أوجب الله سبحانه وتعالى الزكاة بشروط معينة وجعل لها مصارف محددة ولم يترك أمر الزكاة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون أمر الزكاة لمجتهد أو لأي إنسان، ولهذا قال جل شأنه في سورة التوبة:
إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم .
هذه الآية القرآنية الكريمة حددت لنا المصارف التي تصرف الزكاة فيها .
وبدأت الآية الكريمة بقوله إنما، وكلمة إنما تفيد الحصر، وهي من صيغ القصر كما قرر الفقهاء . وتعريف كلمة الصدقات المذكورة في الآية للجنس، والمعنى أن جنس هذه الصدقات مقصور على الأصناف الثمانية المذكورة في الآية ولا يجوز تجاوزها لأنها معينة لهم دون غيرهم .
وبالتأمل في بيان هذه المصارف الثمانية نجد أن هذا التقسيم للمصارف منطقي لا تتداخل أقسامه ويمكن لنا أن نقسم هذه المصارف من جهة المعاني إلى أقسام ثلاثة من حيث مقصدها:
القسم الأول: سد حاجة المحتاجين، وهذا القسم يشمل الفقراء والمساكين والغارمين وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل .
القسم الثاني: الإنفاق على الغزاة والجيش المجاهد بشكل عام .
القسم الثالث: الجامعون للزكاة والذين يتولون إدارتها وتوزيعها بالعدل . . وهذا المصرف نظامي إداري يتصل بالديوان وترتيبه .
فالمصارف الاجتماعية لسد الحاجات والجهاد في سبيل الله عز وجل، ويقرب منه قسم المؤلفة قلوبهم لأنه دعوة إلى الإسلام وتمكين له في قلوب الآخرين، فالمقصد فيها واحد وهو إعلاء كلمة التوحيد، ولكن هل يجوز إنفاق الزكاة على بعض المصارف أم لا بد من استيعاب جميع المصارف المذكورة في الآية الكريمة والتي هي محددة من قبل الله عز وجل؟
الحنفية والمالكية والحنابلة
اختلف الفقهاء حول هذه المسألة، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى القول بجواز صرف الزكاة إلى مصرف واحد من هذه المصارف الثمانية، ولكن يندب إيثار المضطر على غيره وتقديم الأحوج على غيره في العطاء .
وقد استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بما يأتي:
استدلوا بقوله تعالى: إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتعطوها الفقراء فهو خير لكم .
وهذه الآية الكريمة تبين لنا أن الله عز وجل ذكر الفقراء في موطن إعطاء الصدقة ولم يذكر غيرهم، ولفظ الصدقة كما يشمل المندوبة يشمل المفروضة أيضا، واستدل القائلون بهذا القول أيضا بما ثبت عن سيدنا معاذ رضي الله عنه وأرضاه حينما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وقال له: إن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فقد خص الفقراء بالذكر دون غيرهم وهم مصرف واحد، ولو كان الواجب هو استيعاب المصارف كلها لذكر له بقية الأصناف الثمانية، واستدلوا أيضا بما روي من أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الزكاة لمصرف واحد أيضا غير الفقراء وهم المؤلفة قلوبهم، ومنهم: الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وزيد الخيل حيث قسم فيهم الذهبية التي جاءته من اليمن ثم أتاه مال آخر جعله في صنف آخر لقبيصة بن المخارق فقد تحمل حمالة أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، وهذا يدل على أنه يجوز صرف الزكاة لمصرف واحد من الأصناف الثمانية التي حددها الله عز وجل في آية مصارف الزكاة، وهذا ثابت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم واستدل هؤلاء الفقهاء أيضا بما ثبت من فعل الصحابة الكرام، حيث كانوا يعطون الزكاة لصنف واحد اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقد ثبت أن عليا رضي الله عنه لما جاءه مال من الصدقة بعث بهذا المال إلى بيت واحد، وقال: هؤلاء أهلها وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا جمع الصدقة من الحاشية أخذ منها ما ينتج اللبن فيعطيها لأهل بيت واحد، وكان يعطي العشرة للبيت الواحد ويقول: عطية تكفي خير من عطية لا تكفي .
مذهب الشافعية
وذهب فقهاء الشافعية إلى وجوب استيعاب المصارف الثمانية، فإن لم يمكن تعميمها فإن الزكاة لا تعطى لأقل من ثلاثة من كل صنف .
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بعموم قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم''، وهذه الآية الكريمة تبين لنا أن الله سبحانه وتعالى ذكر مصارف الزكاة وبيّن أقسامها وعطف بينها وبين بعضها بحرف الواو، وهذا يعني أن الأصناف الثمانية شريكة في الزكاة ويجب دفع الزكاة إلى مستحقيها وهم الذين ذكرهم الله في الآية الكريمة إلا إذا تعذر الجمع بينهم أو العثور عليهم فيكتفى بصرفها إلى ثلاثة من كل صنف لأن الثلاثة أقل الجمع .
وقال الإمام الشافعي: إن لفظ إنما في الآية الكريمة لبيان المصرف والاستيعاب معا، فلا يجوز أن يدفع لصنف واحد ولا لبعض آحاد الأصناف .
واستدل الشافعية أيضا على وجوب استواء الثمانية في الزكاة بأن يدفع إلى كل صنف ثمنها لأنهم ملكوا قدر الزكاة بمجرد حولان الحول، وساروا شركاء للمالك لإتيانه تعالى بلام التمليك .
وبهذا يتبين لنا أنهم جميعا شركاء لا نفاضل بينهم إلا بالحاجة . فقد نرى مصرفا أحوج من مصرف ففي مثل هذه الحالة نعطيه بقدر حاجته .
فقد نجد إنساناً فقيراً في حاجة إلى طعام ومسكينا في حاجة إلى إجراء عملية جراحية، فهل نعطي من يحتاج إلى الطعام فقط مثلما نعطي لمن يحتاج إلى إجراء عملية جراحية تتطلب أجرة الطبيب وثمن الدواء والمستشفى مثلا؟
ولهذا أقول لمن أكرمه الله ووسع عليه: لك أن تعطي الزكاة لمصرف واحد من المصارف الثمانية التي حددتها الآية القرآنية الكريمة، وذلك بأن تجعل الزكاة كلها لمصرف واحد وعليك أن تستفتي قلبك ولا حرج عليك ما دمت تفعل ما ترى فيه مصلحة، وقد قال حبر الأمة وترجمان القرآن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في أيهما وضعت أجزأ عنك .
أي في أي مصرف من المصارف الثمانية وضعت زكاتك أجزأ عنك ذلك ووقع الفعل صحيحا خاصة إذا استفتيت قلبك .
ونسأل الله عز وجل أن يتقبل منا جميعا .
* أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر