طموحات كثيرة تدفع الفتاة الخليجية للسفر إلى الخارج، ومن أهمها الدراسة الجامعية، لتعود بعدها إلى وطنها تحمل شهادتها في يدها، وبعض الأفكار أو العادات الجديدة التي اكتسبتها فترة غربتها، منها ما هو مقبول وجيد ومنها ما هو منتقد، فما الذي يقبله أو يرفضه الشاب منها، وهل يقبل الارتباط بها؟ وهل تتغير نظرته لها لمجرد سفرها؟
تحدثنا مع عدد من الشباب لنرى كيف ينظرون إلى ابنة البلد المغتربة، وهل يحكمون عليها بسرعة ويعتبرونها لا تصلح كزوجة وأم؟
استنكر عبد الرحمن محمد سليمان، كاتب إداري بالديوان الأميري بالفجيرة، رفض الزواج من ابنة البلد المغتربة، مؤكداً أنه يقبل الزواج بها من دون تفكير وقال: لا أحكم على الفتاة لمجرد سفرها، فبحكم اختلاطي بالأجانب من خلال دراستي بالجامعات الأجنبية في بلدي، تعرفت إلى الكثيرين واكتشفت أنهم يمتلكون مبادئ جيدة، فغيرت نظرتي وأفكاري الخطأ التي كونتها في وقت سابق، فالنظرة لأي إنسان يجب أن تكون بناء على ثقافته وعلمه وتعامله مع الآخرين بغض النظر عن معتقداته وديانته .
وذكر أن من طبيعة الإنسان التأثر بالآخرين وقال: إن وجدت أن عادات الفتاة وأفكارها تأثرت بعض الشيء، أو تغيرت طريقة تفكيرها في بعض الأمور أو دخلت على حديثها كلمات إنجليزية، من دون أن يدخل ذلك في إطار الحرام، فلا إشكالية لدي، فديننا واضح وصريح، وأي تغيير في العادات إلى الأفضل يعتبر شيئاً جيداً .
وعما إذا كان يقبل أن تتغرب أخته بغرض الدراسة أجاب: أقبل في حالة واحدة فقط، وهي عدم توفر التخصص الذي ترغب بدراسته داخل الدولة، ووقتها سأقبل لأنها ستعود بعلم جديد وتنفع بلدها به .
تناول ماجد العطار، أعمال حرة، الموضوع من جهة أخرى، إذ ذكر أن هدف الغربة يجب أن يكون واضحاً، وقال: إن كان الدراسة فهذا شيء جيد ولكنني أفضل في هذا الجانب أن تكون الفتاة مبتعثة من قبل الدولة، لأن هذا يوفر لها سكناً خاصاً وتتم متابعة أمورها من قبل الدولة .
وذكر أن المجتمع العربي بحكم أنه محافظ، يرفض بعض أفراده فكرة الزواج من مغتربات وقال: تتعارض بعض المبادئ الدينية والاجتماعية في الدول العربية مع مبادئ المجتمع الغربي، ولكن تلعب شخصية الفتاة هنا دوراً أساسياً في التحكم في ذلك، والمحافظة على نفسها ضمن هذا الاختلاف بين الثقافتين، فإن كانت شخصية الفتاة ضعيفة ولم تكن على مستوى عال من النضوج فمن الممكن أن تتغير أفكارها وعاداتها وتتخلى عن أمور مهمة وأساسية نشأت عليها في مجتمعها، على عكس صاحبة الشخصية القوية، فهي تتمسك بدينها وقيمها رغم كل الصعوبات .
وعما إذا كان يقبل سفر أخته للدراسة في الخارج أجاب: يعتمد على التخصص، فإن كان موجوداً في دولتنا فلا داعي لسفرها للخارج، ولكن بالنهاية يجب ألا نظلم الفتاة، فكثير من فتياتنا طموحات ويرغبن في الحصول على أفضل الفرص التعليمية، وهؤلاء يجب دعمهن .
لا يؤيد عمر الجروان، طالب علاقات عامة في جامعة الشارقة، أن تتغرب الفتاة وقال: أغلب التخصصات اليوم موجودة في جامعات دولتنا، ولا أرى أي حاجة لسفر الفتاة إلى الخارج للدراسة .
وذكر أن نظرة الناس تتغير للفتاة التي تسافر وقال: رفض بعض الشباب للزواج من ابنة البلد المغتربة يعود لقناعتهم بأن قناعاتها وأفكارها وطبائعها ستتغير، لتكتسب طبائع المجتمع الذي سافرت إليه، ويخافون من تأثرها بذلك ما يؤثر بالتالي في تربية الأبناء تربية حسنة .
وعن مدى رفضه للزواج من مغتربة أجاب: هذا يعتمد على الفتاة نفسها، فإن وجدتها تخلت عن عاداتها وتقاليد بلدها ومجتمعها، فأعتقد أنها لن تكون الزوجة المثالية بالنسبة لي .
يرى أحمد الشحي، أعمال حرة، أن لكل شاب أفكاره وقناعاته الخاصة، وقال: بعض الشباب يرفض الأمر وبعضهم لا ما نع لديه، وهذا يعود لطريقة تفكير كل شاب ونشأته، ويعود بالشكل الأكبر للفتاة، فإن تأثرت كثيراً بالغربة وبعادات المجتمع الذي عاشت فيه لعدة سنوات فإن الشاب لن يشعر بالأمان لتكون شريكة حياته، ولكن إن كانت أقوى من أن تتأثر بتلك العادات والأفكار بشكل سلبي، فلا مشكلة أبداً في الارتباط بها .
وأكد أنه من الظلم أن نحكم على كل فتاة مغتربة، وقال: لا أرفض الزواج من ابنة بلدي المغتربة إن كانت تتمسك بعاداتها داخل بلدها وخارجه، فلا تغير في مظهرها أو عاداتها أو تخفي في مجتمعها ما تقوم به في المجتمع الآخر .
وعما إذا كان يقبل أن تتغرب أخته للدراسة في الخارج أجاب: نعم، بشرط أن يرافقها أحد من أفراد الأسرة، وهذا شيء كبرنا عليه في مجتمعنا الذي يصون الفتاة ويحميها ويرعاها، ويكون إلى جانبها دائماً .
ظروف عدة قد تدفع الفتاة للسفر إلى الخارج هكذا بدأ عاطف الرئيسي، مقدم برامج في إذاعة رأس الخيمة، حديثه في هذا الموضوع، إذ ذكر أن تغرب الشابة قد يكون لعدة أسباب، وأهمها الدراسة، وسفرها من دون محرم أمر يحرمه الشرع، ولكن هناك ظروف تَحُولُ دون سفر أي من المحارم معها لعدم التفرغ، وهذا الأمر يستوجب من ولي أمرها أن يمنحها الثقة ويتابعها ويتواصل معها باستمرار ويكون إلى جانبها كي لا تتأثر بتقاليد الغرب، ولتبقى متمسكة بعاداتها وتقاليدها إلى أن تنقضي مدة الدراسة . وقال: لا تقل مدة الدراسة عن أربع سنوات، وهذه مدة تكفي لتؤثر في العادات والتقاليد والثقافة وطريقة التفكير أيضاً، وهذا يعتمد على قوة تمسك الفتاة بعاداتها وكل تلك الأمور .
وعن رأيه في الزواج من ابنة بلده المغتربة أجاب: أنظر إلى هذا الموضوع بأبعاد عميقة وحيثياتٍ عدة من حيث تأثر الفتاة بعادات وثقافة الغرب، وأركز على طريقة تفكيرها، وأحاول أن أرى إن كانت تستطيع بها أن تكمل معي مسيرة الحياة ومسؤوليات الحياة الزوجية أم لا، ولا أرفض الزواج بها ولست ضده، بل أمنحها الفرصة وأخضعها لعدة اختبارات مختلفة أقيس من خلالها مدى التغير الذي طرأ على طريقة تفكيرها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها، وهذه الاختبارات تكون بطريقة غير مباشرة أو ملحوظة، فإما أن أقوم بها إن كانت الفتاة إحدى قريباتي، أو عن طريق والدتي أو أخواتي إن لم تكن قريبة لي، وبهذه الاختبارات ونتائجها أكون على دراية تامة بمدى التغيرات التي طرأت خلال فترة غربتها، وأيضاً أستطيع أن أحدد هل من الممكن أن أتعايش معها بعد التغيرات التي حصلت، وهذا ما يحدد زواجي منها أو لا .
وعما إذا كان يسمح لأخته بأن تتغرب للدراسة مثلاً أجاب: لا مانع لدي من سفرها، ولكن شرط أن تكون بإشراف حكومي عليها، أي الجهة المانحة للبعثة أو بمرافقة محرم لها، وأما إذا كان السفر نابعاً من رغبة شخصية فهنا تلعب شخصيتها دوراً كبيراً في الموافقة على هذا الأمر أم لا، فإن كانت قوية الشخصية ومتمسكة بعاداتها وتقاليد مجتمعها بقوة فلا مانع من سفرها أما إن كانت ضعيفة الشخصية ومن الممكن أن تتأثر بسهولة بما حولها فهذا يجعلني أرفض الأمر فوراً .
يرى عادل البلوشي، موظف في شركة استشارات هندسية، أن سبب عزوف الشباب عن الزواج من المغتربات يعود بشكل أساسي لفكرة خطأ تكونت لديهم وتتعلق بالاختلاط الموجود في الخارج . وقال: قد يكون الاختلاط أهم هذه الأسباب، وهو موجود في الجامعات الغربية وفي المجتمع الغربي، ولهذا الاختلاط نتائج سلبية، ولكننا لا نستطيع تعميم الأمر، فهناك فتيات يستطعن أن يحافظن على أنفسهن وألا يتأثرن بأفكار الآخرين وعاداتهم بسبب نشأتهن وتربيتهن الصحيحة .
وبالنسبة لي، لست ضد الزواج من ابنة بلدي المغتربة ولكنني لا بد أن أنظر إلى مدى تمسكها بتعاليم الدين الإسلامي والعادات والتقاليد التي تكون أيضاً منبثقة من ديننا الحنيف، والتزامها بالحجاب الشرعي وغيرها من الأمور المتعلقة بالمرأة المسلمة .
وأكد البلوشي أنه يرفض سفر أخته أو إقامتها في بلاد أخرى إلا إذا كانت برفقة أحد محارمها، وذلك لحمايتها من عدة مخاطر قد تلحق بها .
رفض البعض للزواج من المغتربة يعود لما يسمعه من أصدقائه، هذا ما أكده محمد راشد السعدي، موظف في شرطة دبي، الذي ذكر أن الشباب يؤثرون في بعضهم البعض، وقال: يرفض بعض الشباب الزواج ممن اغتربت لما يسمعه من أصدقائه بأن المغتربة تتأثر بسهولة بأفكار الغرب أو عادات وتقاليد البلد الذي سافرت إليه، ولكن هذا الكلام برأيي لا يجوز تعميمه، فهناك فتيات يحافظن على عاداتهن وتقاليدهن وتعاليم دينهن للنشأة الصحيحة التي نشأن عليها .
ورفض السعدي أن تسافر أخته للدراسة في الخارج قائلا: كل شيء متوفر في بلدنا، فالجامعات على أحسن مستوى، والعلاج في أفضل حالاته هنا، كما أن ديننا الحنيف لا يسمح للفتاة بالسفر وحدها من دون محرم، وبهذا يحفظها من الأضرار التي قد تتعرض لها .
حمد الجابري، مستشار تطوير مؤسسي وتنمية بشرية، أكد أن القضية هي قضية قيم أولاً وأخيراً وقال: حين نتكلم عن الزواج نتكلم عن تأسيس أسرة متماسكة ومتمسكة بأخلاقها وتعاليم دينها، وليس كل من اغترب تخلى عن قيمه ومبادئه، فهذا شيء شخصي وذاتي، ويعتمد على نشأة الشخص وتربيته .
وذكر الجابري أن الغربة لا تعتبر المقياس الذي يجب أن يحكم الشاب بناء عليه على الفتاة، وقال: عشت فترة في بلاد الغربة، ورأيت بعيني أسراً متمسكة بدينها وقيمها إلى حد التشدد، وهذا ما يدل على أن النشأة هي الأساس سواء كانت في البلد الأم أو بلاد الغربة .
وعن رفض بعض الشباب للزواج من قال: للأسف، تغير مفهوم الزواج عند كثير من الشباب والشابات، وانتفت الرحمة والحب والمودة، وتحولت إلى حرب وصراعات، ولكن لو عاد الشباب إلى الأمور التي جاءت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن اختيار الزوجة فاظفر بذات الدين فسيعيش حياة أسرية سعيدة .
وأكد أن الغربة لها ميزاتها وقال: على الشباب أن يوسع أفقه، فإن استثمر الشاب والشابة الغربة في تأسيس أسرة بعقلية منفتحة مع التمسك بالقيم الصحيحة فالنتيجة ستكون إيجابية .
عبرت حبيبة عيسى الحوسني، مدير عام بالإنابة لمؤسسة صندوق الزواج والمتحدث الرسمي له، عن رغبتها في أن يزداد وعي المجتمع بالجوانب الاجتماعية، وقالت: هذا يأتي عن طريق زيادة القراءة والاطلاع، كما نحتاج لشباب يمتلك أفقاً أوسع، وفي ما يخص غربة ابنة البلد بغرض الدراسة مثلاً، فعلى الشباب أن يكونوا أكثر وعياً بأهمية هذا الدور الذي تقوم به الفتاة، فكثير من فتياتنا يسافرن لدراسة تخصصات غير موجودة لدينا، أو لتطوير أنفسهن في مجالات معينة، ودولتنا بحاجة لهذه التخصصات وهذه الطموحات العالية، وعلينا تشجيع فتياتنا على ذلك إن توفرت عوامل الأمان والاستقرار لهن .
وعن تخوف الشباب من تغير عادات الفتاة وأفكارها في بلاد الغربة قالت الحوسني: الشباب بلا وعي منهم يلقون باللوم على الفتاة ليكون تغير العادات والتقاليد والأفكار الشماعة التي يلقون عليها تخوفهم من أمر آخر، وهو رفضهم للزواج ممن هي أكثر منهم ثقافة وعلماً، فالشاب العربي عادة لا يفضل الارتباط بمن تفوقه في المستوى التعليمي، والجميع يعرف أن فتيات كثيرات تغربن وعدن بشهادات تفوق وتميز وحافظن في الوقت نفسه على عاداتهن وتقاليدهن وأفكارهن وحجابهن، وهؤلاء نفخر بهن ونصفق لهن .
وطالبت الحوسني الشباب بألا يظلموا الفتاة المغتربة، وأن يمنحها المجتمع الفرصة لتثبت نفسها وقدراتها، كما اقترحت التواصل بين أسرتي الشاب والفتاة وتوطيد العلاقات بين الأسرتين ما يؤدي بالنهاية إلى قرار سليم .
تطرقت د . رشا عبدالله، أخصائية نفسية بجامعة الشارقة، إلى الحديث عن قلق الشباب من الارتباط بابنة البلد المغتربة من عدة جوانب فقالت: باتت الدراسة في الخارج وخاصة في الدول الأجنبية حلم يراود الشباب، وبالرغم من القلق الذي يساور الأسر العربية والخوف على ابنها من السفر إلى الخارج في مجتمعات لها عادات وتقاليد تختلف كلياً عن عادات المجتمعات العربية، إلا انه في الآونة الأخيرة أصبحت هذه الظاهرة غير مقتصرة على الشباب فقط بل على الفتيات أيضاً . وبالرغم مما قد تحققه هؤلاء الفتيات من نجاحات في دراستهن، وما يليها من نجاحات وإنجازات في مجال العمل، إلا أننا نجد نسبة كبيرة منهن يعانين كابوس العنوسة، نتيجة لخوف وقلق كثير من الشباب الارتباط بهن .
وأكدت أن هذا الخوف طبيعي جداً ويتناسب مع شخصية الرجل العربي وما نشأ عليه من تقاليد وعادات في ما يخص نظرته ورؤيته إلى المرأة الزوجة والأم والأخت، والتي يجب أن تتمسك بالعادات والتقاليد العربية في أسلوب ونمط حياتها بشكل عام، وقالت: بالرغم من التقدم الحضاري والانفتاح بجميع أشكاله على العالم الواسع في جميع مجالات الحياة، لا يزال كثير من الشباب بل أغلبهم لا يستطيعون التعامل بشكل طبيعي مع هذا التقدم والانفتاح عند اختيار شريكة الحياة والزوجة، بل يقعون في مأزق كبير وحالة من القلق والتردد في الاختيار بين الفتاة المنفتحة والمتعلمة وعلى قدر عال من الثقافة، ومن بينهن الفتيات اللاتي درسن بالخارج، وبين الفتيات اللواتي يمتلكن قدراً متوسطاً أو عالياً من الدراسة ولكن داخل البلد .
وذكرت أن الفتاة التي درست بالخارج تعتبر كائناً مجهولاً بالنسبة للشاب العربي، فهو لا يعلم شيئاً عن حياتها، وأسلوب معيشتها وأصدقائها، ومدى تأثرها بالبيئة الغربية، ومحافظتها في ظل ذلك على تقاليدها الاجتماعية، وقالت: حين يأتي موضوع الارتباط تدور في ذهن الشاب أسئلة كثيرة تجعله يقع فريسة للشك والتردد، ولا يستطيع أن يصل إلى إجابة تجعله يشعر بالرضا والقناعة وتمكنه من القدرة على اتخاذه قراراً يتناسب مع قناعاته ورؤيته، وفي النهاية غالباً ما يفضل الانسحاب والارتباط بفتاة أخرى . وأضافت: بالرغم من أن هذا القلق والخوف شيء طبيعي ويتناسب مع طبيعة الرجل العربي، إلا أن فيه ظلماً كبيراً لأغلبية هؤلاء الفتيات، لأن في حقيقة الأمر يحدث لكثير منهم ما يطلق عليه رد الفعل العكسي، فمع الانفتاح الشديد والعيش في مجتمعات وبيئات تختلف كلياً عن البيئة التي تربى فيها الفرد، يزداد تمسك الفرد بعاداته وتقاليده ودينه بشكل قد يكون أقوى، ما يعني أن الفتيات اللاتي درسن بالخارج تنمو لديهن نزعة قوية للتمسك بقيم وتقاليد المجتمع بشكل قد يكون أوضح واكبر من اللاتي يعشن داخل البلاد .