سألنا عدداً علماء الشريعة عن مدى أحقية المرأة في اختيار شريك حياتها، وعن مدى تقدير الإسلام لمشاعر المرأة واختيارها لزوجها، وعن حكم الشرع في سلوك الأب الذي يجبر ابنته على الزواج من شاب لا تريده، وعن السلوك الشرعي في حالة نفور الزوجين وعدم قدرتهما أو أحدهما على استكمال رحلة الحياة معاً، وعن الموقف الشرعي من سلوك زوج يقبل أن تعيش معه زوجته بالإكراه دون مشاعر المودة والرحمة التي جعلها الخالق أساس بناء عش الزوجية .
تساؤلات عرضناها على عدد من العلماء . . وتأتي إجاباتهم الواضحة عليها من خلال السطور التالية:
في البداية تؤكد د . سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن العلاقة الزوجية لا يمكن أن تنشأ أو تستمر من دون رغبة حقيقية من طرفي هذه العلاقة، لذلك كان من أهم أركان الزواج (الإيجاب والقبول) بين الزوجين، وهو يعني أن يبدي الرجل الرغبة في الزواج من المرأة، وترحب المرأة بذلك بعد أن تأخذ حريتها كاملة في التفكير والاختيار .
وترى أستاذة علم الاجتماع أن أسباب فشل كثير من الزيجات ونهايتها نهاية مؤسفة من جانب الزوجة إكراهها على هذه العلاقة، وهي غير راغبة فيها، أو مستريحة لها، ما يؤدي إلى غياب المودة والرحمة بين الزوجين، ثم تكون الأسرة معرضة للانهيار بسبب إجبار الفتاة على الزواج من رجل تريده الأسرة من دون رغبة منها .
وهنا تظهر عظمة الإسلام الذي يحترم مشاعر المرأة ويقدر قرارها، وحتى بعد الزواج وفي حالة عدم الوفاق بين الطرفين تأتي توجيهاته واضحة وحاسمة عند حدوث نفور بين الزوجين لا يمكن علاجه، وذلك بالتفريق بين الزوجين وعدم التمادي في الخطأ الذي حدث بتكوين أسرة من دون أساس من الحب والتفاهم والود، فهذه هي الأسس لتكوين البيت والتي من خلالها يواجه الزوجان كل ما يعترض حياتهما بعد الزواج .
حماقة اجتماعية
وتعبر د . سامية خضر عن صدمتها من استمرار بعض الأسر في إهدار حق بناتها في اختيار شريك الحياة رغم تحذير الإسلام من ذلك ورغم فشل معظم حالات الزواج التي تمت بالإكراه، وتقول: سلوك هذه الأسر التي لا تزال تتعامل بمنطق جاهلي مع بناتها مرفوض ومدان لأنه يضر بمستقبل بناتها فلا أمان لزواج يقوم على الإكراه، واستمرار هذه الحماقة الاجتماعية والإنسانية يعني أننا نضاعف من معاناة بناتنا، كما نضاعف من مشكلات المجتمع الذي نعيش فيه بزيادة معدلات الطلاق، ومن المؤسف أن نرصد حالات طلاق كثيرة لزوجات شابات نتيجة إكراههن على الزواج من رجال لا يرغبن فيهم .
لذلك تطالب أستاذ علم الاجتماع بضرورة العودة إلى تعاليم الإسلام الذي قرر حق المرأة في اختيار شريك حياتها، فهذا من شأنه أن يوفر لها قدراً أكبر من الأمان النفسي والاجتماعي في بيت الزوجية .
كما تطالب د . خضر بوقف كل أساليب الإكراه والعنف والقهر النفسي التي تعانيها النساء في بلادنا العربية، حيث ترى أن مظاهر الإكراه في العلاقات الزوجية كثيرة ومتنوعة، فهي تبدأ بإجبار المرأة على الزواج من رجل لا تريده، وتتطور إلى إكراه هذه المرأة على معاشرة رجل عاشت معه ولم تعد قادرة على استمرار علاقتها به، وذلك نتيجة عدم احترام لمشاعر المرأة وعدم تقدير لإنسانيتها وضرب عرض الحائط بإرادتها .
وقاية من الأزمات
ويؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر، د . عبد الله النجار، أن شريعة الإسلام احترمت إرادة المرأة، سواء كانت بكراً أم ثيباً، وأعطتها حق اختيار زوجها من بين المتقدمين للزواج منها، ورفضت كل صور إكراهها على الزواج من رجل لا تريده، بل إن هذه الشريعة العادلة المنصفة للمرأة تحكم بفساد كل عقد زواج لم يقم على رغبة حقيقية وقبول حقيقي خال من الإكراه .
وهنا يؤكد د . النجار أن أحكام وتوجيهات الإسلام تمثل وقاية وحماية من المشكلات والأزمات التي تحدثت عنها د . سامية خضر والتي تأتي نتيجة تحكيم العادات والتقاليد التي تصادر حق المرأة في اختيار زوجها، ويقول: القرآن الكريم رسم طريق الاستقرار للعلاقة الزوجية، ولو تأملنا قول الحق سبحانه: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"، لوجدنا أن الله عز وجل رسم للحياة الزوجية طريقاً سوياً يحقق كل معاني الألفة والتعاون والتفاهم والحب بين الزوجين . حيث جعل الأساس الأول للعلاقة الزوجية هو السكن النفسي، وهو أول وسائل الاستقرار العاطفي بين الزوجين حتى يشعر كل طرف من طرفي العلاقة الزوجية بالطمأنينة والأمان النفسي .
ثم أرشدتنا الآية الكريمة إلى أمر آخر مهم للغاية في بناء أسرة متماسكة وهو المودة والرحمة وهما يعنيان الحب والتفاهم والمشاعر الإنسانية التي تربط بين القلوب وتؤلف بينها .
لذلك يطالب د .النجار بضرورة أن نبني بيوتنا على قيم وتعاليم وتوجيهات الإسلام حتى تختفي المشكلات والأزمات التي تعانيها كثير من الأسر العربية نتيجة الانسياق وراء عادات وتقاليد ومفاهيم خاطئة .
ويضيف: الإسلام يرفض ويدين أن تبنى البيوت على الكراهية والنفور، فنحن نتعامل مع نفوس بشرية تحب وتكره، ولا بد من احترام مشاعر الطرفين، لذا كان من توجيهات الإسلام منذ البداية استطلاع رأي المرأة وعدم تزويجها إلا برغبتها وأن تترك لها حرية الاختيار كاملة من دون تأثير من أحد .
الحوار المطلوب
وعن كيفية التصرف في حالة اصطدام عاطفة الفتاة مع عقل الأسرة ووعيها في مسألة الزواج يقول د .النجار: من الأمور المعتادة والمتوقعة في كثير من الأسر أن يحدث هذا وهنا يكون الحوار الهادئ فكل أسرة حريصة بالفعل على مستقبل ابنتها وتتمنى لها السعادة في حياتها الزوجية، لكن تصاعد الخلاف واستحكام العناد في مسألة الزواج، وإصرار كل طرف على موقفه أمر غير مطلوب وغير مفيد، وفي ظل غياب التربية الدينية الصحيحة للأبناء، وتعلق بعض الآباء بعادات وتقاليد ومفاهيم خاطئة لا علاقة لها بهدي الإسلام من قريب أو بعيد . تخرج الفتاة لتتزوج بمن تريد بعيداً عن عيون الأسرة وتحدياً لرغبتها وهنا تحدث المشكلات والأزمات التي نقرأ ونسمع عنها كل يوم نتيجة ذلك . واللوم هنا يوجه للجميع، وينبغي ألا يكون اللوم والعتاب من نصيب الآباء والأمهات والأشقاء الذين يتحفظون على شخص بعينه تقدم للزواج من ابنتهم، فهناك كثير من الفتيات لا يحسن الاختيار ويجرين وراء عواطفهن من دون إدراك للمخاطر التي تنجم عن الارتباط بإنسان مستهتر أو غير كفء للفتاة، أو غير مؤهل لتحمل مسؤولية أسرة .
لذلك نؤكد ضرورة استماع الفتيات لنصائح وتوجيهات الآباء، كما نؤكد ضرورة تخلي بعض الآباء عن المفاهيم الخاطئة التي توارثوها حيث يعتبر البعض أنه وحده صاحب قرار اختيار الزوج المناسب لابنته .
سلوك مدان
وتصف الداعية الأزهرية الشهيرة، د . عبلة الكحلاوي، سلوك كل أب يفرض على ابنته زوجاً لا تريده بالسلوك "المرفوض والمدان"، وترى أن في ذلك عدواناً صارخاً على أهم حق من حقوق الابنة عند زواجها، فضلاً عما في ذلك من مخالفة شرعية، وتقول: وفقاً لتعاليم الإسلام لا يحق لولي المرأة أباً كان أو أخاً أو عماً أو جداً أن يفعل ذلك بل لا بد من احترام إرادة المرأة عند اختيار شريك حياتها . ولا بد أن يعلم الجميع من آباء وأمهات وأزواج وزوجات أن الحياة الزوجية لا يمكن أن تبدأ وتستمر ويكتب لها النجاح بين شخصين متنافرين أو لا يريد أحدهما الآخر، خاصة أن شريعة الإسلام التي أرادها الله لتنظيم أمور حياتنا كلها أعطت للمرأة البالغة الرشيدة حق اختيار الزوج الذي تريده اختياراً حراً لا إكراه معه ولا إجبار، ومنعت وليَّها من إجبارها، وجعلت العقد عليها من دون استئذانها غير صحيح، وأباحت لها حق المطالبة بفسخ عقد الزواج إذا ما أجبرها ولي أمرها على الزواج من إنسان لا تريده .
وتنصح د . عبلة كل فتاة تتعرض لهذا الموقف أن تبذل كل جهودها حتى تتخلص من الزواج المفروض عليها من دون ارتكاب ما يغضب الله أو فعل ما يعاقب عليه القانون . أما الآباء الذين يصادرون حرية بناتهم فتقول لهم: تخلصوا من هذا السلوك الذي يغضب الله عز وجل وأدركوا أنكم بإصراركم عليه تضرون ببناتكم وتعرضون مستقبلهن الاجتماعي والنفسي للضياع، فسعادة الابنة لن تتحقق مع رجل لا تريده، والزواج الذي لا يبنى من البداية على الحب والرغبة الصادقة المتبادلة بين الزوجين لا يمكن أن يستمر ولا أن يكتب له النجاح .
احترام إرادة المرأة
وتختتم الداعية الأزهرية كلامها بمطالبة الرجال بضرورة احترام الحقوق التي كفلتها شريعة الإسلام للمرأة ومن بينها حق المشاركة في اختيار زوجها، وتقول: أنا أقول المشاركة وليس الانفراد بالقرار، حرصاً على مصالح بناتنا .
وتضيف: شريعتنا أباحت للمرأة البالغة الرشيدة أن تختار الزوج الذي تريده اختياراً حراً لا إكراه معه ولا إجبار، ومنعت وليها من إجبارها، وجعلت العقد عليها من دون استئذانها غير صحيح، وأباحت لها حق المطالبة بفسخ عقد الزواج في حالة ما إذا تم الزواج من دون رضاها، وقد وردت أحاديث نبوية شريفة تأمر باستئذان المرأة قبل الزواج، ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها" . وفي الحديث الصحيح الذي روته السيدة عائشة رضي الله عنها أن فتاة جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته (أي ليكرمه بي)، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بيدها . أي خيرها بين أن تقبل أو لا تقبل، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء، أن ليس للآباء من الأمر شيء .
ولذلك ننصح الآباء والأمهات بأن يحترموا مشاعر البنت وأن يقدموا لها النصائح والتوجيهات التي تساعدها على حسن الاختيار . لكن في النهاية القرار هو قرارها ولا بد أن تحترم الأسرة رأيها واختيارها .
لكن د .عبلة تؤكد أن الشريعة الإسلامية حثت على وجود كفاءة بين الزوجين لاستقرار الحياة الزوجية، لأن الزواج غير المتكافئ لا يكتب له النجاح في الأعم الأغلب، فكلما كانت منزلة الرجل مساوية لمنزلة المرأة وكان هناك تقارب بين الزوجين في المستوى العلمي والثقافي وتضاعفت فرص نجاح واستقرار الحياة الزوجية . ولذلك قال معظم الفقهاء باشتراط الكفاءة بين الزوجين وأعطوا لولي المرأة حق الاعتراض على الزواج وفسخ العقد لو تزوجت الفتاة بقرار شخصي منها ممن هو دونها .