ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، المثل والقدوة في تجسيد الشخصية المتوازنة للمسلم، فقد كان خير مثال في العبادة وأداء الالتزامات الدينية، وكان يقدر للبدن حاجته من الترفيه والترويح في كل الأوقات وخاصة في الأعياد . ولذا كان يحتفل بالعيدين: عيد الفطر الذي يعقب فريضة الصيام، وعيد الأضحى الذي يعقب فريضة الحج، وكان يحتفي بيوم الجمعة ويعدّه عيدا أسبوعيا للمسلمين يؤدون فيه عبادة الصلاة ويتزاورون ويتقرب بعضهم إلى بعض بصلة الرحم .

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدر أن فريضة الصوم فريضة شاقة على الإنسان بدنياً ونفسياً، ففيها حرمان للنفس والبدن من شهوات وملذات تعود عليها، وفي هذا الشهر الكريم عبادات أخرى ترتبط بفريضة الصوم مثل الصلاة والزكاة والاعتكاف، ولذلك ينبغي أن يعقب ذلك فترة نقاهة وترويح أخلاقي عن نفس الصائم، ولذلك كان العيد عقب انتهاء الفريضة مباشرة . وفي العيد كما علمنا رسولنا الكريم فرحة وبهجة وصلة رحم، إلى جانب ما فيه من صلاة جامعة يتلاقى فيها المسلمون كهولاً وشباباً وأطفالاً، رجالاً ونساء في ظل آداب أخلاقيات الإسلام ليتبادلوا فيها التهاني وترتسم على وجوههم الفرحة وتغمر نفوسهم السعادة، فقد عبدوا الله حق العبادة طوال شهر رمضان، ومن حقهم أن يفرحوا ويبتهجوا ويروحوا عن أنفسهم بكل ما هو مباح ومشروع، وفي شريعة الإسلام فإن المباحات في الأعياد أكثر من المحظورات، والمشروع يغني النفس عن المحظور .

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفي بالعيد مع أهل بيته، وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها، في حديث صحيح: جاء حبش يزفون في يوم العيد بالمسجد فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم، أي أن الرسول الكريم دعا زوجته السيدة عائشة لمشاهدة لعب الحبش بحرابهم في المسجد في شكل يقترب من شكل الرقص، وكانت السيدة عائشة حريصة على المشاهدة حتى قالت في رواية أخرى: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون . . . .

النبي يصلي العيد

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب لصلاة العيد من طريق ويرجع من طريق آخر، حتى يلتقي بأكبر عدد من المسلمين ذهاباً وإياباً فيتبادل معهم التهاني التي تدخل البهجة والسرور على النفس .

وحرصاً على دخول بهجة العيد على الصغار والكبار كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الجميع إلى حضور صلاة العيد حتى ولو لم يؤد البعض الصلاة لعذر شرعي، وهنا تحدثنا أم عطية في الحديث الصحيح، فتقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج في الفطر والأضحى، العوائق والحيض وذوات الخدور، أما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين .

والعوائق: جمع عائق وهي الفتاة التي لم تتزوج وذوات الخدور: هن السيدات المتزوجات .

ويصف لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه صلاة العيد مع الرسول الكريم فيقول كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة من غير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من واسطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير، فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن .

اللهو المباح

وفي الاحتفال بالعيد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قمة في التسامح والرحمة وتعليم أصحابه وأتباعه أن دين الله يسر لا عسر، وأن الإسلام لم يصادر حق النفس في الترفيه والترويح ومواجهة الملل بالوسائل والطرق والأدوات المشروعة، قالت عائشة رضي الله عنها: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر رضي الله عنى فانتهرني وقال: أمزمارة الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعهما ولما غفل غمزتهما فخرجتا .

الداعية والمفكر الراحل د .محمد سيد المسير شرح هذا الموقف فقال: نحن أمام موقف من مواقف بيت النبوة، لقد دخل الرسول بيته يوم العيد فوجد زوجه أم المؤمنين تستمع لغناء جاريتين تغنيان بإنشاد شعر قبل يوم بعاث، وهو اسم حصن للأوس وقعت الحرب عنده بينهم وبين الخزرج واستمرت المعركة مئة وعشرين سنة حتى جاء الإسلام فألف الله بينهم ببركة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات أنه كان مع الجاريتين دف أو دفان، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لم ينكره على عائشة، بل اضطجع وحول وجهه، لأن مقامه هو لا يسمح له بالإصغاء لذلك، وبعد فترة دخل الصديق فانتهر ابنته لتقريرها الغناء في حضرة الرسول الكريم، وظن أنه صلى الله عليه وسلم نائم فقال: أمزمارة الشيطان في بيت رسول الله؟

والمزمارة والمزمار مشتق من الزمير، وهو الصوت الذي له صفير، ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، وأضافها إلى الشيطان لأنها تلهي القلب عن ذكر الله تعالى .

هنا أقبل عليه الصلاة والسلام وقال لأبي بكر: دعهما أي الجارتين وفي رواية دعها أي عائشة، ثم بين له الحكمة من ذلك فقال: يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا، أي أنه يوم سرور شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا القدر من اللهو المباح .

درس للمتشددين

سلوك رسول صلى الله عليه وسلم مع أهل بيته وصحابته الكرام في الأعياد وفي غير الأعياد يحتاج إلى أن يعرفه كل المتزمتين الذين يحرمون على أنفسهم وعلى أزواجهم وأولادهم ومن هم تحت ولايتهم ما أباحه الله ورسوله من وسائل الترفيه عن النفس .

هؤلاء الذين يحرمون ما أحله الله ورسوله، ويضيّقون على أنفسهم وأهلهم، يجب أن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يسدوا أبواب الحلال كلها، ولا يحرّموا ما أحل الله بغير بينة .

يقول د .عبد المعطي بيومي العميد الأسبق لكلية أصول الدين بالأزهر: الاستقامة لا تعني أبداً حرمان النفس من وسائل الترفيه المباح، فالمسلم مطالب بأن يؤدي حق ربه، ويؤدي حق نفسه، ويؤدي حق أسرته، ويؤدي حق مجتمعه، وقبل كل ذلك لا ينسى أنه بشر له بدن وله حاجات ومطالب لا بد أن تتحقق حتى لا يفقد القدرة على العمل، فالمسلم يعمل وينتج ويكافح، فإذا ما أجهد أو مل من العمل، كان واجباً عليه أن يروح عن نفسه، وأن يخرج من حياة الجد إلى حياة اللهو المشروع حتى يستطيع أن يواصل العمل والكفاح .

ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي حنظلة حينما وصف نفسه بالنفاق، حيث يكون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه من الالتزام والخشوع والسمو الروحي، وبعد أن يرجع إلى بيته يداعب امرأته، ويلاعب أولاده، وينسى ما كان عليه، فيظن ذلك نفاقاً وعاد إلى النبي يشكو هذه الازدواجية، وهذا التناقض، فقال عليه الصلاة والسلام: يا حنظلة لو بقيتم على الحالة التي تكونون فيها عندي لصافحتكم الملائكة أي ساعة لربك وساعة لقلبك وبدنك .

وساعة القلب هذه كما يقول علماء النفس هي التي تعين على ساعة الرب، فإن النفس البشرية لا تصبر على الحق المر والجد الصارم باستمرار، ولهذا قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلب إذا أكره عمي، ومن أقواله أيضاً: إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ويمزح ولا يقول إلا حقاً وصدقاً، وكان يرى أصحابه يتمازحون ولا ينكر عليهم ذلك، وكان يعرف لكل قوم طريقتهم ويتيح لهم أن يمارسوا هواياتهم، فهو يسمح للحبشة بأن يلعبوا بحرابهم في مسجده يوم العيد، وهو يشجعهم ويتيح لزوجه عائشة أن تنظر إليهم وهم يلعبون حتى تنام، ولما هم عمر أن يرميهم بالحصى لأنهم يرقصون بحرابهم في المسجد النبوي، قال له الرسول: دعهم يا عمر وأنكر صلى الله عليه وسلم على عائشة أن تزف عروس إلى غريسها من غير لهو وغناء، ولاسيما أن الزوج من الأنصار وقال: هلا كان معهم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو .