ترك علامات مضيئة حتى اليوم، وأثرى الحياة القضائية، بأحكامه، وفقهه، وفتاواه، واجتهاداته المتعددة. سبق غيره في الوصول إلى أحكام وفتاوى في أصعب المسائل المتعلقة بالدين والدنيا. وكان القاسم المشترك بينه وبين معظم القضاة والمفتين الاستناد إلى الكتاب والسنة كمرجعية أساسية في إصدار الأحكام.
وقد أثارت آراؤه وأحكامه واجتهاداته وفتاواه جدلاً عظيماً. فالبعض رأى أنها تفتح باباً لبعض الشبهات حول الدين. والبعض الآخر، رأى أن هذه النوعية من الأحكام والاجتهادات تؤكد مكانة الإسلام في نفوسنا، خاصة أنه حض على التفكير والتعقل. وهما عنصران أساسيان عند أي فقيه جاد يريد تحليل الحقيقة برؤية موضوعية.
إنه ابن خلكان (أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان بن باول بن عبدالله بن شاكل بن الحسين بن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي، الشافعي (شمس الدين أبو العباس).
يقول الدكتور عصام محمد شبارو في كتابه «قاضي القضاة في الإسلام»: «وفد ابن خلكان بإربيل في 11 ربيع الثاني سنة 608 هجرية 1211 ميلادية، وتفقه على والده بمدرسة إربيل وسمع بها «صحيح البخاري» من أبي محمد بن هبة الله بن مكرم الصوفي، ثم انتقل إلى الموصل، حيث تفقه على كمال الدين بن يونس، ثم إلى حلب، حيث أخذ عن القاضي بهاء الدين بن شداد. ثم قدم دمشق، ثم إلى القاهرة التي سكنها وتولى قضاءها في ذي الحجة سنة 659 هجرية 1261 ميلادية، بعد عزل قاضي دمشق نجم الدين بن سني الدولة.

مناصب بالجملة

ثم أصبح ابن خلكان قاضي قضاة الشافعية في دمشق، عندما جعل الظاهر بيبرس سنة 664 هجرية 1266 ميلادية، قاضي قضاة لكل مذهب من المذاهب الأربعة، فكان شمس الدين عبدالله بن محمد بن عطاء الحنفي وزين الدين عبدالسلام الزواوي المالكي وشمس الدين عبدالرحمن بن الشيخ أبي عمر الحنبلي، فضلاً عن شمس الدين بن خلكان الشافعي. والملاحظ اجتماع ثلاثة من قضاة القضاة لقب كل واحد منهم شمس الدين في زمن واحد. واتفق أن ابن خلكان استناب نائباً عنه لقبه أيضاً شمس الدين.
ويروي ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» أنه أضيف إلى ابن خلكان، مع قضاء قضاة الشافعية، نظر الأوقاف والجامع والمارستان وتدريس سبع مدارس: العادية والناصرية والفدراوية والفلكية والركنية والإقبالية والبهنسية. وكان منصب قاضي قضاة الشافعية بدمشق بين ابن خلكان وبين عزالدين بن الصائغ، يعزل هذا ويولي هذا، ثم يعزل هذا فيولي هذا.. ففي سنة 669 هجرية 1270 ميلادية، دخل السلطان الظاهر بيبرس إلى دمشق، وعزل ابن خلكان وكان له في القضاء عشر سنين، وولى مكانه ابن الصائغ وخلع عليه. وسار ابن خلكان إلى مصر.
وفي سنة 677 هجرية 1278 ميلادية، عزل ابن الصائغ من منصبه، وعاد ابن خلكان إلى قضاء قضاة دمشق بعد عزل استمر سبع سنوات. فقدم من مصر ودخل دمشق دخولاً لم يدخله غيره من الحكام، وكان يوماً مشهوداً، خرج الناس فيه للقائه، بتقدمهم نائب السلطنة عزالدين أيدمر وجميع الأمراء والمواكب.

«وفيات الأعيان..»

وكان ابن خلكان بارعاً متفنناً في الأحكام القضائية، عارفاً بالمذهب الشافعي، حسن الفتاوى، بصيراً بالعربية، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع، حلو المذاكرة. له مجاميع أدبية، وصنف كتاب «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» الذي اشتهر كثيراً. ويبدأ ابن خلكان كتابه هذا بالبسملة وحمد الله والصلاة على النبي محمد وآله وأزواجه. ثم يقول عن سبب تصنيف هذا الكتاب أنه كان مولعاً بالاطلاع على أخبار المتقدمين من أولي النباهة وتواريخ وفياتهم وموالدهم، ومن أجل تحقيق هذا الأمر يقول ابن خلكان: «فعمدت إلى مطالعة الكتب الموسومة بهذا الفن، وأخذت من أفواه الأئمة المتقنين له ما أجده في كتاب، ولم أزل على ذلك حتى حصل عندي منه مسودات كثيرة في سنين عديدة». ونعت كتابه بقوله: «هذا مختصر في التاريخ»، ولم يذكر فيه أحداً من الصحابة ولا التابعين والخلفاء، إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثير من الناس إلى معرفة أحوالهم. وبرر عمله هذا بالمصنفات الكثيرة التي وضعت في هذا المجال. وقد وضع الكتاب في القاهرة.
ومما يذكر أن نجم الدين الشافعي، كتب عن ابن خلكان كتابه «وفيات الأعيان»، حيث كان له يد في الإنشاء وحسن العبارة، وذلك قبل أن يتقلد قضاء قضاة الشافعية بدمشق سنة 702 هجرية 1302 ميلادية، أي بعد وفاة ابن خلكان بنحو عشرين عاماً.

ستر المؤمنين

ومما يدل على حزمه والتثبت في قضائه وحرصه على ستر المؤمنين ما رواه صاحب «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»، أنه جاء رجل لابن خلكان فحدثه في أذنه أن رجلين في مكان يشربان الخمر فقام من مجلسه ودعا برجل وقال: اذهب إلى مكان كذا وأمر من فيه بإصلاح أمرهما وإزالة ما عندهما ثم عاد فجلس مكانه إلى أن علم أن نقيبه قد حضر، فدعا ذلك الرجل وقال: أنا أبعث معك النقيب، فإن كنت صادقاً ضربتهما الحد، وإن كنت كاذباً أشهرتك وقطعت لسانك، وجهز النقيب معه فلم يجدا غير صاحب البيت وليس عنده شيء من ذلك فأحضر الدرة وهدده فشفع النقيب فيه فقبل شفاعته، ثم أحضر له مصحفاً وحلفه ألا يعود إلى قذف عرض مسلم.

وما تذكره المصادر أن ابن خلكان كان كريماً جواداً ممدوحاً، فيه ستر وحلم وعفو، وقد درس بالأمينية إلى أن مات عشية نهار السبت 26 رجب 681 هجرية 1282 ميلادية، وشيعه الناس ودفن بسفح قاسيون. وبعد وفاته تقلد ابن الصائغ قضاء القضاة.