يحتاج الإنسان المعاصر إلى التحلي بمهارات عدة حتى يحقق النجاح، سواء في عمله أو من خلال التعاطي مع عالمه المحيط به، فقد تجبره متطلبات الوظيفة على إتقان التعامل مع الحاسوب، والدخول إلى الشبكة العنكبوتية، واكتساب مهارات خدمة المتعاملين . لكن الصورة على وجهها الآخر تحمل مهارات بديهية قد تعطل مسيرة الفرد، وتعكر صفو يومه ما لم يكن على علم بها، كمعرفته مبادئ الصيانة الأولية لأعطال السيارة، أو تغيير أسطوانة الغاز المنزلية، أو تركيب مصباح جديد .
وبينما ينظر البعض لتلك المهارات على أنها بسيطة، ويجب على كل إنسان إتقانها، إلا أنها تشل حركة الكثيرين عندما تصادفهم . ويحتاجون إلى من يعاونهم من أهل الاختصاص للتغلب عليها .
بينما هو متوجه إلى عمله، أبت سيارة محمد صادق، موظف بشركة أتريب للعطور بدبي، أن تتحرك ففتح مقدمتها لإصلاح العطل الذي اعتاد أن يصلحه منذ أكثر من عام على حد تعبيره .
وعن مهاراته في إصلاح السيارة يقول: منذ الطفولة وأنا أحب السيارات، وأرسمها على الجدران، وألصق صورها على كتبي، وقدت سيارة والدي في عمر العاشرة، حيث كان أبي يوكل لي تنظيفها وترتيبها من الداخل، فكنت أقودها خلسة لمسافة قصيرة، وعندما كبرت كنت أصغر شاب يحصل على رخصة قيادة في الحي الذي أسكن به .
وفيما يخص موهبته في إصلاح السيارات يضيف: الأعطال أكبر معلم للميكانيكا وتعود قائد السيارة على إصلاح العيب بنفسه لكن بالتأكيد هناك أشياء لا يمكن للهاوي أن يصلحها مثل أعطال المحرك، حيث تحتاج إلى مهني متمرس ويمتلك الأدوات، أما الأعطال البسيطة أو المتوسطة فيمكنني إصلاحها، وتبديل الأجزاء المستهلكة .
ويشير صادق إلى أهمية دور الأسرة في تنمية قدرات النشء، لأنه لولا معرفة والده بهذا الأمر وتقبله، لما استطاع أن ينقله بالسيارة وهو في الثالثة عشرة من العمر إلى المستشفى، بعد أن فقد الوعي .
واستطاع سهيل أحمد، صاحب شركة "هابي يمي" للمواد الغذائية، المدعومة من مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب أن يعلم نفسه التسويق بحضور الدورات، والتجول في الأسواق والمعارض ليطلع على ما بها من منتوجات وكيفية تسويقها . حتى تمكن من تأسيس شركته التي تنتشر فروعها في كل أنحاء الإمارات .
عن مهاراته الشخصية وكيفية امتلاكها يقول: منذ طفولتي وأنا لا أهدأ حتى أحقق أهدافي، وأفعل كل ما في وسعي لأكتسب الخبرة اللازمة لذلك، وعندما كبرت لم أتخيل نفسي موظفاً جالساً وراء مكتب أعد الساعات حتى ينتهي الدوام، فقررت أن أقيم مشروعي الخاص، لكني واجهت الكثير من الصعاب كان أولها دراسة الجدوى وتحديد المنتوجات، ومعرفة السوق واحتياجاته .
ويضيف: لم أذهب إلى إحدى الشركات لأكون نسخة مصغرة منها، لكني أردت أن يكون لي طابعي الخاص، ومنتجي الذي أشتهر به، وتجولت في الأسواق والمعارض وأبحث عن ذاتي، وأعزز فهمي وقدراتي بالقراءة على الإنترنت عن المنتوجات، وأحضر المنتديات الاقتصادية، والندوات، وأتعلم من المحاضرات والدورات، وأقابل المنتجين وأتعرف منهم إلى كيفية تذليلهم لما يواجههم من صعاب . حتى أسست شركة تمتلك 40 فرعاً في مختلف الإمارات، ومازلت أبحث وأطمح إلى المزيد .
ويشير أحمد إلى فكرة تعلم بعض المهارات، حتى يكتسب الخبرات التي تؤهله لتحقيق أهدافه، معللاً ذلك ان الفرد هو الوحيد المدرك لأوجه قصوره، وبالتالي من السهل عليه معالجتها . مؤكداً أن ذلك يحتاج إلى قوة عزيمة وإرادة تتماشى مع الهدف المرسوم والمراد تحقيقه .
وتعود آسر زيد، مهندس معماري بشركة الراس العقارية، على إصلاح ما يتلف من أثاث غرفته، بعد أن نجح في إصلاح كرسي مكتبه الذي يذاكر عليه دروسه وهو في الحادية عشرة من العمر، ليترك له كل من في المنزل مهمة إصلاح الأثاث، بوساطة الأدوات التي اشتراها له والده لهذا الغرض .
عن مهاراته الفردية وكيفية اكتسابها يقول: كطفل كثير الحركة تسببت في كسر الكرسي الخاص بمكتبي، ولم أتمكن من مراجعة دروسي ليومين متواصلين، فذهبت إلى المطبخ وأحضرت مطرقة وبعض المسامير، وأخذت أصلح ما تسبب فيه من خسارة، لتتوالى بعدها الأنشطة اليدوية، فتخلصت من الصوت الذي كان يحدثه سرير أخي بجواري، وأعدت ترتيب أدراج خزانة ملابسي .
ويضيف: بعد ان شجعني والدي بإحضار بعض الأدوات، تمكنت من إتقان بعض المهارات اليدوية الأخرى مثل تصليح اباجورة المكتب، وتبديل مصابيح الغرفة إلى أن كبرت ووصلت إلى المرحلة الثانوية وقررت دراسة الهندسة .
ويلفت إلى تأثير ما أكتسب من مهارات في سن مبكرة على قراره في دراسته للهندسة المعمارية، لشعوره بأنها الأقرب لشخصيته، والأمثل لتنمية قدراته التي نمتها فيه أسرته منذ الصغر، مشدداً على ضرورة تشجيع الأهل للصغار في تطوير ما يبدر منهم من اهتمامات، تتحول بعد ذلك إلى مهارات تحول مجرى حياتهم .
ويمتلك حسين الحوسني، طالب بكلية التقنية العليا بأبوظبي، العديد من المهارات التكنولوجية التي طورها من خلال الإنترنت، حيث تمكن من صقل موهبته في التصوير والإخراج، وحصل على العديد من الجوائز كان آخرها جائزة ماجد بن محمد الإعلامية للشباب، عن فيلم قصير عن المناطق التراثية في أبوظبي .
وعن مهاراته وكيفية اكتسابها يقول: يعتقد البعض أن الطريق لتعلم المهارات مفروشاً بالورود، وأن الموهوب في أحد المجالات يجد من يكسبه المهارة بسهولة . لكن الحقيقة غير ذلك، إذ يتطلب تنمية المهارات الفردية للشخص الكثير من الوقت والجهد حتى يصبح على دراية كافية بالمجال الذي يفضله .
ويضيف: حضرت الكثير من الدورات في مجال التصوير، وشاهدت المئات من الفيديوهات على الإنترنت، حتى تمكنت من إخراج أول فيلم قصير، بعدها تطور أدائي إلى أن أصبحت أعمالي قادرة على المنافسة في المسابقات .
ويروي سلمان الأنصاري، "موظف بقسم الدعم الفني بشركة اتصالات"، رحلته منذ عام 1994 مع مهارات الكمبيوتر، حيث كان في المرحلة الثانوية وكانت المرة الأولى التي يدرس فيها مادة الحاسب الآلي في مناهج الدولة، لكنه من الدرس الأول أصيب بخيبة أمل من طريقة التدريس، واعتمد على نفسه في اكتشاف الكمبيوتر من جميع النواحي .
ويقول: كان الحاسب الآلي في هذه الأيام بالنسبة لي بمثابة اختراع، والدخول على الإنترنت كالصعود إلى الفضاء، فقررت أن أدخل هذا العالم منذ البداية، وساعدني على ذلك أحد الأصدقاء الذين تقدموا إلى دورة في الحاسوب في نادي الإمارات العلمي، فقدم أوراقي وبدأت رحلتي في هذا العالم، أدرس وأطبق ما درست في أول مقهى إنترنت في دبي، وكانت الساعة تكلفني 20 درهماً، فكنت أنفق كامل مصروفي لأني لا أكتفي بساعة واحدة، بل كنت أجلس لتطبيق أحد الدروس 5 ساعات . ومرت الأيام وساعدتني مهاراتي في الحصول على وظيفة مناسبة، وأصبحت خبيراً في هذا المجال وقادراً على حل أي مشكلة إلكترونية .
"المهارات الإلكترونية طغت على المهارات الذاتية" بهذه الكلمات بدأ محمد الهاشمي مساعد مدير مدرسة البوادي بأبوظبي، حيث تعلم وهو صغير كيفية إصلاح ألعابه، بينما تعلم وهو وأصدقاءه صنع ألعابهم وإصلاحها بأنفسهم .
وعن المهارات التي يتحلى بها يقول: أصلح كل ما أستطيعه في المنزل، ولا أستعين بأحد الفنيين إلا في الحالات القصوى التي تحتاج إلى خبير . ويشير الهاشمي إلى قضية ربط المهارات الشخصية للنشء وتنميتها، بالمناهج المدرسية .

الأسرة بيت المهارات

يرجع سهيل البستكي، المهتم بتطوير الموارد البشرية، اكتساب الفرد للمهارات اللازمة للحياة، إلى عنصرين مهمين هما البيئة التي ينشأ فيها، والأسرة المحفزة على تنمية تلك المهارات، لأن البيئة من وجهة نظره قد تساعده على تكرار التجارب، ومن ثم التعلم من الأخطاء، كالطفل الذي تتلف لعبته ولا يجد من يأتي له بغيرها، فتجبره ظروفه على أن يبتكر ويبدع اختراعاً يشبع حاجته في اللعب أو التعليم، بينما البيئات السهلة لا أظن أنها تساعد النشء على الإبداع والتحلي بالمهارات، لأن كل الرغبات تلبى قبل أن يبرح مكانه .
ويضيف: للوالدين أهمية كبيرة في اكتشاف المهارات الصغيرة، وتدعيمها وصقلها، وربطها بالدراسة والحياة اليومية، حتى يفتحوا لأبنائهم الطريق أمام تطوير تلك المهارات، بالدراسة الجامعية، ومن ثم تكون محور حياتهم العملية .