بيروت - ألبير خوري:
تكاد الأغنية التراثية اللبنانية تنقرض حروفاً وأصواتاً، شعراء ومطربين . رحل الكبار: وديع الصافي، نصري شمس الدين، زكي ناصيف، فيلمون وهبي، سلوى القطريب . . غابت صباح شحرورة العتابا والميجانا خلف سنوات تعدت التسعين، وحدها بقيت الرائعة فيروز خزان ذاكرتنا الغنائية منذ ما يزيد على نصف القرن .
غاب أيضاً شعراء جبلوا حروفهم بسهول لبنان وجباله، بطبيعته وناسه: أسعد سابا، عبد الجليل وهبي، مارون كرم، ميشال نعمة، أسعد السبعلي، طانيوس الحملاوي والأخوين رحباني، مخلفين وراءهم بعض أروع الشعر الشعبي . وحده أيضاً، بقي طلال حيدر مذكراً بهذا التراث الرائع، يطلّ شعراً في بعض روائع كركلا المسرحية ومن خلال كتبه . لكن المؤسف تغييب ذاكرة هؤلاء الكبار عن الشاشات والإذاعات، وعن اهتمامات أجيال تنمو على "حداثوية" مفتعلة وصرعات غربية ليس فيهم طعم لبنان ولا رائحته ولا لونه .
من المسؤول عن هذا التغييب؟ ربما الوزارات المعنية والإعلام المموّل على أنواعه المكتوب والمرئي والمسموع وروافده الإلكترونية الحديثة، إنما يجب الإقرار بأن الباحثين والخبراء لم يتوصلوا بعد إلى تأريخ وتأصيل الأغنية اللبنانية التراثية . البعض يعيدها إلى مزيج حضارات وشعوب سكنت هذه البلاد، خصوصاً السريانية والبيزنطية بما هي تراتيل كنيسة وصلوات ملحنة توارثها الأحفاد عن الأجداد والآباء، لكن ذلك لا ينفي أن هذا التراث وبفعل تقادم العصور وارتباط اللبنانيين بتقاليد وعادات، تحوّل إلى ما يعرف باللهجة المحكية "ردات" غزلية، وطنية واجتماعية باتت تعرف بالأغنية الفولكلورية اللبنانية تتشكّل من أبيات قليلة تعكس أحاسيس أصحابها وأفكارهم وتطلعاتهم، بأسلوب مبّسط يعتمد الحوار والتشبيه والاستعارة بلا علم بيان .
كتابات عفوية يردّدها كل صاحب أو صاحبة صوت جميل، قبل أن تتحول إلى نوتات موسيقية أواسط القرن الماضي اتخذت أسماءها من محتوياتها ومعانيها، أشهرها "العتابا"، "الميجانا" "الروزانا"، "أبو الزلف" . . يليها "الدلعونا"، "الهوارة"، "جملو" و"سكابا"، وكلها في رأي بعض الملحنين مشتقات من الزجل الشعبي اللبناني، ولكل منها جذورها وشروطها ومفاعيلها وقواعدها ومناسباتها .
"العتابا" مشتقة من كلمة العتب، نسمعها في أغاني الحب والهجر والغدر . . نسمع العاشق تارة يعاتب معشوقاً نسي حبه القديم أو تلهى عنه بحب جديد، وتارة يعاتب القدر الذي يفرّق بين حبيبين . ونظراً لارتباطها بالحب، سواء بين شخصين أو الوطن، وبالعواطف النبيلة من أشواق وحنين ولهفات وصدّ، كما بالحالات النفسية والاجتماعية من أفراح وأحزان، وزرع وحصاد، وحزن ومرارة، باتت "العتابا" رفيقة الأفراح والأتراح . في الولادات والنهايات، كما في مواسم قطاف الزيتون والعنب وحصاد القمح والحبوب . تبدأ "العتابا" عادة بكلمة "أوف" أو "آخ" تعبيراً عن وجع أو شوق أو حنين، كمن يقول "أف" أو "آخ" وبعدها تكر أبيات شعرية قليلة مثل:
"جبل لبنان عم بِدِقّ عودو/
على الأوطان يا غياب عودوا/
وأرز الرب ما بيخضّر عودو/
حتى تلتقي بظلّو الحباب"
ورغم الأبحاث الكثيرة التي تناولت أصل العتابا، فشلت كل المحاولات للتوافق على رأي موّحد . هل هو عربي أو سرياني؟ خصوصاً أن الزجل اللبناني، والعتابا جزء منه، تأثّر في نشأته بالألحان والصلوات . وهناك من يرى العتابا نوعاً من الشعر العامي وغنّاه أهل البادية، إلاّ أنه قريب جداً من "الميمر"، وهو نوع من الشعر السرياني، من حيث عدد الأبيات والأشطر والوحدات الصوتية والجناس في الأشطر الثلاثة الأولى . أما الرأي الأرجح الذي يتمّسك به معظم الملحنين والمؤلفين أمثال منصور الرحباني وجورج جرداق ومارون كرم، فهو أن العتابا عراقية المنشأ، ذلك أن بلاد الرافدين عرفت شعراً قريباً من العتابا يعرف ب"أبو ذية" . وهناك رواية شعبية تفيد أن فلاحاً كردياً كان متزوجاً من إمرأة جميلة تدعى "عتابا" أحبّها إقطاعي فأخذها من زوجها عنوة وبعد تهديد، فهجر المنطقة متنقلاً من مكان إلى آخر حتى وصل إلى عكار شمال لبنان، ولشدة ألمه أنشدها: "عتابا بين برمي وبين لفتي، عتابا ليس لغيري ولفتي، أنا ما روح للقاضي ولا افتي عتابا بالثلاث مطلقا" .
"الميجانا" توأم العتابا بحيث لا تذكر الواحدة دون الأخرى، خصوصاً أن النوعين يرتبطان باللون العراقي المعروف "أبو ذية"، وبتناولهما العشق والصد والخيانة والملامة والتظلم . . أما بالنسبة إلى معنى "ميجانا" فتتعدّد الآراء، ومنها ما ذكره الأديب اللبناني الكبير مارون عبود أن أصل الكلمة "يا ماجانا"، أي ما أكثر ما أصابنا، في حين يعيد الباحث والناقد أنيس فريحة الكلمة إلى أصل سرياني أساسه "نجن" أي اللحن والغناء، ويذهب البعض إلى أن الميجانا مشتقة من لفظة "الميجنة" وهي كلمة فصحى تعني المدقّة التي يستخدمها مبيّض المعادن . وهناك من يعيد التسمية إلى قصة شعبية تحكي عن أمير عربي له ابنتان: "عتابا" و"ميجانا" . أحبت الأولى شاباً مات قبل أن تتزوجه فأمضت حياتها تبكيه عاتبة على الدهر الذي أصابها بالحزن والأسى . وفي محاولة للترويح عن أختها، نظمت لها "ميجانا" بيوتاً شعرية تنتهي ب"نا" توحي بالفرح بدلاً من "باء" الحزينة الجامدة . ومنها الردة المعروفة "حلوة العتابا بوجود حبابنا"، أو "غنوا عتابا تنسلّي بعضنا" . . والميجانا التي تأتي قبل أو بعد العتابا تسمى "الكسرة" . من هنا القول: "غنوا العتابا واكسروا الميجانا"، وكسر بالعامية تعني عزّى وهوّن" .
"الروزانا" لون غنائي لبناني آخر يكاد ينقرض عن الساحة الفنية وأصوات المطربين، تتعدد الأخبار عن أصوله وجذوره . . لكن مطلعها قد يفيد عن عشق انتهى بالفراق، فأنشد الحبيب حبيبته هذه الأبيات:
"عَ الروزانا عَ الروزانا/
كل الحلا فيها/
شوع عملِت الروزانا/
حتى نجافيها"؟
ومن الحكايات المتداولة حول أصل الروزانا، يروي الفنان منصور الرحباني والكاتب المسرحي والتلفزيوني أنطوان غندور أن فتاة لبنانية من قرية قرب صنين تدعى "روزانا" أحبها شاب تطوّع في جيش القائد المصري إبراهيم باشا لدى دخوله لبنان . وعندما عاد الشاب إلى بلدته وجدها قد تزوجت فأنشدها "عَ الروزانا . . ."
رواية أخرى تتحدث عن فتاة عراقية من الموصل كانت تتبادل الحب مع أحد أقاربها عبر كوة في جدار بيتها . والمعروف أن الكوة بلهجة أبناء الموصل هي الروزنة، أو الرازومة لدى البغداديين . وعندما علمت والدة الفتاة بأمر ابنتها أقفلت الكوة وهي تردد "عَ الروزنا عَ الروزنا، كل البلى فيها"، فردّت الفتاة على والدتها: "شو عملت الروزنا حتى تسديها"؟
وحكاية ثالثة تحكي عن باخرة إيطالية اسمها روزانا غرقت وهي في طريقها إلى بيروت راح ضحيتها عدد من الركاب . وكان بين الناجين شاعر شعبي لبناني وصف المأساة شعراً بالقول:
"عَ الروزانا عَ الروزانا كل البلى فيها/
شو عملت لنا الروزانا الله يجازيها" . . .
"أبو الزلف"، والزلف هو الأنف الجميل، وأبو الزلف هو الشاب الوسيم، وأم الزلف هي الحسناء الجميلة، وبهذه المواصفات، تتغنى أبو الزلف بالجمال الذكوري والأنثوي على السواء، وما يعني بلغة الشعراء، العشق .
وهكذا من حيث بنية الردّة تبدأ أغنية "أبو الزلف" بعبارة "هيهات يا بو الزلف، عيني يا موليّا"، وأحياناً يستبدل المطرب "بوالزلف" ب"أم الزلف"، أما الأبيات الأربعة التي تلي هذا المطلع، فتنتهي بقواف صدورها واحدة .
ويسود اعتقاد لدى الشعراء أن كلمة "موليّا" هي تحريف ل"مولاي" . لذلك يرجّح البعض أن "أبو الزلف" ظهرت على قبور البرامكة وعلى ألسنة جواريهم اللواتي كنّ يندبنهم بعدما نكبهم الخليفة العباسي هارون الرشيد . ويقال أن "دنانير" كانت أوفى الجواري رفضت الغناء للخليفة العباسي بعد مقتل سيدها يحيى بن خالد البرمكي . الأمر الذي يفسّر اللحن الحزين والبطيء الذي تتميز به أغنية "أبو الزلف" .
تكاد الأغنية التراثية اللبنانية تنقرض حروفاً وأصواتاً، شعراء ومطربين . رحل الكبار: وديع الصافي، نصري شمس الدين، زكي ناصيف، فيلمون وهبي، سلوى القطريب . . غابت صباح شحرورة العتابا والميجانا خلف سنوات تعدت التسعين، وحدها بقيت الرائعة فيروز خزان ذاكرتنا الغنائية منذ ما يزيد على نصف القرن .
غاب أيضاً شعراء جبلوا حروفهم بسهول لبنان وجباله، بطبيعته وناسه: أسعد سابا، عبد الجليل وهبي، مارون كرم، ميشال نعمة، أسعد السبعلي، طانيوس الحملاوي والأخوين رحباني، مخلفين وراءهم بعض أروع الشعر الشعبي . وحده أيضاً، بقي طلال حيدر مذكراً بهذا التراث الرائع، يطلّ شعراً في بعض روائع كركلا المسرحية ومن خلال كتبه . لكن المؤسف تغييب ذاكرة هؤلاء الكبار عن الشاشات والإذاعات، وعن اهتمامات أجيال تنمو على "حداثوية" مفتعلة وصرعات غربية ليس فيهم طعم لبنان ولا رائحته ولا لونه .
من المسؤول عن هذا التغييب؟ ربما الوزارات المعنية والإعلام المموّل على أنواعه المكتوب والمرئي والمسموع وروافده الإلكترونية الحديثة، إنما يجب الإقرار بأن الباحثين والخبراء لم يتوصلوا بعد إلى تأريخ وتأصيل الأغنية اللبنانية التراثية . البعض يعيدها إلى مزيج حضارات وشعوب سكنت هذه البلاد، خصوصاً السريانية والبيزنطية بما هي تراتيل كنيسة وصلوات ملحنة توارثها الأحفاد عن الأجداد والآباء، لكن ذلك لا ينفي أن هذا التراث وبفعل تقادم العصور وارتباط اللبنانيين بتقاليد وعادات، تحوّل إلى ما يعرف باللهجة المحكية "ردات" غزلية، وطنية واجتماعية باتت تعرف بالأغنية الفولكلورية اللبنانية تتشكّل من أبيات قليلة تعكس أحاسيس أصحابها وأفكارهم وتطلعاتهم، بأسلوب مبّسط يعتمد الحوار والتشبيه والاستعارة بلا علم بيان .
كتابات عفوية يردّدها كل صاحب أو صاحبة صوت جميل، قبل أن تتحول إلى نوتات موسيقية أواسط القرن الماضي اتخذت أسماءها من محتوياتها ومعانيها، أشهرها "العتابا"، "الميجانا" "الروزانا"، "أبو الزلف" . . يليها "الدلعونا"، "الهوارة"، "جملو" و"سكابا"، وكلها في رأي بعض الملحنين مشتقات من الزجل الشعبي اللبناني، ولكل منها جذورها وشروطها ومفاعيلها وقواعدها ومناسباتها .
"العتابا" مشتقة من كلمة العتب، نسمعها في أغاني الحب والهجر والغدر . . نسمع العاشق تارة يعاتب معشوقاً نسي حبه القديم أو تلهى عنه بحب جديد، وتارة يعاتب القدر الذي يفرّق بين حبيبين . ونظراً لارتباطها بالحب، سواء بين شخصين أو الوطن، وبالعواطف النبيلة من أشواق وحنين ولهفات وصدّ، كما بالحالات النفسية والاجتماعية من أفراح وأحزان، وزرع وحصاد، وحزن ومرارة، باتت "العتابا" رفيقة الأفراح والأتراح . في الولادات والنهايات، كما في مواسم قطاف الزيتون والعنب وحصاد القمح والحبوب . تبدأ "العتابا" عادة بكلمة "أوف" أو "آخ" تعبيراً عن وجع أو شوق أو حنين، كمن يقول "أف" أو "آخ" وبعدها تكر أبيات شعرية قليلة مثل:
"جبل لبنان عم بِدِقّ عودو/
على الأوطان يا غياب عودوا/
وأرز الرب ما بيخضّر عودو/
حتى تلتقي بظلّو الحباب"
ورغم الأبحاث الكثيرة التي تناولت أصل العتابا، فشلت كل المحاولات للتوافق على رأي موّحد . هل هو عربي أو سرياني؟ خصوصاً أن الزجل اللبناني، والعتابا جزء منه، تأثّر في نشأته بالألحان والصلوات . وهناك من يرى العتابا نوعاً من الشعر العامي وغنّاه أهل البادية، إلاّ أنه قريب جداً من "الميمر"، وهو نوع من الشعر السرياني، من حيث عدد الأبيات والأشطر والوحدات الصوتية والجناس في الأشطر الثلاثة الأولى . أما الرأي الأرجح الذي يتمّسك به معظم الملحنين والمؤلفين أمثال منصور الرحباني وجورج جرداق ومارون كرم، فهو أن العتابا عراقية المنشأ، ذلك أن بلاد الرافدين عرفت شعراً قريباً من العتابا يعرف ب"أبو ذية" . وهناك رواية شعبية تفيد أن فلاحاً كردياً كان متزوجاً من إمرأة جميلة تدعى "عتابا" أحبّها إقطاعي فأخذها من زوجها عنوة وبعد تهديد، فهجر المنطقة متنقلاً من مكان إلى آخر حتى وصل إلى عكار شمال لبنان، ولشدة ألمه أنشدها: "عتابا بين برمي وبين لفتي، عتابا ليس لغيري ولفتي، أنا ما روح للقاضي ولا افتي عتابا بالثلاث مطلقا" .
"الميجانا" توأم العتابا بحيث لا تذكر الواحدة دون الأخرى، خصوصاً أن النوعين يرتبطان باللون العراقي المعروف "أبو ذية"، وبتناولهما العشق والصد والخيانة والملامة والتظلم . . أما بالنسبة إلى معنى "ميجانا" فتتعدّد الآراء، ومنها ما ذكره الأديب اللبناني الكبير مارون عبود أن أصل الكلمة "يا ماجانا"، أي ما أكثر ما أصابنا، في حين يعيد الباحث والناقد أنيس فريحة الكلمة إلى أصل سرياني أساسه "نجن" أي اللحن والغناء، ويذهب البعض إلى أن الميجانا مشتقة من لفظة "الميجنة" وهي كلمة فصحى تعني المدقّة التي يستخدمها مبيّض المعادن . وهناك من يعيد التسمية إلى قصة شعبية تحكي عن أمير عربي له ابنتان: "عتابا" و"ميجانا" . أحبت الأولى شاباً مات قبل أن تتزوجه فأمضت حياتها تبكيه عاتبة على الدهر الذي أصابها بالحزن والأسى . وفي محاولة للترويح عن أختها، نظمت لها "ميجانا" بيوتاً شعرية تنتهي ب"نا" توحي بالفرح بدلاً من "باء" الحزينة الجامدة . ومنها الردة المعروفة "حلوة العتابا بوجود حبابنا"، أو "غنوا عتابا تنسلّي بعضنا" . . والميجانا التي تأتي قبل أو بعد العتابا تسمى "الكسرة" . من هنا القول: "غنوا العتابا واكسروا الميجانا"، وكسر بالعامية تعني عزّى وهوّن" .
"الروزانا" لون غنائي لبناني آخر يكاد ينقرض عن الساحة الفنية وأصوات المطربين، تتعدد الأخبار عن أصوله وجذوره . . لكن مطلعها قد يفيد عن عشق انتهى بالفراق، فأنشد الحبيب حبيبته هذه الأبيات:
"عَ الروزانا عَ الروزانا/
كل الحلا فيها/
شوع عملِت الروزانا/
حتى نجافيها"؟
ومن الحكايات المتداولة حول أصل الروزانا، يروي الفنان منصور الرحباني والكاتب المسرحي والتلفزيوني أنطوان غندور أن فتاة لبنانية من قرية قرب صنين تدعى "روزانا" أحبها شاب تطوّع في جيش القائد المصري إبراهيم باشا لدى دخوله لبنان . وعندما عاد الشاب إلى بلدته وجدها قد تزوجت فأنشدها "عَ الروزانا . . ."
رواية أخرى تتحدث عن فتاة عراقية من الموصل كانت تتبادل الحب مع أحد أقاربها عبر كوة في جدار بيتها . والمعروف أن الكوة بلهجة أبناء الموصل هي الروزنة، أو الرازومة لدى البغداديين . وعندما علمت والدة الفتاة بأمر ابنتها أقفلت الكوة وهي تردد "عَ الروزنا عَ الروزنا، كل البلى فيها"، فردّت الفتاة على والدتها: "شو عملت الروزنا حتى تسديها"؟
وحكاية ثالثة تحكي عن باخرة إيطالية اسمها روزانا غرقت وهي في طريقها إلى بيروت راح ضحيتها عدد من الركاب . وكان بين الناجين شاعر شعبي لبناني وصف المأساة شعراً بالقول:
"عَ الروزانا عَ الروزانا كل البلى فيها/
شو عملت لنا الروزانا الله يجازيها" . . .
"أبو الزلف"، والزلف هو الأنف الجميل، وأبو الزلف هو الشاب الوسيم، وأم الزلف هي الحسناء الجميلة، وبهذه المواصفات، تتغنى أبو الزلف بالجمال الذكوري والأنثوي على السواء، وما يعني بلغة الشعراء، العشق .
وهكذا من حيث بنية الردّة تبدأ أغنية "أبو الزلف" بعبارة "هيهات يا بو الزلف، عيني يا موليّا"، وأحياناً يستبدل المطرب "بوالزلف" ب"أم الزلف"، أما الأبيات الأربعة التي تلي هذا المطلع، فتنتهي بقواف صدورها واحدة .
ويسود اعتقاد لدى الشعراء أن كلمة "موليّا" هي تحريف ل"مولاي" . لذلك يرجّح البعض أن "أبو الزلف" ظهرت على قبور البرامكة وعلى ألسنة جواريهم اللواتي كنّ يندبنهم بعدما نكبهم الخليفة العباسي هارون الرشيد . ويقال أن "دنانير" كانت أوفى الجواري رفضت الغناء للخليفة العباسي بعد مقتل سيدها يحيى بن خالد البرمكي . الأمر الذي يفسّر اللحن الحزين والبطيء الذي تتميز به أغنية "أبو الزلف" .