في هذه الآية الكريمة من سورة الكوثر خمس فوائد تؤكد لنا أن القرآن العظيم قد احتوت أقصر سورة فيه من المعاني البديعة، والفصاحة التي تسد بها عن معارضته الذريعة، وتتمثل هذه الفوائد فيما يأتي:
أولاً: إنه علل بالإقبال على شأنه، وترك الاحتفال بشانئه، على سبيل الاستئناف الذي هو حسن حسن الموقع، وقد كثرت في التنزيل مواقعه .
ثانياً: ويتجه أن يجعلها جملة للاعتراض، مرسلة إرسال الحكمة لخاتمة الأغراض كقوله تعالى في سورة القصص: إن خير من استأجرت القوي الأمين . وعني بالشانئ العاص بن وائل .
ثالثاً: إنما لم يسمه، بل ذكره بصفته، ليتناول كل من كان في مثل حاله في كيده لدين الحق .
رابعاً: صدر الجملة بحرف التوكيد الجاري مجرى القسم، وعبر عنه بالاسم الذي فيه دلالة على أنه لم يتوجه بقلبه إلى الصدق، ولم يقصد بلسانه الافصاح عن الحق، بل نطق بالشنآن الذي هو قرين البغي والحسد، وعين البغضاء التي هي نتيجة الغيظ والحرد، ولذلك وسمه بما ينبئ عن المقت الأشد .
خامساً: جعل الخبر معرفة وهو الأبتر ليتم البتر للعدو الشانئ حتى كأنه الجمهور الذي يقال له الصنبور .
ومن هذا الإيجاز قول الله تعالى في سورة الأعراف: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين .
حيث جمع الله في هذه الآية الوجيزة كل خلق عظيم، لأن في أخذ العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين .
وفي الأمر بالمعروف: تقوى الله وصلة الأرحام، وصون اللسان عن الكذب وعض الطرف عن المحرمات، والتبرؤ من كل قبيح، لأنه لا يجوز أن يأمر بالمعروف، وهو يلامس شيئاً من المنكر .
وإنما سمي هذا وما أشبهه عرفاً ومعروفاً، لأن كل نفس تعرفه، وكل قلب يطمئن إليه .
وفي الإعراض عن الجاهلين: الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السفيه، ومنازعة اللجوج .