ينشر الإسلام بين أتباعه أدب الحوار، وثقافة حرية الفكر والتعبير، ويفرض على كل مسلم احترام آراء وأفكار المختلفين معه والمعارضين له، فالاختلاف بين البشر سنة إلهية وطبيعة بشرية.. يقول القرآن الكريم في شأن البشر وما بينهم من اختلافات: «ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك».
لكن هذا الاختلاف بين الناس في أجناسهم ولغاتهم وعقائدهم، لا ينبغي أن يكون منطلقاً أو مبرراً للنزاع والشقاق بين الأمم والشعوب، بل المطلوب أن يكون هذا الاختلاف والتنوع دافعاً إلى التعارف والتآلف بين الناس من أجل تحقيق طموحاتهم، ولكي تتحقق المنافع بينهم، ويعمل الجميع في إطار من التعاون حتى ولو كانوا مختلفين في العقيدة والآراء والأفكار والتوجهات.. يقول الحق سبحانه: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا». والتعارف هو الخطوة الأولى نحو التآلف والتعاون في جميع المجالات.
وحتى يمكن تحقيق التعارف الذي يؤدي إلى التعاون والاحترام المتبادل كان لا بد من إيجاد وسيلة للتفاهم وتبادل المشاعر والأفكار بين الناس، ومن هنا كانت اللغة التي يتخاطب بها الناس ويعبرون بها عن أغراضهم ومشاعرهم وأفكارهم، ويعد التفاهم عن طريق اللغة أسلوباً راقياً للحوار بين البشر وللتواصل الفكري فيما بينهم.
احترام متبادل
واختلاف الآراء والتوجهات والأفكار الذي يرحب به الإسلام ويضع له الضوابط والآداب والقواعد لا يعني الشجار والنزاع والصدام، بل يعني احترام كل طرف لوجهة نظر الآخر حتى لو كانت مخالفة لرأيه.. كما أن الحوار يعني التسامح واحترام حرية الآخرين. فالخلاف في الرأي وفي الفكر وفي الاعتقاد لا يجوز أن يفسد ما بين الناس من علاقات مودة وتعاون واحترام متبادل.
فالإسلام لا يقر مصادرة الرأي والفكر، ولا يعرف سياسة الإقصاء الفكري والثقافي، بل هو يؤكد ضرورة الاحترام المتبادل بين الجميع، فكما يعطي الإنسان الحق لنفسه في أن يكون له رأي وفكر ووجهة نظر مستقلة عليه أن يعطي الحق ذاته لمن يختلف معه في الفكر والرأي.
وانطلاقاً من ذلك لا يجوز لمسلم أن يضيق صدراً بآراء المخالفين لرأيه، في أمور العقيدة، وفي أمور الدنيا والفكر والسياسة، حيث لا يجوز لطرف من الأطراف أن يدعي لنفسه أنه وحده الذي يملك الحق المطلق، وأن غيره يقف في الطرف المقابل الذي يتساوى مع الباطل. وقد عبر الإمام الشافعي عن هذا المعنى في تسامح رائع قائلاً: «رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب».
والفكر الإسلامي المستنير يحمل قدراً كبيراً من التسامح لا نظير له، وهذا ما جعل الفقهاء يقولون: «إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد يحمل على الإيمان، لا يجوز حمله على الكفر».
ومن هنا فإن الحوار الفكري ليس مجرد فك اشتباك بين الآراء المختلفة، وإنما هو إثراء للفكر وترسيخ لقيمة التسامح بين الناس، وتمهيد الطريق للتعاون المثمر فيما يعود على جميع الأطراف بالخير.. والحوار بهذا المعنى ضرورة شرعية وقيمة حضارية ينبغي الحرص عليها والتمسك بها وإشاعتها على جميع المستويات.
والحوار العقلاني الهادئ أمر ضروري يجب أن نعلمه للأجيال الجديدة، حتى لا تحدث مشادات عنيفة تخرج بالمتحاورين عن نطاق الموضوعية، وحتى لا يتطور الأمر إلى شجار وتماسك بالأيدي بين الأطراف المختلفة في الرأي كما نرى في مناقشات بعض المثقفين وأصحاب الرأي، وكما نرى في مناقشات وحوارات بعض البرلمانيين العرب.
} عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر