القاهرة: «الخليج»

في الوقت الذي كانت فيه البلدان العربية واقعة تحت نير التخلف والاحتلال الغربي، كانت هناك رؤية راسخة لدى بعض النخب العربية مؤداها التوجه نحو الشرق، وقدم الزعيم المصري مصطفى كامل المثال على ذلك بكتابه «الشمس المشرقة» الذي يركز فيه على أهم عوامل النهضة اليابانية، وهي في رأيه الحرية التي يتمتع بها اليابانيون، وهذا الإيمان المطلق بدور التربية ، ومع ذلك فإن التقدم المذهل في التجربة اليابانية، الذي وقف أمامه الغرب مندهشاً، أعاقته الصراعات العسكرية قليلاً.
لماذا نجحت التجربة اليابانية؟ الإجابة تقول إن ذلك يعود إلى أن اليابانيين تحركهم إرادة عنيدة نحو التقدم، ويتملكهم حب كل ما هو جديد، ويتمتعون بقدرة على العمل في سبيل النجاح، بنظام مدهش، فالشعب الياباني هو العامل المهم وراء نجاح تلك التجربة، بحبه للقراءة والفنون، ومن الأمور التي يتصف بها أن أفراده مولعون بالقراءة، ولا يقتصر الأمر على الصحف فقط.
هناك من يرى أن الأدب الياباني حديث نسبياً، وتعود جذوره إلى القرن السابع الميلادي، وأقدم أثر في هذا الشأن هو «مقتطفات العشرة آلاف ورقة» التي جمعت عام 760 ميلادية، واشتملت على أربعة آلاف قصيدة نظمها شعراء من القرنين السابع والثامن، وابتداء من منتصف القرن العاشر قفز الأدب الياباني قفزة، بلغت منتهاها في مطلع القرن الحادي عشر مع «حكاية جنجي» التي تعد من أروع الآثار القصصية في الأدب العالمي، والتي وضعتها سيدة تدعى «موراساكي شيكيبو»، وصورت فيها حياة الأمير جنجي ومغامراته العاطفية، وفي القرن الرابع عشر ظهر «مسرح النو» الذي اعتمد اعتماداً كبيراً على الموسيقى والرقص، وفي القرن السابع عشر شهد الأدب الياباني نهضة جديدة، فوضعت روايات ومسرحيات كثيرة، استمدت موضوعاتها من وقائع الحياة اليومية.
ومع انتصاف القرن التاسع عشر بدأ تأثر الأدب الياباني بالأدب الغربي، وكان عام 1868 حاسماً في تاريخ اليابان، فقد استعاد إمبراطور الميجي العرش، وأدخل إصلاحات هائلة على كل مجالات الحياة، كما ازدهرت حركة الترجمة من جميع اللغات، ما كان له أثر قوي في تطور اليابان، وانعكس ذلك على الأدب، وتطورت دور النشر، حتى أصبحت الأعمال الأدبية سلعاً، يتم تداولها في الأسواق، ومن أبرز الأعمال التي صادفت نجاحاً واضحاً، عقب ثورة الميجي، رواية «حياة رجل عاشق» لإيهارا سايكاكو، كذلك ازدهرت الأشكال الشعرية التي يطلق عليها «الهايكو». مع تأثر اليابانيين بإصلاحات الميجي، وانتشار الترجمات الغربية في الثقافة اليابانية، تأثر الشعر أيضاً بالأشعار الغربية في المضمون والشكل، وظهر الشعر الحر، وتناول الشعر والقصص القصيرة والروايات موضوعات رومانسية، وظهر أدب الاعتراف، ومن أبرز الكتب التي راجت في تلك الفترة كتاب فوكوزاوا يوكوأتشي أحد أبرز رواد التعليم في تلك الفترة، الذي زار مصر، وكتب عنها وهو في طريقه إلى أوروبا في بعثة تعليمية، ووزع أول كتاب مطبوع في اليابان حوالي 220 ألف نسخة في الوقت الذي كان فيه عدد سكان اليابان نحو 35 مليوناً.

مذكرات الجنود

في كل الأحوال لم يتأثر الأدب الياباني طوال تاريخه كما أثرت فيه الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، عقب إلقاء أول قنبلتين نوويتين في تاريخ البشرية على هيروشيما وناجازاكي، فقد كانت جراح الحرب عميقة، والآثار التي تركتها أكثر ألماً في تاريخ اليابان، حيث تركت الحرب بصمات واضحة على الأدب الحديث الذي ظهر في الفترة من عام1947 إلى الآن، وتم تجريد اليابان من سلاحها، وإدخال إصلاحات على النظام السياسي، شملت سلطات الإمبراطور نفسه.
ظهرت عقب الحرب الكثير من المذكرات الشخصية، سواء تلك التي تحكي عن مشاهد الرعب في هيروشيما وناجازاكي، أو مذكرات جنود شاركوا في الحرب، وهناك على سبيل المثال «مذكرات أسير» الذي نشر عام 1948 بعد توقف الحرب بثلاث سنوات، وكتبه «أووكا شوهي» وحظي بشعبية واسعة، حيث تم أسره من قبل القوات الأمريكية في الفلبين، أثناء الحرب.
أيضاً هناك ما كتبه «نوما هيروشي» عن ذكرياته في معسكرات الجيش الياباني في الفلبين، التي احتلتها اليابان قبل الحرب العالمية الثانية، أو في الصين التي احتلت اليابان جزءاً منها، وأقامت دولة منشوريا في الفترة من عام1941 حتى 1944 ويعد كاواباتا وميشيما من بين أبرز الروائيين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

صراع

هناك أيضاً مشكلة الصراع بين الروح اليابانية القومية، والاحتلال الأمريكي للجزر العريقة- كما تقول لطفية الدليمي- فبعد هزيمة اليابان العسكرية في الحرب العالمية الثانية، ظهرت تيارات متناقضة بين أبناء الأمة اليابانية، خاصة بين مثقفيها وطبقاتها المتوسطة والمترفة، ونظر أدباء تلك المرحلة إلى الثقافة الغربية نظرتهم إلى شيء شبحي، لا يمكن بحال من الأحوال الإمساك بجوهره، أو جعله يتمازج مع جوهر الروح اليابانية، وآمنوا إلى حد ما بعجز هذا التكوين الشبحي عن التأثير في تراثهم الشعبي وفنونهم الكلاسيكية، التي تحمل جوهر الثقافة اليابانية.
بعد الحرب طغت بين أوساط المثقفين وجيل الشباب الجديد، الذي شهد في طفولته ويلات الحرب، موجة من التنكر العصابي لكل ما هو ياباني، نتيجة الاهتزاز، الذي تعرضت له الشخصية اليابانية، وشيوع حالة من الخواء الروحي والنزعة العدمية، بعد القيامة النووية الرهيبة، واختلطت المفاهيم والقيم في تلك الفترة اختلاطاً مفزعاً.
تفاوتت المواقف بين مثقفي اليابان تجاه الاحتلال الأجنبي، ما بين قبول استسلامي له، ورفض قاطع تؤججه الروح القومية، التي بدأت تلوح بعد الصحوة من الهزيمة، ووقف الفريق الرافض من المثقفين بكل عناده القومي - على حد تعبير الدليمي - مندداً بالاحتلال والثقافة الغربية، مستنهضاً الهمة، والتقاليد اليابانية الثقافية العريقة على كل صعد الحياة، ولم تخل أعمال هؤلاء المبدعين من المرارة الجارحة والحزن الكثيف، رغم روح الأمل التي تثيرها كتاباتهم.

ضجيج الجبل

في معرض المقارنة بين الأدب الياباني وغيره من آداب العالم، يقول الروائي يوسف ضمرة إن الأدب الياباني لا يتوقف عند تخوم الحكاية المروية، إنه يمتلئ بالإيحاءات الفكرية والثقافية والميثولوجية، وهو أدب ينشغل بالماضي المثقل ب«الطهارة» ويقف في مواجهة عالم جديد بعد الحرب الكونية الثانية، تسوده النزعات الإنسانية الشرسة في القتل والتدمير، واحتقار الإنسان وتهشيم القيم، ولذلك تبدو غرائبية السرد الياباني مختلفة عن سائر الغرائبيات في الآداب الأخرى، فقد أثقلت الحرب ذاكرة اليابانيين بكل ما يعنيه الانحطاط وتشويه النفس الإنسانية.
يشير ضمرة إلى أن رواية «ضجيج الجبل» لكاواباتا، تعطي مثالاً واضحاً لما يعيشه المجتمع الياباني بعد الحرب، إنه ضجيج مكتوم أو غامض، يشي بانفجار محتمل في أي لحظة مقبلة، لكن الفكرة الأكثر تعبيراً كانت في رواية «وحش السماء» عن الابن المسخ، الذي ولد بعد الحرب، وهو تشوه له أساس موضوعي يتمثل في قنبلتي هيروشيما وناجازاكي، وهو في الرواية يمتلك دلالات ثقافية وفكرية أبعد من موضوع التشوهات الموضوعية العادية، إنه تشوه أصاب جيلاً كاملاً بسبب اندفاع جيل سابق نحو الحرب، الجيل الذي يحمّله اليابانيون حتى اليوم أسباب آلامهم وانكساراتهم وتشوهاتهم، على الرغم من إدانتهم للقوى الأخرى.

علامات لافتة

يعد يوكيو ميشيما المولود سنة 1925 من أشهر كتاب القصة والرواية والمسرح في اليابان، بعد الحرب العالمية الثانية، وتم ترشيحه لجائزة نوبل في الآداب ثلاث مرات، وقد ولد بالقرب من طوكيو، وأصدر أول عمل روائي له عام1944 ثم درس القانون في جامعة طوكيو وتخرج فيها عام1947 والتحق بعدها بوقت قصير بوزارة المالية موظفاً، غير أنه سرعان ما استقال من الوظيفة، ليتفرغ للكتابة، وكانت سيرته «اعترافات قناع» نقطة تحول في مسيرته، تلاها ب «ثلج الربيع - سقوط الملاك - حديقة المعبد الذهبي» وشارك ممثلاً في عدة أفلام سينمائية. بالرغم من أنه لم يؤد الخدمة العسكرية، إلا أنه كان يدعم التيار الذي ينادي بإعادة عسكرة اليابان مرة أخرى، بعد نزع سلاحها عقب الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، والتحق بمجموعات يسارية، وأثار استياء التيار اليميني بسبب معتقداته السياسية، ثم انتحر عام 1970 على طريقة الساموراي، وكان في قمة مجده الأدبي، ولم يتجاوز عمره ال45 عاماً!
يرى اليابانيون أن توازن إيقاعهم مع ما يحيطهم شيء بالغ الأهمية، ويجدون فيه سعادتهم، هكذا يوضح المترجم كامل يوسف حسين الأمر، وهو يترجم رواية «الصمت» للكاتب شوساكو إندو، ففي هذه الرواية يكشف الكاتب أن البوذية تطرح مسألة قوة الإنسان الداخلية، التي ليس على الأرض مثيل لها، لكن بعض الناس لا يرضون عن سعادتهم، فيتصرفون كأنهم كثبان رملية، لا يمكنهم الاستقرار في مكان، ويبقون مشتتين طوال العمر.
يؤكد «إندو» أن الكثبان الرملية تنتهي بالتلاشي، وهذه الرواية التي تدور أحداثها في القرن ال 17 تمتلئ بالتساؤلات حول وصول المسيحية إلى اليابان، وبطل الرواية يقوم بمرافقة أحد المبشرين القادمين من البرتغال، وتؤكد الرواية أن شمس الأدب تشرق أيضاً من اليابان، حيث ولد إندو عام 1923 ونال درجة علمية في الأدب الفرنسي من جامعة كيبو، وحصل على منحة دراسية مكنته من الدراسة بفرنسا، عاد على إثرها إلى اليابان، وشق طريقه في غمار الساحة الأدبية اليابانية، وفاز بعدة جوائز، وترجمت رواياته إلى عدة لغات، منها «البحر والسم - الأحمق العجيب - البركان - الساموراي».
يعتبر «كوبو آبي» واحداً من الروائيين المهمين في اليابان، وقد دخل في صراع لوراثة عرش الرواية اليابانية، الذي خلا بانتحار يوكيو ميشيما، حيث ولد «آبي» في طوكيو سنة 1924 وكان أبوه ضمن هيئة التدريس في كلية الطب، التي تخرج فيها الابن أيضاً، ولم يمارس المهنة قط، وفي عام تخرجه أصدر كتابه الأول «لافتة في نهاية الطريق» ثم اختفى لمدة ثلاث سنوات، وعاد ليطل على قرائه بروايته القصيرة «جريمة السيد س كاروما» التي فازت بجائزة أكوتاجاوا وفي عام 1960 فازت روايته «امرأة الرمال» بجائزة أخرى، وتحولت إلى عمل درامي مهم، وتتابعت أعماله، فاستقطبت اهتمام القارئ، ودفعت باسمه إلى مقدمة أسماء الأدباء في اليابان، وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الحية، وفي مقدمتها: «الرجل العلبة - الخريطة الممزقة - وجه الآخر - مرحباً بعصر الجليد».
تتميز أعمال «آبي» - كما يقول كامل يوسف حسين - بغرابة، تصدم القارئ في كثير من الأحيان، خاصة القارئ الذي ألف مطالعة الأعمال التقليدية، ذلك أن أعماله رحلات في عوالم مغتربة، إنها سفرات يقوم بها إنسان مغترب، ويدرك اغترابه، ولا يكف عن محاولة تجاوز هذا الاغتراب، حتى عند حدود الموت، هكذا فإننا نجد أنفسنا مع أناس تحاصرهم وحدتهم، وتتواصل مسيرتهم عبر الأرض الشرسة بين الواقع والخيال.

الرياح تغني

«هاروكي موراكامي» من أهم كتاب مرحلة ما بعد الحداثة، تتميز أعماله بالسيريالية والعدمية، فغالباً ما تتحدث عن الوحدة والغربة، والخروج من الدوائر المغلقة، التي تصنعها ثقافات وطرق تفكير ذات بنية قاهرة للفرد، والعجيب أنه لم يحلم أبداً بأن يصبح كاتباً، بل دخل إلى مجال الكتابة الأدبية بمحض المصادفة، فأثناء مشاهدته لإحدى مباريات البيسبول، داهمه الإلهام لكتابة رواية، ومنذ ذلك الوقت لم يتوقف عنها، و«يعد أحد أعظم الكتاب الأحياء على وجه الأرض» كما وصفته الجارديان.
ولد هاروكي موراكامي في 12 يناير 1949 لوالدين يعملان في تدريس الأدب، وقد تأثر بالثقافة الغربية منذ سن مبكرة، وغالباً ما يظهر هذا التأثير في أعماله الأدبية، ما يجعله مختلفاً عن الكتاب الآخرين، وكان قد بدأ عمله في محل للتسجيلات، ثم افتتح مقهى في طوكيو في عام 1974.
أصدر موراكامي رواية «استمع للرياح تغني» ومع النجاح الذي حققته، قرر أن يتفرغ للكتابة، وباع المقهى الخاص به، وفي عام 1982 أصدر رواية «مطاردة الخراف الجامحة» ثم «الغابة النرويجية» وتدور أحداثها في طوكيو في أواخر الستينات، وهي الحقبة التي تظاهر فيها الطلاب ضد النظام، وحازت الرواية شهرة واسعة بين الشباب.