لعل المقريزي في خططه، هو أشهر من تحدث عن أسواق القاهرة وبازاراتها في العصور الوسطى . وقد كانت، كما في المدن العربية الأخرى: بغداد ودمشق وحلب والبصرة والكوفة وطرابلس الغرب وطرابلس الشام، تمتد إلى ما لا نهاية . وليس أدلّ على ذلك مما تركه لنا المقريزي في وصفها إذ قال:

والقصبة هي أعظم أسواق مصر . وسمعت غير واحدٍ ممن أدركته من المعمرين يقول: إن القصبة تحتوي على اثني عشر ألف حانوت . كأنهم يعنون ما بين أول الحسين مما يلي الرمل إلى المشهد النفيسي (السيدة نفيسة) . . . وقد أدركت هذه المسافة بأسرها عامرة بالحوانيت، غاصة بأنواع المآكل والمشارب والأمتعة . تبهج رؤيتها . ويعجب الناظر هيئتها . ويعجز عن احصاء ما فيها من الأنواع . فضلاً عن إحصاء ما فيها من الأشخاص .

ويذكر المقريزي أن القاهرة كانت تستهلك من الأكياس والعلب في أسواقها، ما قيمته ألف دينار ذهباً يومياً . خصوصاً اللبانين والجبانين والطباخين والعطارين . وفي مكان آخر يتحدّث عن تجار الخبز والطعام وكيفية عرض بضائعهم في الشوارع الضيقة . كما يتحدث عن أسواق باب الفتوح، حيث توجد حوانيت القصابين وتجار الحبوب والخضر وغيرهم من الباعة . ويقول إنها أشهر أسواق القاهرة وأكثرها ازدحاماً .

سوقا المرحلين والشماعين

ويذكر المؤرخون أيضاً باهتمام كبير، سوق المرحلين، التي اختصت ببيع ما يحتاج إليه في ترحيل الجمال وأردية الإبل . وكانت هذه السوق غنية ببضاعتها، حتى إنها تستطيع أن تجهز من الأرحال ما يفوق عدده المئة رحل . أما السوق الممتدة من باب الفتوح إلى المسجد الأقمر، فيباع فيه الطعام، من لحوم نيئة ومطهوة وخبز وزيت وجبن ولبن وخضراوات وأنواع التوابل كافة . وفي هذه السوق، تباع الأطعمة المشوية والمحمرة ليلاً ونهاراً . ويوجد فيها أيضاً الطهاة المتجولون . وهم ينتشرون أيضاً في سائر أنحاء المدينة .

وقد لاحظ الرحالة أن معظم أهل القاهرة كانوا يعتمدون على شراء الطعام المطهو ولهذا بلغ عدد الطهاة في القاهرة أكثر من 12 ألف طاهٍ .

وبالقرب من المسجد الأقمر المشهور بأبوابه الضخمة وبنائه الجليل، تقوم سوق الشماعين . وتعرض فيها المصابيح والمشاعل التي يحملها رؤساء دوريات الحراسة . إضافة إلى الشموع الضخمة للمواكب . وكانت حوانيت هذه السوق تظل مفتوحة إلى آخر الليل . وكانت تعج بالزائرين من النساء والرجال .

وباتجاه باب النصر، لجهة الشمال، سوق البزازين المكتظة بتجار الأقمشة ومن يتصل بهم من أصحاب الحرف، مثل النساجين والحلاجين والصباغين والرفائين والخياطين والغسالين والكوائين والرسامين . وبالقرب من هؤلاء حوانيت الأقفال الخشبية العجيبة . وهي التي بهرت عيون الرحالة الأوروبيين، فقال أحدهم في وصف هذه الأقفال الخشبية:

تصنع الأقفال والمفاتيح من الخشب فقط . بما في ذلك أقفال أبواب المدينة . والمفتاح يتكون من قطعة من الخشب، يبلغ طولها نصف قدم وعرضها بوصة . وهي في سمك الإصبع الخنصر، ومثبت في طرفها ستة أو ثمانية مسامير من النحاس، أو حتى من الخشب، طولها نحو بوصة واحدة . وعندما تقابل تلك المسامير مثيلاتها داخل القفل، ترفعها وينفتح القفل .

تجار الرقيق

وبالقرب من باب النصر، نجد أيضاً سوق الرقيق . وقد ذكره أحد الرحالة في مدوناته في القرن الرابع عشر . وقد نقلت هذه السوق إلى خان الخليلي الذي ذاع صيته وغدا الرحالة يهتمون بوصفه منذ القرن السادس عشر . وكان الناس يقبلون على السوق، يتفحصون الرقيق بأيديهم، كما يفعلون عند شراء الخيول . وقد وصف أحد الرحالة ذلك فقال: وكانوا يتحسسون العبيد بأيديهم بكثرة . فالأيدي تختبر سلامة عضلات الساق، ورقة الجلد، وصلابة الصدر، وحجم قبضة اليد القوية . ويقول في مكان آخر: كان من الرقيق النساء: التركيات واليونانيات والجركسيات والجورجيات والحبشيات . أما النخاسون وتجار الرقيق، فكانوا ينادون على الرقيق، كما في سوق البطيخ وسوق المربد وسوق الطير . ومنهم استوحيت ألف ليلة وليلة، نداء النخاس لتجار الرقيق: أيها التجار الأثرياء . ليس كل ما استدار جوزة . ولا كل ما استطال موزة . ولا كل ما احمرّ لحماً، ولا كل سمراء تمرة . أيها التاجر كم تدفع لهذه الجوهرة الفريدة، التي تفوق قيمتها جميع أموالك؟ من يقترح العرض الأول (ألف ليلة وليلة) .

ومن ناحية الجند خلف المسجد الأقمر، نجد سوق الطير الفسيح، حيث يباع الدجاج، والأوز والبط والحبش والأرانب والحمام بأنواعه والعصافير بأنواعها . أما الصقور والبزاة، فكانت تشكل معرضاً عظيماً للبيزرة . وهناك معارض كثيرة لأقفاص الطيور والعصافير المغردة والمزقزقة والشادية . ناهيك عن عروض الزواحف والدواب الصغيرة مثل السلاحف والقنافذ والضباب وغيرها . من دون أن ننسى أصناف القماري والهزارات والشحارير والببغاء والسمان في أقفاصها المزينة الجميلة والدقيقة في شكلها وصنعتها معاً على حدّ سواء.