج في وجه السلطة التي تحاول ان تلعب دور الضحية ولم تستطع اتقانها الدور، فهي المسؤولة امام الناس عن مشكلاتهم ومعاناتهم والاستخفاف بهم، ولم تنجح في اقناع أي طفل فلسطيني في قرية نائية لا تصله مياه صالحة للشرب .
فالدعوات الصادرة عن بعض المسؤولين في القيادة، أدعياء الحكمة والخبرة والمعرفة بعقد مؤتمرات اقتصادية مع مكونات المجتمع الفلسطيني من الفصائل ومؤسسات المجتمع المدني، هي كلام في الهواء، وحبوب ترامادول مخدرة لم تعد مجدية، بعد أن أدمن الناس الوعي، ولم تجد نفعاً في تعميق وهم الناس الذين يدركون حجم الازمة وأسبابها ومسببيها .
ويقول إبراهيم: لقد سقط وهم الدولة وبناء مؤسساتها تحت الاحتلال الذي يسيطر على مواردنا الطبيعية واستغلالها، ونحن لا نملك إلا إعادة استيراد منتجاتها، ويصدر لنا مشكلاته، وما يسمى اقتصاد فلسطيني هش وضعيف، في ظل عدم قدرتنا على التحكم بالأسعار بناء على سياستنا، وإسرائيل تتحكم في كل شيء، تمنع التصدير وتستولي على المياه بالقوة، وتستغل الأرض وتحرم المزارعين من تصدير منتجاتهم، وتسيطر على الطرق والسياحة، وتمنع التطور والاستثمار، والتنمية والتطور .
إن كل الناس يشعرون بأن ما يجري هو جراء الاستمرار في اتباع السياسات الاقتصادية الخاطئة والفساد والاقتراض من البنك الدولي والاعتماد الكلي على الدول المانحة، ومحاولة الاعتماد على الايرادات المحلية من ناس فقراء يعانون البطالة وعدم تكافؤ الفرص بفرض الضرائب الباهظة التي اثقلت على الناس .
والمضحك هو بيع الهم والوهم للناس والحديث عن تكليف بعض المسؤولين الطلب من إسرائيل فتح الاتفاق الاقتصادي وبروتوكول باريس لتعديله، كأننا اكتشفنا القمر من جديد، الأجدى هو عدم تجزئة القضايا والطلب بتعديل اتفاق باريس، إنما المطلوب اعادة النظر في اتفاق اوسلو وجميع الاتفاقات المؤقتة والتي انتهت عملياً، والدعوة لمؤتمر اقتصادي وغيرها من الدعوات المهدئة لا تضع حلولاً، الأولوية هي عقد مؤتمر وطني يشارك فيه الكل الفلسطيني لوضع استراتيجية وطنية لتحديد المسار .