د. رشاد سالم *

ورد في قصة ذي القرنين في سورة الكهف أنه لما سار رحلته الثالثة نحو الشمال ووصل بين السدين، وشكا إليه القوم - هناك - غارات يأجوج ومأجوج - بنى لهم سدًّا منيعًا؛ وبذلك حماهم الله من يأجوج ومأجوج.

«حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا»، [الكهف: 93-97].

لقد «صهر» ذو القرنين الحديد، ثم صب فوقه النحاس المذاب، فتخلل النحاس الحديد، وبنى من ذلك السد؛ فجاء سدًّا قويًّا منيعًا متينًا، ليس فيه نتوءات يتمكن يأجوج ومأجوج من استخدامها في التسلق، وليس بناؤه ضعيفًا يقدر يأجوج ومأجوج على نقضه.

وعبّر القرآن الكريم عن عجزهم عن تسلق الجدار والظهور فوقه بقوله: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ)، بحذف التاء من الفعل.

بينما عبر عن عجزهم عن نقضه بقوله: (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا)، بإثبات التاء في الفعل! فلماذا حذفت التاء في المرة الأولى، وأثبتت في المرة الثانية؟

إن حذف حرف من كلمة قرآنية، أو إثباته، أو تغيير حركته أمر مقصود، لحكمة باهرة، ويتفق هذا مع السياق الذي ورد فيه، والجو الذي يشيعه، والمعنى الذي يقرره، وهذه ملاحظة مطردة في أسلوب القرآن الكريم.

وهنا حذف «التاء» من فعل «اسطاعوا» يتفق مع المعنى الذي تقرره الجملة (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ)، أي ما اسطاع أفراد يأجوج ومأجوج تسلق جدار السد العالي الأملس الذي بني من الحديد والنحاس، وكيف يتسلقونه وهو خال من النتوءات والمقابض التي يمسكون بها؟!

إن تسلق جدار السد يحتاج إلى خفة ورشاقة ومهارة، وكلما كان الشخص أكثر رشاقة ومهارة وخفة كان أقدر على التسلق، بينما تقل قدرته على التسلق، وتضعف وتتلاشى إذا كان ثقيل الوزن كثير الشحم.

فلأن التسلق يتطلب هذه الخفة، جاء الفعل «اسطاعوا» مشاركًا في هذه الخفة، متخففًا من أحد حروفه، كما يتخفف المتسلق من بعض أحماله!

فكان حذفها للخفة والتخفيف.

أما إثبات هذه التاء في الفعل «استطاعوا» فهو يتفق مع المعنى الذي تقرره. جملة: (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا).

إن نقب جدار السد يحتاج إلى جهد وكد، ويتحمل الإنسان في ذلك كثيرًا من المشقة والثقل النفسي والأدوات المادية التي ينقض بها الجدار، كما أنه يأخذ منه وقتًا طويلًا، يمر عليه ثقيلًا!

فلهذه الأثقال المادية الزمانية والمكانية والنفسية التي تقررها الجملة، جاء الفعل «استطاعوا» مشاركًا فيها بتثقيل إيقاعه وتركيبه عن طريق زيادة حروفه.

ولذلك جاءت «التاء» في الفعل «استطاعوا» للتثقيل.

يقول صاحب ملاك التأويل: «فجيء أولًا بالفعل مخففًا عند إرادة نفي قدرتهم على الظهور على السد والصعود فوقه، ثم جيء بأصل الفعل مستوفي الحروف عند نفي قدرتهم على نقبه وخرقه، ولا شك أن الظهور أيسر من النقب، والنقب أشد عليهم وأثقل، فجيء بالفعل مخففًا مع الأخف، وجيء به تامًّا مستوفى مع الأثقل، فتناسب، ولو قدر بالعكس لما تناسب، وأيضًا فإن الثاني في محل التأكيد لنفي قدرتهم على الاستيلاء على السد وتمكنهم منه، فناسب بذلك الإطالة».

ونخلص إلى «أنه لما كان صعود السد الذي هو سبيكة من قطع الحديد والنحاس أيسر من نقبه وأخف عملًا خفف الفعل للعمل الخفيف فحذفت التاء، فقال: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ).. وطول الفعل فجاء بأطول بناء له للعمل الثقيل الطويل، فقال: (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا)، فحذف التاء في الصعود وجاء بها في النقب.

* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة