لم تشهد البشرية في تاريخها حقبة مظلمة كتلك التي مرت بها إبان نزول القرآن الكريم.. جهل وأمية وانحطاط فكري، عبادة للنار والأوثان، تقديس للحيوان والشيطان، مجانبة للتعقل والحكمة، تخلف في شتى مجالات الحياة ولم يكن أحد ليعرف للعلم معنى واحدا من المعاني التي نعرفها اليوم.. فكان القرآن خير منقذ أخذ بيد البشرية الى عالم النور.. إذ فتح بعلميته أمامها أبوابا شتى من المعرفة والعلوم جعلت منه ضياء تستنير به الأجيال المتعاقبة على مر العصور والأزمان وعندما نتحدث عن (علمية) القرآن الكريم فإننا نتحدث عن إحدى الصفات العظيمة التي تميز وانفرد بها عن الكتب السماوية الأخرى..هذه الصفة جعلته موضع اهتمام المفكرين والعلماء من مختلف الأمم وفي شتى بقاع الأرض فإعجازاته العلمية اجتذبت لآلئها الأنظار وأصغت لبيانه الآذان..ولما سطعت براهين دقته العلمية عندئذ خشعت له القلوب قبل الأصوات فلا تسمع إلا شهادات الإيمان به تعلن من على محافل المؤتمرات العلمية العالمية.. إنها العظمة.. إنه لا شك التحدي.
تأمل الآية الكريمة وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ألا ترى معي قارئي الكريم أن تعليم آدم عليه السلام وهو لما يزل في الجنة إنما هو رسالة للبشرية أن تضع العلم في مقدمة أولوياتها لتتخذ منه منهجا لحياة كريمة؟ والحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان هي أن كل هذا التقدم العلمي الهائل الذي أحرزه الإنسان لم يكن سوى ثمرة من ثمار امتلاكه لناصية العلم، واستغلاله للقواعد والأسس العلمية التي تحكم الظواهر الكونية لخدمته ومصالحه، ولولا منة الله تبارك وتعالى عليه بهذا العلم لظل متخلفا كحاله عندما أنزل إلى هذه الأرض..ولذلك ترى القرآن نزل بأول آية تدعو الى التعلم اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم وليس هذا فحسب بل أضاف إليها عددا هائلا من الآيات والنصوص القرآنية التي تصف مخلوقات الله تبارك وتعالى وتحث على دراستها حتى تجاوز عددها الألف ومائتي آية.. بل لقد بلغ من اهتمام القرآن بالعلم أن يستغرب مرور الإنسان على ما يحدث في محيطه دون الوقوف عنده دراسة وتمحيصا وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وتصفح القرآن تجده مليئا بالنصوص العلمية البحتة مليئا بالاشارات الى ظواهر لم يفهم الانسان كنهها وأسرار دقتها العلمية إلا بعدما قطع في مضمار العلم والتقدم العلمي أشواطا طويلة، ولو تتبعت تلك الآيات القرآنية فستجدها متبوعة ب إن في ذلك لآية، أو لآيات لقوم يعقلون، لقوم يتفكرون، لقوم يبصرون وغيرها ولأن عظمة الآيات وعلميتها أكبر من أن نوفيها حقها بمثل هذا المقال فإننا سنحاول التعرف على بعض وجوهها مختارين نماذج من الآيات:دراسة الظواهر الكونية
الوجه الأول: استعراض الظواهر الكونية والحياتية: لقد تفرد القرآن الكريم باستخدام أساليب علمية تربوية تأخذ بيد الانسان الى حيث الحقيقة فهو يضع بين يدي المتلقي ظواهر تدعو للتأمل ليلفت نظره الى أهمية دراستها خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دآبة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين.
الوجه الثاني: الحث على الدراسة والتقصي: من علمية القرآن أن يحث على دراسة الظواهر الكونية والحياتية تأمل معي قارئي الكريم الآيات التالية ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولي الالباب ثم يصف أولي الألباب بأنهم الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار فهنا تأكيد على ضرورة زج العقل في مخلوقات الله تبارك وتعالى.. حركتها مكوناتها تقلباتها من حال لآخر.
وبعد أن يلفت القرآن الى خلق السموات والأرض يعود ليأمر بالدراسة والبحث عن الحقائق العلمية قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق وقل انظروا ماذا في السموات والأرض.
الوجه الثالث: استخدام أسلوب الحوار العلمي: فالقرآن يحاور بالمنطق طارحا حقائق علمية غير قابلة للتجاوز ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ثم يتوسع القرآن في طرح الأسئلة: أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون.. حقائق دامغة يضعها القرآن بين يدي المتلقي..نحن أمام خالق عليم يتكلم.
تنوع علمي
الوجه الرابع: تنوع العلوم التي أشار إليها القرآن: من علمية القرآن وعظمته أن خصص آيات تشير الى قواعد وقوانين علمية عديدة استحوذت على اهتمام الإنسان وأصبحت لها أهمية بالغة في حياته، لنتأمل الآيتين وَسَخرَ لَكُمُ الليْلَ وَالْنهَارَ وَالشمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنجُومُ مُسَخرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِن فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون علم كامل هو علم الفلك يقف خلف آية أو آيتين.
ثم تأتي آيات أخرى تحدثنا عن تسخير البحار وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وما يدخل ضمن ذلك من علوم الفيزياء وتشعباته بجانب الإشارة الى العلوم المتعلقة بالأحياء المائية.
لقد أذهل القرآن الكريم علماء العصر بما طرح من حقائق علمية حول نشأة الحياة وطبيعة الكائنات الحية.. آيات كثيرة تحدثك عن أسس علمية في عالم الأحياء وجعلنا من الماء كل شيء حي قدرة مطلقة أن ترى كائنات حية بما فيها الانسان تنمو وتتكاثر وهي في حقيقة أمرها مخاليط مائية تصور العلمية والعظمة.
أما النبات فقد كان حظه من اهتمام القرآن الكريم وافرا فكم من الآيات تحدثت عن النبات وحياته.. إنباته وإزهاره وإثماره وما يتعلق بها من حقائق حتى وجدنا مفاتيح العلوم الزراعية التي تدرس اليوم في الجامعات مذكورة في القرآن!! هذه هي علمية القرآن الكريم.. تصور العظمة.
وما ينبغي أن يقال هنا هو أن القرآن لم يغفل علما من العلوم دون أن يشير إليه فحتى علم الذرة الذي لم يتعلمه الانسان إلا مؤخرا له مساحة من اهتمام القرآن وَمَا يَعْزُبُ عَن ربكَ مِن مثْقَالِ ذَرةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مبِينٍ.
وكأن القرآن الكريم يهدف الى إيصال رسالة مهمة للبشرية مفادها أن هذا الكون قد أنشئ بشكل دقيق ووفق أسس علمية غاية في الدقة وأن المخلوقات جميعا وبلا استثناء تؤدي ما قدر لها أن تؤديه وفق اعلى درجات الانضباط المتقن ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت.. تصور علمية القرآن الكريم.
ولذا فعلمية القرآن لم تكن يوما مصادفة.. ولا نوعا من أنواع الترف العلمي كما قد يتبادر الى أذهان البعض، بل جاءت مفاتيح لعلوم كانت ولا تزال تحتل مكانة متميزة في حياة الانسان وتقدمه.. فهل وجد العالم كتابا مثل قرآننا بهذه العلمية؟
والله ينبغي لنا أن نفتخر بهذا القرآن العظيم ونقدمه للأمم الأخرى كتابا يتكلم بلغة العصر وينطق بالحقائق العلمية قبل أن تتضح ملامحها.
إشارات مباشرة
الوجه الخامس: الإشارة المباشرة الى الحقائق العلمية: من الرائع أن تجد في القرآن الكريم إشارات مباشرة الى العلوم وما تتضمنه من حقائق علمية ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانه وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء ودعنا عزيزي القارئ الكريم نقف قليلا عند ختام هذه الآية المباركة فهناك لفتة رائعة إذ أكدت أن اختلاف هذه المخلوقات في صفاتها إنما هو من آيات الله تبارك وتعالى.. وعندما بدأ الإنسان بدراسة أسباب تلك الاختلافات وتحليلها وجد نفسه أمام كم هائل من الحقائق والقواعد العلمية التي تشكل اليوم علما كاملا هو علم الوراثة، ولهذا العلم علاقة مباشرة بالكثير من العلوم الأخرى كالفيزياء والكيمياء والكيمياء الحيوية فهو معها يشكل مجموعة من العلوم وترى الآية ختمت ب إنما يخشى الله من عباده العلماء.
الوجه السادس: الدقة العلمية المتناهية: لقد استطاع القرآن ومن خلال توظيف الأدوات اللغوية والكلمات والحروف إضافة أبعاد علمية للنصوص والآيات ما يبهر بدقتها العلمية العقول فلا يذكر القرآن حقيقة إلا واكتشف الإنسان أنه يبرهن من حيث يدري أو لا يدري على دقة إشارته التي سبق الانسان بها بعدد من القرون.. تأمل معي الآية الكريمة ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين، ثم خلقناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ويكفينا فخرا واعتزازا بهذا القرآن أن يعلن العلماء المتخصصون بعلم الأجنة اليوم دقة القرآن الكريم في توصيفه لمراحل تطور الجنين ابتداء من انقسام البيضة المخصبة وحتى اكتمال نموه.
آفاق رحبة
الوجه السابع: العطاء غير المحدود للكلمة القرآنية: من كرم القرآن أنك لا تكاد تتأمل نصا أو حتى كلمة حتى تأخذ بيدك الى آفاق رحبة من الحقائق العلمية ومساحة واسعة من علم وربما علوم بأكملها.. فالكلمة والنص القرآني فيض من العطاء العلمي الذي يمتد ويتشعب ويتنوع ليواكب ثقافة المتلقي ويتناغم مع مستواه العلمي أيا كان وفي أي عصر عاش وهذا من عجائب القرآن ومعجزاته الخالدة مثال ذلك الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فالفعل (أخرج) يتضمن العديد من المعاني التي تقف وراءها علوم زراعية بكاملها.
الوجه الثامن: الوصف التفصيلي للظاهرة: من عظمة القرآن الكريم أن يأتي الى الظاهرة فيصف أحداثها بشكل مفصل متسلسل ومتناهي الدقة مصداقا لقوله تعالى وكل شيء فصلناه تفصيلا ويكفينا في هذا المقام الآية الكريمة التي وصفت مراحل نمو النباتات وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا الى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون إنه يضعك أمام مراحل حياة النبات ابتداء من الإنبات وحتى الإثمار وتكوين البذور مرة أخرى ولكي نتأمل عظمة هذا القرآن وعلميته فهذه الآية المباركة لوحدها تتضمن 18 إعجازا علميا على الأقل.
الوجه التاسع: الأمثال القرآنية وما امتازت به من علمية: أما الأمثال فرغم بساطتها من الناحية اللغوية أو التعبيرية إلا أن القرآن يصوغها بأبعاد علمية دقيقة ويضمنها حقائق وإشارات علمية كما في الآية واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (الكهف 54) فقد تضمنت هذه الآية الكثير من الحقائق والإعجازات العلمية مصداقا لقوله تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون فتأمل علمية القرآن الكريم!! إنها صفة لكلام من سمى نفسه (العليم الحكيم) جل في علاه.
باحث علمي