الشارقة - مصطفى عبدالرحيم:
"أنا سلمى محمد، صديقة إسراء البابلي، تلك الفتاة التي تحدت إعاقتها كونها مصابة بالصمم، وتمكنت من تغيير حياتها رافضة لغة الإشارة، وأصرت على التعامل بالكلام، والالتحاق بأصعب فروع العلم وهو الطب . بعد أن حصلت على الثانوية العامة بمجموع 6 .94%، وهي الآن أول مصرية وعربية من ذوي الإعاقة السمعية، تحصل على بكالوريوس طب الفم والأسنان، لكن لم يلتفت أحد إلى حكايتها، ولم تحصل على التكريم الذي تستحقه، ولم يتعرف الناس إلى قصتها لتكون دافعاً لمن يعانون من نفس مشكلتها" هذا هو نص الرسالة التي وصلت الجريدة من سلمى محمد من البحرين، لنتعرف إلى الإنجاز الكبير الذي حققته صديقتها وتخطيها لمحنة يحاول كُثُر في عالمنا العربي عبورها . وقصة الدكتورة إسراء البابلي مع الصمود والتحدي والنجاح في السطور التالية:
لم يكن الأمر هيناً على الوالد السيد البابلي، مصري مقيم في البحرين، أن يصدق أن ابنته التي لم يتجاوز عمرها عاماً واحداً، صماء، فأجل شكوكه وحاول الاستمتاع بصغيرته البريئة . إلا أنه سرعان ما غير رأيه وشعر أن الهروب لن يجدي نفعاً في حال كبرت البنت، ولم يتمكن من علاجها حيث لا ينفع الندم . لملم الأب عزيمته المنكسرة، وتحلى بالشجاعة، وقرر عرض إسراء على طبيب مختص، راجياً من الله أن يكون شعوره بعدم تجاوب ابنته مع أصوات المحيطين، مجرد وهم، وأنه سيعود من المشفى بحقيقة واحدة، هي أن صغيرته طبيعية مثل باقي أقرانها .
ساعات من الانتظار، جابت خلالها عيون الأب أرجاء عيادة الطبيب، ووصل إلى قناعة أن ابنته ستكون جزءاً من هذا العالم، وعليه التحلي بالشجاعة الكافية، ورسم الابتسامة على وجهه ومداعبة صغيرته البريئة .
شخص الطبيب حالة إسراء بضعف السمع الحسي العصبي في كلتا الأذنين، وكحالة مثل مئات الحالات كتب الطبيب وصفته باسم سماعة الأذن ونوعها، حتى تستطيع الرضيعة التجاوب مع المحيطين وتسمع صوت أبويها .
ويروي الوالد: "خرجت من عيادة الطبيب، مسلماً بقضاء الله وقدره، وحاول المحيطون بي تخفيف حدة الأمر، من أن ابنتي ليست الحالة الأولى، وأن هناك ملايين الأطفال يعيشون ويتعلمون بالسماعة الطبية . فهرعت على الفور لشراء السماعة، وليتني ما فعلت، حيث كانت كبيرة الحجم موصلة بأسلاك تعيق إنساناً كبيراً عن الحركة، وليس طفلة لا تفهم إلا لغة اللعب والحركة . لكن لم يكن بيدي حيلة، لأن هذا النوع من السماعات هو آخر ما وصل إليه الطب في ذلك الوقت" .
بعد أسابيع عدة قرر الوالدان الذهاب إلى بريطانيا، حيث مركز السمع بلندن، آملين بأن يكون التشخيص السابق خطأ، وتوفر حل جراحي يعيد الطفلة إلى طبيعتها، لكن لم يأت الجراحون البريطانيون بجديد سوى تغيير السماعة الكبيرة الحجم إلى أخرى صغيرة خلف الأذن .
بعد حالة الحزن واليأس المسيطرة على الأسرة، خرجت سارة عن صمتها في عمر 3 أشهر، مكررة كلمة "بابا"، وكأنها تطمئن والديها إلى تحسن حالتها، وتحديها لحالة الصمت التي تعانيها نتيجة عدم سمعها لأصوات المحيطين . فبعث في الأفق أملاً جديداً يحتم على الأب والأم المثابرة والتخلي عن حالة اليأس، والدخول إلى حالة جديدة من التحدي تقودهما فيه الصغيرة إسراء . وتبدأ رحلة التأهيل مع طبيب متخصص في التخاطب بواقع جلستين يومياً .
طالت شهور العلاج إلى سنوات، ولم ينقطع الأمل إلى أن بدأت إسراء التقاط خيط قراءة شفاه المتحدث إليها، وتتعرف من حالته وطريقة تعبيره حالته المزاجية .
كبرت الطفلة وأصبح عمرها أربعة أعوام، وبدأ الحديث عن الدراسة، ليبحث الأب عن مدرسة خاصة، تحتضن ابنته في صفوف الروضة . وبالفعل ارتدت إسراء زي المدرسة وحملت حقيبتها، وتوجهت إلى مدرسة فيها معلمة إنجليزية، تفهمت حالتها وعاملتها كأم، وعشقت إسراء المدرسة بفضل تلك المعلمة، ورغم طول اليوم الدراسي كانت الصغيرة مواظبة على حصص التخاطب، والاعتماد على سماعة الأذن، لكنها كانت في كل يوم تذهل المحيطين، وأصبحت أكثر تقبلاً للعالم المحيط .
بعد أن وضعت إسراء قدميها على أول طريق الانسجام مع عالمها المحيط، تركت معلمتها الإنجليزية المدرسة، وشكل ذلك لها أزمة كبيرة، لاسيما بعد أن حلت محلها معلمة أخرى لم تمنح الطفلة فرصتها في التعبير أو إثبات الذات . وبدأت الأسرة تستعطف إدارة المدرسة لتفهم حالة ابنتها، التي أحرزت تقدماً كبيراً مع معلمتها السابقة . وسرعان ما أصبحت إسراء عبئاً على المدرسة، وتحججت إدارتها بشكاوى أولياء الأمور من أن بقاء الطفلة في الصف يؤثر في مستوى أبنائهم .
أصيبت الطفلة بحالة من الاكتئاب، ورفضت الذهاب المدرسة . ليواجه الأهل تحدياً جديداً، وهو البحث عن بدائل أخرى تعود بإسراء إلى المدرسة، وتستفيد من حالة التحسن الملحوظ في حياة ابنتهم .
بعد أن بلغت إسراء السن القانونية لدخول المدرسة، التحقت بمدرسة نسيبة بنت كعب في البحرين ورحبت مديرتها بقبولها بعد رفض مدارس عدة مقابلتها، أو التعرف إليها . ويعود القدر ليصالح الصغيرة بمعلمة حنون، تعهدت أمام أسرتها ألا يقل معدل إسراء عن المستوى المتميز . ومنذ الصف الأول تعمل التلميذة النجيبة على تحقيق أمل معلمتها وأسرتها، وترتفع تارة وتهبط أخرى، لكنها تظل في مرحلة التميز . واستمرت حياتها موزعة بين المدرسة ودروس التخاطب، لكنها كانت مستمتعة بأجواء الصداقة بينها وبين زميلاتها اللاتي أكبرن فيها تحديها الكبير، وتعلمها السريع، وخفة الظل .
لم تهنأ إسراء باستقرار وضعها النفسي والسمعي طويلاً، وما إن دخلت مرحلتها الثانوية وهي مستعدة للحصول على مجموع كبير، تثلج به صدور كل من تعب معها، وساندها . فقدت الفتاة وهي في الصف الأول الثانوي السمع تماماً بأذنها اليسرى، لكنها لم تخبر والدها في بداية الأمر حتى لا تجدد أحزانه . ليكتشف طبيب التخاطب ذلك الأمر، وتبدأ رحلة الأسرة في البحث عن بديل آخر، لكنه هذه المرة جراحياً متمثلاً في زراعة جهاز "نيوكليس فريدوم"، لكن خشية الأب من فشل إعادة برمجته ليطابق حالة إسراء ومستواها السمعي تحققت . ولم يكن في العالم العربي مبرمج محترف يمكنه القيام بالمهمة، ويعود الأمر مرة أخرى للفتاة التي اعتمدت على نفسها في قراءة الشفاه والتطلع لمستقبل أفضل .
قررت إسراء أن تلتحق بالثانوية العامة بقسمها العلمي، في وقت كان يحثها الجميع على اختيار المسار التجاري، لأنه أقل جهداً . لكنها أعلنت لأول مرة عن رغبتها في أن تلتحق بكلية الطب وتحديداً جراحة الفم والأسنان، وكان قرارها صادما للأسرة التي كان أقصى طموحها أن تلتحق بكلية التجارة أو الفنون التطبيقية .
درست إسراء طيلة المرحلة الثانوية صيفاً وشتاء، حتى تمكنت من النجاح بمعدل 4 .94% واحتلت قمة قائمة المتفوقين، وكانت أول معاقة سمعيا تتمكن من إحراز هذا المعدل بالمسار العلمي، وحصلت على تقدير ضمن التكريم العام لأول دفعة تتخرج في المرحلة الثانوية من ذوي الاحتياجات الخاصة بمملكه البحرين .
قدمت إسراء أوراقها إلى جامعة المستقبل بمصر، واجتازت اختبارات القبول .
كانت سنوات الدراسة الجامعية صعبة ففي المدرسة كنّ جميعاً فتيات علاقاتهن مستمرة لسنوات، وربما العائلات نفسها مرتبطة بعلاقات صداقه تجعل أولادهم أكثر لطفاً في التعامل، لكن في الجامعة الأمر مختلف، فكان عليها بعد تعدد المواقف الجارحة من بعض الزملاء، إما أن تعتزل الجميع بإرادتها أو تغضب وربما تحزن وتستسلم، وتتوقف عن الذهاب إلى الجامعة . فقررت أن تبتعد بإرادتها قبل أن يفرض عليها الإقصاء . وأصبحت الجامعة بالنسبة لها مكاناً للتعلم من دون الدخول في علاقات صداقة تذكرها بشيء طيب بعد سنوات التخرج . اكتفت بثلاثة زميلات فقط تصاحبهن داخل الحرم الجامعي .
أما الأساتذة فقسمتهم إسراء إلى نوعين، الأول مرتبط بالاستعداد الفطري للعطاء، والثاني غير متمتع بتلك الصفة . وبعد سنوات من الجهد والعرق، تبدلت المعاناة العلمية وأصبحت الطالبة النجيبة أكثر ثقة في اقتراب تحقق حلمها في أن تكون طبيبة أسنان أبرع من الجميع . وبدأت التدريب العملي في بعض العيادات الخاصة، ولاحظ العديد من الأطباء إصرارها على التعلم وتحدي الصعاب . فكان الدعم لتدريبها بشكل جيد وأصبحت تعشق الوجود في العيادة بل إنها أدمنت ذلك، وتلاشى الخوف عليها من التعامل المباشر مع المرضى، بل كان بعض المترددين على مستشفى الجامعة يفضلها وينتظر يوم قدومها .
ورغم تميزها لم تحصل إسراء على تكريم خاص من الجامعة أو من أي جهة أخرى، لكنها لم تشغل بالها، وعندما كانت تسأل عن رغبتها في الحصول على تكريم تقول: كل تكريم الدنيا حصلت عليه من شعور الفخر الذي شاهدته في عيني والدي، فقد أصبحت الدكتورة إسراء السيد البابلي .