قد يكون من قدر المرأة ونصيبها أن تتزوج من رجل بخيل ممسك، لكن أغلب الزوجات اللاتي خضن تجربة الحياة في كنف زوج بخيل وجدن أنها أسوأ صفة يمكن أن تكتشفها الزوجة في زوجها، وقد كشفت دراسة اجتماعية حديثة أن معظم الخلافات الزوجية ونسبة 35% من حالات الطلاق ترجع بالأساس إلى بخل الزوج .
بينت الدراسة التي أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر أن الزوجة بشكل عام تكره الزوج البخيل وتتمنى الانفصال عنه وأغلب الزوجات يؤكدن أنهن يستطعن تحمل الفقر لكن لا يستحملن الحياة مع زوج بخيل، وإن كان خوف الزوجة على أولادها وحرصها على بيتها يحملانها في بعض الأحيان على الصبر .
وفي المقابل يكره الزوج أن يعيش مع زوجة مسرفة مبذرة لا تتحمل المسؤولية، فالزوج البخيل مرفوض تماماً والزوجة السفيهة مرفوضة أيضاً، وكم من زوجة انهار جدار الثقة بينها وبين زوجها بسبب إسرافها وتبذيرها .
طرحنا قضية بخل الزوج على عدد من علماء الإسلام وأساتذة علم الاجتماع والنفس لبيان الموقف الشرعي من الزوج البخيل وحدود تصرف الزوجة في مال زوجها البخيل من دون إذنه؟ وكيف يواجه الزوج إسراف زوجته؟ وهل يستطيع أحد طرفي العلاقة الزوجية تعديل سلوك الآخر بحيث يكون معتدلاً في إنفاقه حتى لا يفسد حياة الأسرة؟
أسس قوامة الرجل
في البداية يؤكد الدكتور إسماعيل الدفتار الأستاذ في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر أن النفقة من حقوق المرأة الواجبة على زوجها ويقول: الإسلام ألزم الرجل أن ينفق على امرأته من كسبه، فمن أسس قوامة الرجل على المرأة الإنفاق كما قال تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم وتكون النفقة على حساب حالة الرجل، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، لأن النفقة تختلف باختلاف الناس يسراً وعسراً، قال الله تعالى: لينفق ذو سعة من سعته . ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا .
في هذه الآية الكريمة دعوة للزوج لأن ينفق حسب حالته، كما أن فيها بشارة لمن كان في عسر ويجتهد في الإنفاق قدر استطاعته فسيجعل الله له بعد العسر يسراً، وسيفتح عليه أبواب الرزق، فيجب على الرجل أن ينفق على زوجته في طعامها وشرابها ومسكنها وكسوتها وعلاجها .
ويضيف: وقد حث الإسلام على إحسان الإنفاق وعدم شح النفس به، فقال صلى الله عليه وسلم: دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة أي تحرير رقيق ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك . والمقصود بالنفقة: النفقة المعتادة من الأكل والشراب والكسوة والمسكن، أما حالة الإسراف التي تريد أن تعيشها بعض النسوة من أموال الزوج، فالإسلام لا يقرها بأي حال من الأحوال، فالزوج هو الذي يتعب ويشقى من أجل الحصول على المال الذي يؤمن به مستقبل أولاده ومن حقه أن يدخل لذلك من دخله .
ويحذر الدكتور الدفتار النساء من اتهام أزواجهن بالبخل زورًا وبهتانًا ويقول: مادام الزوج ينفق النفقة الضرورية ويوفر لزوجته ما تحتاج إليه من متطلبات الحياة الضرورية فلا يجوز للزوجة أن تتهمه بالبخل . ولو رجعنا إلى أقوال الفقهاء في النفقة الواجبة للزوجة على زوجها لوجدناها محدودة ووجدنا بعضهم لا يلزمه نفقة علاجها فما بالنا بما تطلبه النساء اليوم من أموال باهظة تنفق على أدوات التجميل وملابس الموضة وغير ذلك من أمور أفسدت حياة المسلمين وصرفت كثيرا من النسوة عن واجباتهن الأساسية وهي تربية الأجيال الجديدة وتوفير كل سبل الاستقرار للزوج .
ويضيف: والزوجة الحكيمة تستطيع أن تغير سلوك زوجها وتحصل منه على ما تريد بطريقتها الخاصة بدلا من هدم الحياة الزوجية، حتى إذا كان البخل طابعا متأصلاً في الزوج، فالإسلام أباح للزوجة أن تأخذ من مال زوجها البخيل ما يكفيها وأولادها بالمعروف من دون علمه .
قصة هند بنت عتبة
الدكتور مبروك عطية الأستاذ في جامعة الأزهر يرى أنه قد يكون من نصيب المرأة وقدرها بخل زوج ممسك ويقول: البخل عادة مذمومة في الإسلام كالإسراف، ومنهج الإسلام الاعتدال في الإنفاق وقد رسم القرآن الكريم هذا المنهج في نحو قوله عز وجل: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما . أي أنهم لا يبخلون ولا يسرفون فأفضل الأمور أوسطها .
ويضيف: لقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام هند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها من دون علمه عندما جاءت تشتكيه وتقول: إن أبا سفيان رجل شحيح ولا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال عليه الصلاة والسلام: خذي وولدك ما يكفيك بالمعروف وقوله هذا يعني أن الله رقيب على الزوجة التي لا بد أن تكون أمينة في بيت زوجها وعليها ألا تضيع نفسها وولدها بالاستسلام لشح الزوج وبخله بل تأخذ بالمعروف ما يكفيها وولدها، وذلك العلاج النبوي يضمن للفرد السلامة والسعادة وكذلك للمجتمع .
ويحذر الدكتور عطية الزوجة من أن تأخذ حديث زوجة أبي سفيان حكما مطلقا، فإن الأموال في عصر النبوة كانت عبارة عن حبوب وتمور وما إليها مما يخرج من الأرض ولا يتمكن الرجل من معرفة ما نقص منه غالبا، بخلاف الأموال في هذا العصر فإنها تتمثل غالبا في النقود والرجل غالبا ما يكون على علم بما لديه من مال، فإذا أخذت المرأة شيئاً منه من غير علمه لا تأمن أن يفتضح أمرها فتعرض نفسها لما هي في غنى عنه، والمرأة فقيهة نفسها وهي أدرى بأمرها من غيرها فلتستفت قلبها فإن طاوعها وأمنت على نفسها من أن يكتشف الزوج أمرها جاز لها أن تأخذ ما يكفيها بالمعروف، وإن شعرت بالخوف والحرج وترددت كثيراً في الأخذ من ماله من غير إذنه فلا تفعل .
وينصح الدكتور عطية زوجة البخيل بأن تستعمل مع زوجها كل الحيل المشروعة من أجل أن يبسط يده إليها بالنفقة ولأولادها، وذلك بأن تسمعه بعض الأحاديث التي تدعو إلى ذلك أو توصي المقربين منه أن يحثوه على التوسعة عليها وعلى أولادها بطريق غير مباشر .
الوسطية مطلوبة
أما الدكتور أحمد طه ريان، أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، فيؤكد أن الوسطية بين الإسراف والتقتير واجب ويقول: الزوجة المسرفة التي ترخي لنفسها العنان فتبذر وتبعثر وتنفق على نفسها كما تشاء في ما ينفع وما لا ينفع وما يحتاج ما لا يحتاج بهدف إشباع طموحها وغرورها من دون النظر إلى مصلحة الأسرة تفسد حياة زوجها، مثل الزوج البخيل الذي يدمر حياة زوجته وأولاده وربما الإسراف أكثر خطورة .
ويقول: الزوجة المسلمة هي من تلتزم بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم النظر إلى من هو أعلى منها فقد قال: انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله لذلك يجب على الشاب أن يحسن اختيار زوجته والاعتدال في الإنفاق وتدبير شؤون البيت وعدم المبالغة في شراء الكماليات من أهم الصفات التي يجب على الزوج أن يراعيها عندما يتقدم لخطبة الفتاة خاصة أن هذه الأمور تكون واضحة في فترة الخطبة، فالفتاة التي عندها شغف شديد بمظهرها وزينتها وتنفق كل ما تحت يدها من مال على مساحيق المكياج وأدوات الزينة دون وعي لا تصلح كزوجة لأنها لن تكون على قدر المسؤولية وستبدي هذه الأمور على اهتمامها بزوجها وأولادها ولن تحسن تدبير شؤون البيت .
ويشير الدكتور ريان إلى أن الشريعة الإسلامية وضعت الأسس العامة لترشيد الإنفاق كما حددت النظام الأساسي لإنفاق الأسرة وميزانيتها بشكل محدد نذكر من ذلك وصف القرآن الكريم لعباد الرحمن بالمثل الأعلى في الانضباط والالتزام الذي وضح فيه منهجهم القويم في الإنفاق الذي دعا الفرد والجماعة إلى الالتزام به قال تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وفي موضع آخر يحرم القرآن الكريم الإسراف ويشدد على ذلك بقوله: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا وهكذا تتحدد الأسس العامة لميزانية الأسرة والصرف والنفقة ضمن إطارين من التقنين والتربية والتوجيه الأخلاقي وهما الإطار الاجتماعي والإطار الأسري، ويبرز دور المرأة في تدبير شؤون المنزل والاقتصاد المنزلي في حرصها على مالية الأسرة ومراعاتها الاعتدال في الصرف والكماليات ووسائل الزينة .
ناكرات للجميل
الدكتور أحمد عبدالله، أستاذ الطب النفسي في جامعة عين شمس يرى أن بعض النساء يدفعن أزواجهن إلى الشح والبخل وذلك بكفرانهن عطاياه واحتقارهن إنفاقه . وقولهن كلما أهدى إليهن أو إلى أولادهن شيئا: إن فلانة أهداها زوجها أفضل من هذا، وكذلك إنكارها أيام السرور وجحدها ما قدمت يداه فيقول الزوج في نفسه وقد يعلنها أمام الزوجة والأبناء: ما دمت لا تعترفين بفضلي فأنا أحق بمالي ولن أنفق عليكم إلا الفتات . لذلك ننصح الزوجة بالكلمة الطيبة وأن تشعر زوجها بعرفانها بتعبه وجهده ومحاولته إسعادها وإسعاد أبنائها وأن تدعو له متمنية أن يبارك الله في عمره وأن يوسع عليه ويكتب له التوفيق .
ويضيف: كما أن بعض الزوجات يبالغن في الطلاق ويلححن في السؤال وقد يكون ما تطلبه أمراً ليس ضروريا وبالنسبة لها من الكماليات التي هي في غنى عنها . وتبالغ في الطلب وتتفنن في السؤال فتشكو سوء الحظ وكأنها أقرب إلى الموت والضياع إن لم ينفذ لها طلبها فيصر الزوج على الرفض .
جيل فاسد
يؤكد الدكتور أسامة عبدالباري أستاذ علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة الزقازيق هو الآخر أن الزوجة المسرفة تكون قدوة سيئة لأولادها فتتسبب في فساد جيل بأكمله لأن الفتاة التي تجد أمها تفعل هذا السلوك الشاذ لن تكون زوجة مدبرة وحكيمة في سلوكها الإنفاقي .
ويحذر الدكتور عبدالباري الأزواج أيضا من البخل والتقتير على الزوجة والأبناء لأن هذا يولد شعورا بالقهر داخلهم ويبرر لهم فعل أي شيء للحصول على أي مال يحرمهم منه الزوج حتى ولو كانت الوسيلة المتبعة في ذلك وسيلة ملتوية . ويقول: لماذا تعاقب الزوجة فقط؟ إنني أعتقد أن وراء كل زوجة مسرفة قصة من الحرمان .