قديمة هي فكرة إهداء الكتب، وقبلها إهداء القصائد، لكن ظاهرة إهداء الكتب زادت حدة انتشارها في العصر العباسي، ولم تقتصر على الكتب الأدبية، بل تخطتها إلى كتب العلوم، وقد وجدنا ابن خلكان يروي لنا أن الرازي صنف كتاباً ضخماً وصف فيه سر الصنعة، وأنه قد أهداه إلى الخليفة المنصور، فكافأه بألف دينار . ثم أمر بتوفير الآلات والأدوات له لكي يقوم بتنفيذ ما وصف، فلما عجز الرازي عن تحويل المعادن إلى ذهب، أمر المنصور بأن يضرب بكتابه حتى يتمزق الكتاب، فلما فعلوا هذا أصاب الرازي العمى . ومع ذلك كانت شكايات الرازي من عينيه طويلة، إذ قيل إنه كان ينفق جل وقته في التسويد والتبييض، وأنه لما نصح بأن يجري في عينيه كحالة، رد على ناصحيه رافضا: لقد أبصرت من الدنيا حتى مللت .

لكن موقف الأصفهاني يختلف حين أتعب ذاته خمسين عاماً، ليقدم لنا كتابه الأغاني وبعد أن انتهى منه أهداه إلى سيف الدولة الحمداني، فأعطاه ألف دينار، ولما سمع الحاكم ابن عباد ذلك ذكر أن المبلغ زهيد فأرسل إلى الأصفهاني ملتمساً نسخة من الكتاب مقابل ألف دينار أخرى، فأرسل الأصفهاني له نسخة منقحة قبل أن يوزع الكتاب في العراق .

كان الأصفهاني كما يقول هلال بن المحسن الصابي وَسِخا قذرا، ولم يغسل ثوبا منذ فصّله إلى أن قطعه، وكان الناس يحذرون لسانه . . . . .

وسنلاحظ أن أحد المعاصرين له الخوانساري يؤكد في كتابه روضات الجنات أن الأصفهاني كان قصده التقرب إلى أبواب ملوك ذلك العصر، طمعاً في جوائزهم العظيمة .

وقد خصص صاحب الموشى فصولا ممتعة للإهداءات على اختلاف أنواعها، ومنها ما خصصه الوشاء للكتب والقصائد، تحت عنوان ما ضمنوه كتبهم من الأشعار، ويورد ثلاث عشرة قطعة شعرية كلها تبدأ بقول الشاعر (هذا كتاب . . .) ويورد على سبيل المثال قول شاعر يهدي كتابه قائلا:

(هذا كتاب متيم / خطت إليك أنامله)

(مزج المداد بدمعه / فبكت عليه عواذله)

ويبدو الإهداء هنا محملا برسالة شوق ومحبة، ملتهب بمشاعر متوهجة، والعجيب أن يهدى الشاعر قصيدته لحبيبته، ثم يتمنى من الله ألا يشفى مما هو فيه، كقول أحدهم:

لا فرّج الله الصبابة والهوى عني .

وهناك من الكتب ما أهدي إلى وزير أو خليفة، نظراً لتكليف المؤلف به من قبل الخليفة أو الوزير، فقد طلب أبو الوفاء صديقُ الوزير أبي عبدالله العارض من التوحيدي أن يقصّ عليه تفاصيل ما دار بينه وبين الوزير من أحاديث السَّمر خلال سبعٍ وثلاثين ليلة، وذكّر أبا حيّان بنعمته عليه في وصله بالوزير، وهكذا أجاب أبو حيان طلب أبي الوفاء مرغماً، فكان من ذلك كتاب (الإمتاع والمؤانسة) .

وشبيه به ما يقصه النفزاوي في مقدمة الروض العاطر حيث اطلع وزير مولانا صاحب تونس المحروسة على كتابه تنوير الوقاع فطلب منه أن يكتب شرحاً وتوضيحاً وتفصيلاً لما ذكره في كتابه المختصر، وبعدما وعده (فإن ألفته نلت المراد، فقلت له: كل ما ذكرته ليس بصعب إن شاء الله، فشرعت في تأليفه مستعينا بالله) وهكذا أهداه للوزير، الذي كلفه به، وما أكثر الكتب التي كتبت لخلفاء ووزراء في العصور العربية المتتالية .

لم يسمِ المازني مقدمة كتابه حصاد الهشيم إهداءً، بل كتب مقدمة وجهها إلى القارئ، قال فيها إنه جمع وطبع هذا الكتاب، ويباع بعشرة قروش، وهو عصارة فكره وثمرة أعصابه ويحوي كما يقول أربعين مقالا، فأنت تشتري كل أربع منها بقرش، فإن لم يقرأه الشاري، فليضعه زينة على مكتبه، أو يلقى به حين يضيق صدره من أمر ما، ويمكن أن يبيعه، فينكب به غيره، أو يفككه ويلف به ما يلف، وهذه الروح الساخرة الساحرة، عاشت في كتابات المازني لأنه لم يصطنعها، إنما جاءت نتاج سجية وفطرة وخفة ظل وروح ساخرة حقيقية .

وهو ما نجده في إهداء الكاتب أحمد رجب في كتابه الأغاني حيث يهديه إلى زوجته (تقديراً وإعجاباً وانبهاراً بقوة احتمالها عند غنائي في الحمام) .

بينما نرى الشاعر الحلمنتيشي، ياسر قطامش، في كتابه مشاغبات شعرية يجعل الإهداء شعراً قائلاً:

حلت بجواري تتمحك فشعرت بجسمي يتفكك

وشعرت بدق في صدري تك تك تكتك تك تك تكتك

حبك إبر ودبابيس منها قلبي كم يتشكشك

قلبي تعبان فمعذرة إن صرت بقلبي أتلكك .

معظم كتب د .علاء الأسواني يهديها للأبوين أو أحدهما، فيهدي شيكاغو إليهما لعلي لم أخيب أملهما، والإهداء نفسه سنجده لدى الدكتور عبد الغفار مكاوي، فيهدي كتابه أرسطو دعوة للفلسفة بكلمة واحدة لا أكثر: إلى زوجتي .

بينما يهدي كتابه البلد البعيد إلى فاروق خورشيد، ويعود في كتابه ست دمعات عربية للإهداء الأسري حيث يهديه إلى (ابنتي نوران: بثت الشمس بقلب الظلمات، وبدلت دموعي ضحكات)، ورغم أن رجاء النقاش يهدي أكثر من كتاب لأبيه، فإهداء كتابه أدباء ومواقف يطول حتى يصل صفحة كاملة، ويجعل الإهداء الأصلي بخط خطاط وليس بحروف الطباعة، وهي مسألة ليست متكررة كثيرا، يقول إلى والدي عبد المؤمن النقاش، ثم يحدثه عن ذكريات قريتهم وشعر الأب في مدح النبي، وتأثير أبيه فيه كشاعر، ومبدع .

الكاتب الدكتور أحمد الخميسي يهدي مجموعته (قطعة ليل) إلى المستقبل الذي لا يأتي أبدا، وفي رواية ألعاب الهوى لوحيد الطويلة إهداء طويل إلى فيروز ابنته، لكنه يقول لها (كم كنت أود أن أهديك القمر، تعطيه لحبيبك عندما تكبرين، لكنهم نشلوه أمام عيني . . . .) .

الروائية ميرال الطحاوي أهدت روايتها الأولى الخباء: إلى جسدي، وتد خيمة مصلوبة في العراء في حين أهدت الروائية فدوى حسن روايتها أو ما يشبه العشق: إلى روح شقيقتي بينما كانت روايتها الأولى، التي حملت عنوان فدوى فيما يبدو تماسا ما مع سيرتها الذاتية خالية من الإهداء، كأن الروائية اكتفت ضمنياً ومن دون تصريح أو تلميح بإهداء الرواية إلى نفسها، ويهدي سليم بركات روايته فقهاء الظلام إلى جميع الحمقى الذين وافقوا على الاشتراك في هذه الرواية .

وتهدي غادة السمان كتابها ختم الذاكرة بالشمع الأحمر: إلى الذئاب المتوحدة مثلي . . التي جاعت يوماً إلى الحنان، فالتهمت ذاكرتها .

أما الروائي عبده خال في روايته نباح، فيهديها إلى (كل أوغاد العالم . .) ويهدى سيد قطب روايته أشواك إلى التي سارت معي في الأشواك، فدميت ودميَت، وشقيتُ وشقيَت . ثمّ سارت في طريق وسرتُ في طريق: جريحين بعد المعركة . لا نفسها إلى قرار . ولا نفسي إلى استقرار .

ويذهب الشعراء إلى إهداءات غريبة، منها إهداءات الذات، فنجد محمد الشهاوي يهدي ديوانه أقاليم اللهب ومرايا القلب الأخضر إلى م .م . ش عندما نتفق، بينما نلمح حساً إنسانياً عميقا لدى بلند الحيدري وهو يهدي ديوانه السابع أغاني الحارس المتعب إلى بائع الصحف الصغير الذي تعود أن يحمل إليّ كل صباح مع بسمته وجوعه وبراءته موعدا مع قلق جديد .

وفي المجمل يكاد كبار الكتاب يتساهلون مع مسألة الإهداءات، فلم نجد نجيب محفوظ يهدي كتابا من كتبه، وكذلك يوسف إدريس، وغيرهما، وهناك ملاحظة لافتة أن كتب الأعمال الكاملة كثيرا ما تخلو من صفحة الإهداءات عند طباعة أعمال الكاتب، كذلك سنجد الأعمال التي تتناول مدناً، غالباً ما تهدى إلى المدينة، مثل ترابها زعفران للخراط وأخطية لإميل حبيبي وغيرهما .