يأتي كتاب الخطاب النقدي الحديث في قراءة النص الشعري والصادرمؤخراً، عن إصدارات دائرة الثقافة والإعلام، في الشارقة، وهو من إعداد أمين الشحات، وتقديم ومراجعة د . بهجت الحديثي، ويضم وقائع ملتقى الشارقة للشعر العربي، في دورته التاسعة التي كرم فيها الشاعر العربي محمد التهامي، ليكون إحدى الوثائق الأكثر أهمية، شأن سلسلة إصدارات السلسلة التي تعدّ مرجعاً لا بد منه، لدارسي الشعر العربي - عموماً - لما فيه من عصارة الإبداعات الجديدة في عالم الشعر، إضافة إلى ما يرافق كل دورة جديدة، من دراسات جد مهمة، لنخبة من النقاد الكبار .
جاء الكتاب في قسمين، الأول منهما، تضمن مقدمتين إحداهماتوطئة للكتاب بقلم مسؤول بيت الشعر في الشارقة د . بهجت الحديثي، والثانية كلمة لرئيس دائرة الثقافة والإعلام عبد الله العويس، قالها في افتتاح الدورة التاسعة لملتقى الشارقة للشعر الشعبي، وأخرى مماثلة ل د . الحديثي، ومن المقالات والنصوص المنشورة في هذا القسم قصيدة لمحمد التهامي إضافة إلى قصائد لكل من: د . محمد نجيب المراد، وسالم الزمر، وجاسم الصحيح، وجميلة الماجري، وحسن النجار، وسعيد القبيسي، ود . عباس الجنابي، وعبدالعزيز باروت، وعبد الله عثمان، وعقيل بن ناجي، وعلي الشعالي، وماهر المقوسي ود . محمد أبو دومة .
واحتوى القسم الثاني من الكتاب، مقالات نقدية لعدد من الأدباء والنقاد العرب مثل أحمد درويش، ود . أحمد قدور، ود . رشا العلي، ود . زياد صالح الزعبي، ود . سامي سليمان، ود . ماهر مهدي هلال، وبالرغم من أهمية القصائد المشاركة، في هذا الملتقى، فإننا سنحاول الوقوف عند الدراسات التي ضمها هذا القسم، لما لها من أهمية نقدية .
أولى دراسات هذا القسم، كانت للدكتور أحمد درويش من مصر، وهي معنونة بحوار بين الشعر والرسم والمعمار والغناء: قراءة في سينية البحتري، ويرى فيها أن سينية الشاعر العباسي الكبير أبي عبادة الوليد بن عبد الله الطائي، المشهور بالبحتري 206-284 واحدة من روائع الشعر العربي القديم، ومن القصائد المقروءة في تراثه المهم . ويتابع الناقد قائلاً: وهي تحفة فنية جديرة بالتأمل والقراءة، وإعادة القراءة، مرات متعددة، ومن زوايا مختلفة، فهي نموذج جيد لتيار رئيس في شعراء القرن الثالث الهجري، وفي الشعر العباسي بصفة عامة، يجنح إلى ما يسمى بشعر الطبع الذي كان البحتري أبرز ممثليه في مقابل شعر الصنعة الذي كان شعر أستاذه أبي تمام أبرز من عبر عنه، وكان تقابل هذين النموذجين مصدر ثراء كبير، للحوار النقدي الواسع الذي دار حول طبيعة الشعر بصفة عامة، وشعر أبي تمام بصفة خاصة، وأنتج فيما أنتج، كتاب الموازنة بين الطائيين للآمدي .
وتحمل دراسة د . أحمد قدور من سوريا عنوان مفهوم النص في النقد الحديث من خلال بعض نماذجه، وهو يتضمن كما يقول الناقد في استهلالة دراسته، تحليلاً لدلالة النص وفق المنهج التاريخي التطوري مَُّْوكفىل ويقدم التحليل الدلالي فوائد جمة للدارس، فالمصطلحات أصلاً مفردات لغوية ذوات أصول متواضع على دلالتها، ثم جاء الاصطلاح فجعل لها دلالات جديدة، وحين تعرض المصطلحات على قوانين التطور الدلالي تتكشف للدارس طريقة تجريده الاصطلاحي وسبله ومصادره . وغالباً ما يكون المصطلح تخصيصاً للدلالة، ونقلاً له من مجال إلى آخر عن طريق المجاز .
وكتبت رشا ناصر العلي من سوريا دراسة بعنوان التناص في الشعر العربي الحديث ورأت أنه من العسير القول بترافق المصطلحين السرقات والتناص وإن كان هناك وهم لدى بعضهم بتطابقهما، وذلك لأن فاعلية التناص أوسع وأعمق، ولا نقصد من هذا القول المفاضلة بين المصطلحين، فكل مصطلح أدى وظيفته في زمنه، لكن التطور الحضاري والثقافي والنقدي جعلنا نعيد النظر في المصطلح التراثي لنربطه بزمنه، ونعيد النظر في المصطلح الوافد لتأكيد شرعيته وصلاحيته للتعامل مع الخطاب الأدبي جملة، والخطاب الشعري خاصة .
وتحت عنوان التناص وذاكرة القصيدة العربية كتب د . زياد صالح الزعبي من الأردن دراسة بين فيها بدوره أن لكل نص ذاكرة، لأن النص، أي نص لا يتوالد ذاتياً، بل يتخلق من نصوص سابقة، فالنصوص يتناسل بعضها من بعض، وتتشكل من مكونات وراثية متعددة ومختلفة تصعد إليها من شجرة نسب معمرة عميقة الجذور، ولذا فقد وعى الكتاب والشعراء منذ القديم بأن ما يقولونه سبق قوله، فقد قال تيرنس ت . 161 ق .م ليس من شيء قيل في هذه الأيام لم يكن قيل من قبل أما أحمد بن أبي طاهر 280 ه فيرى أن كلام العرب ملتبس بعضه ببعض، وآخذ أواخره من أوائله، والمبتدع منه والمخترع قليل، إذا تصفحته وامتحنته، والمحترس المتحفظ المطبوع بلاغة وشعراً من المتقدمين والمتأخرين لا يسلم أن يكون كلامه آخذاً من كلم غيره .
وكتب د . سامي سليمان أحمد من مصر دراسة بعنوان السرد وتشكيل بنية النص في جدارية محمود درويش ورأى أن القصيدة تحمل عنوان جدارية كاستعارة من عالم الفنون التشكيلية، وتعد إطاراً ماديا تحفظ عليه مجموعة من الصور المنحوتة التي تصور حدثاً أو واقعة من الوقائع المهمة، ويتحدث عن أكثر من عتبة للنص، ويعرج - على عجالة - إلى ظهور مكانين في النص، ناهيك عن أنه يبين أن الجدارية تدفع قارئها إلى تلقيها على أنها صيغة سردية كبرى، فالإطار السردي هو البوتقة الشاملة التي تحتضن مختلف العناصر السردية والغنائية التي تتفاعل في بنيتها، ثم يفكك الناقد القصيدة، على نحو تشريحي ليبين ما وراء الجدارية، واستشفاف هم الشاعر الكبير درويش ورؤاه، بعد أن يبين أن بنية القصيدة تقوم على تفاعل صوتي الشاعر الراوي والصوت الغنائي، والوعي بأبعاد الزمن الثلاثة الرئيسة، وإن الزمانية والمكانية هما من متطلبات السرد-عادة-وإن كان ذلك يظهر في صياغات مختصرة .
وجاءت دراسة د . صالح زياد من السعودية تحت عنوان قراءة في نموذج نقدي للشعر من منظور ثقافي ويرى فيها أن الشعر فعل ثقافي تحتويه الثقافة، ولا يحتويها، فهو منتج يتجاوز مع غيره من منتجات الثقافة، ونوع أدبي يتجاوز مع الأنواع والصيغ الأدبية الأخرى ضمن مؤسسة الأدب، التي تتدرج بدوره في سياق المنتجات الرمزية وألوان الخطاب المختلفة، في بنية الثقافة .
وتأتي دراسة د . ماهر مهدي هلال من العراق، والمعنونة بالتناص ذاكرة القصيدة لتؤكد مرة أخرى أن التناص يعد عنصراً جوهرياً في بنية النصوص الإبداعية وتلقيها، ويكثف فاعلية اللغة، وتماهيها في بنية النص وأنساقه، ويعتبر التناص من المفاهيم النقدية التي تنتمي إلى مرحلة ما بعد البنيوية التي أعادت النظر في مسلمات نظرية الأدب الحديثة، ورأى أن التصور لقائل بأن التناص تضمين نص في نص آخر، أو استدعاء نص لنص آخر يتفاعل معه، لم يكن ليضيف جديداً إلى المعرفة النقدية أكثر مما استقر لدينا على مصطلح التضمين، ثم توقف عند مستويات التناص في الموروث الشعري، متوقفاً عند ابن طباطبا، وغيره ليصل إلى الإشارة بعض المستويات الجديدة .
إن مثل هذه الكتب التي توثق للملتقيات الشعرية، تحمل قيمة كبيرة، أبعد من بعدها التوثيقي، ولاسيما أن التركيز على الدراسات الجديدة التي يساهم بها أكثر المشاركين من النقاد فيها، فإنها تظل مراجع للدارسين والمستزيدين من أكاديميين وجامعيين وباحثين، مادامت تعنى في جزء منها بما هو تطبيقي، ناهيك عن أن هذه الدراسات، تشكل - عادة - حواراً في آخر ما تتوصل إليه الدراسات الجديدة .
من هنا، فإن التركيز-في كل ملتقى- على محور واحد، والالتزام الصارم به، سيوسع من دائرة الفائدة، خاصة أن هناك ندرة واضحة فيما يتعلق بالنقد الأدبي، في مجال الشعر، وهو نفسه ما يمكن أن يقال عن نقد النقد، ولكم يكون جميلاً لو نجد ملتقى خاصاً بقصيدة النثر، ولاسيما أن هناك عودة - ومن جديد - إلى طرح مفهوم مابعد قصيدة النثر، وثمة حاجة كبرى إلى متابعة هذه القصيدة - عربياً - لتبيان ما لها، وما عليها، بعد عقود من عمرها، حيث أصبحت كائناً لابد منه في مشهدنا الإبداعي .