منذ ما يزيد على نحو خمسمئة عام، وصوت «مدفع الحاجة فاطمة» يدوي في سماء القاهرة مع حلول أذان المغرب طوال شهر رمضان الفضيل، ليعلن انتهاء ساعات الصيام، ليشرع ملايين المصريين في الإفطار، محملين بذكريات قديمة يتوارثها الأجيال، لا تزال برغم تقلبات العصور عصية على النسيان.
من بين خمسة مدافع عتيقة، يدوي صوتها مع دخول المغرب من كل يوم في خمسة أماكن مختلفة بالقاهرة، يحتل المدفع الشهير ب«الحاجة فاطمة» المقدمة دوماً، ليس فحسب بسبب تاريخ صناعته التي تزيد على نحو عقدين من الزمان، وإنما باعتباره الأقدم من بين المدافع الخمسة التابعة لإدارة الدفاع المدني، والتي تنتشر على حدود العاصمة، في تقليد سنوي لا تزال تحرص عليه مصر، منذ انطلق أول مدفع فيها لإعلان موعد الإفطار، أثناء حكم الوالي محمد علي الكبير، الذي أدخل المدافع لأول مرة ضمن تسليح الجيش، ضمن خطة استهدفت تحديثه، ولعبت الدور الأكبر في تمدد مصر خارج محيطها الجغرافي، وظهور أول مفهوم لفكرة الأمن القومي.
ويقوم على خدمة «مدفع الحاجة فاطمة» أربعة من رجال الدفاع المدني، يتولون مهمة إعداد البارود وإطلاق المدفع كل يوم مرتين: الأولى لحظة الإفطار والثانية لحظة الإمساك، من أقدمهم مساعد الشرطة خلف عبد المعبود الذي يروي قصته مع المدفع قائلاً: «لي هنا أكثر من خمسة عشر عاماً، ورغم أنني طوال أيام الشهر الفضيل لا أتناول طعام الإفطار مع أولادي إلا نادراً، فإنني أشعر بسعادة غامرة، خاصة والأطفال من كل حدب وصوت يلتفون حولي قبل موعد الأذان، ليستمعوا إلى صوت المدفع وهو يعلن لمصر كلها انتهاء أحد أيام الصوم». يتناول طاقم مدفع الحاجة فاطمة إفطارهم معظم أيام شهر الصوم، بعيداً عن أبنائهم وأسرهم، لكنهم لا يخفون سعادة غامرة بالعادة التي تطل على قاهرة الألفية الجديدة من مخزن ذكريات التاريخ.
وتتداول العديد من كتب التراث، عشرات من القصص التي تربط بين المدفع وشهر رمضان المعظم، وإن كان أكثرها انتشاراً هي تلك القصة التي تداولتها العديد من كتب الأثر، والتي تقول بأن محمد علي كان اشترى عدداً كبيراً من المدافع الحربية الحديثة، في إطار خطته لبناء جيش مصري قوي.
وفي أحد الأيام الرمضانية وبينما كانت الاستعدادات تتم لإطلاق أحد هذه المدافع كنوع من التجربة، انطلق صوت المدفع مدوياً في نفس لحظة غروب الشمس وصوت أذان المغرب، الذي كان يصدح من فوق مسجد القلعة، فظن الصائمون أنها طريقة جديدة ابتكرها الوالي لإخبارهم بموعد الإفطار فأفطروا، غير أنهم انتظروا انطلاق المدفع في اليوم التالي، ولما لم يسمعوا له صوتاً، عرفوا أن الأمر لم يكن سوى تجربة للجيش.
خرج أعيان القاهرة وشيوخ الطوائف بها في وفد كبير، إلى القلعة لمقابلة الوالي، وطالبوه بأن يستمر هذا التقليد خلال شهر رمضان، في وقت الإفطار والسحور، ووافق محمد علي ليتحول إطلاق المدفع مرتين يومياً إلى ظاهرة رمضانية، لم تتوقف إلا خلال فترات الحروب العالمية.
وترجع تسمية مدفع رمضان ب«الحاجة فاطمة» نسبة إلى زوجة والي القاهرة، ويقول باحثون في تاريخ الدولة الإسلامية، إنها الراوية الأكثر صدقاً، مشيرين إلى أن تاريخ أول مدفع انطلق في رمضان، يرجع إلى العام 1439 ميلادية، الموافق 859 من الهجرة، وفيه عهد السلطان المملوكي «خوشقدم» إلى أحد أصحاب المصانع الحربية، وكان ألمانياً، بتصنيع عدد من المدافع لحماية القاهرة.
وحدث أن أهدى صاحب المصنع إلى الوالي مدفعاً من إنتاجه، أمر الوالي بتجربته على الفور، فتصادف ذلك مع حلول أول يوم في شهر رمضان المعظم، وعندما خرجت دانة المدفع تزامنت مصادفة مع غروب الشمس، فظن سكان القاهرة أن الوالي ابتكر طريقة جديدة لإعلامهم بموعد الإفطار، وعندما توجه كبار الطوائف والحرف والأعيان إلى منزل الوالي لتقديم الشكر له على هذا التقليد الجديد، فوجئ وأعجب بذلك الأمر، فأمر بإطلاق المدفع عند غروب الشمس في كل يوم من أيام رمضان، فلم يكن من الأعيان إلا أن أطلقوا اسم زوجته على المدفع تكريماً لها وعرفاناً بفضلها.
ظل مدفع رمضان يعمل بالذخيرة الحية لعقود طوال، قبل أن يستبدل بها المصريون كرات من البارود، تحدث دوياً هائلاً عند كبسها في ماسورة المدفع وإطلاقها، خاصة بعدما تسببت القذائف الحية التي كانت تطلق من المدفع، في تهدم بعض البيوت، بعد الامتداد العمراني الكبير الذي حاصر القلعة، ويقول مؤرخون إن الذخيرة الحية تحولت بعد مدة بالفعل إلى مثار شكوى، خاصة بالنسبة لأهالي المنطقة المحيطة بالقلعة جراء تأثيرها في الحوانيت والبيوت، ما دفع الحكومة المصرية آنذاك إلى نقل المدفع من القلعة إلى منطقة الدراسة القريبة من الأزهر الشريف، قبل أن ينقل مرة ثالثة بعد ذلك إلى منطقة مدينة البعوث في ضاحية مدينة نصر.