بعد نجاح التجربة في المسلسلات التركية، اتجهت بعض القنوات العربية المتخصصة بالسينما مؤخراً، إلى دبلجة الكثير من الأفلام الأجنبية المعروضة على شاشاتها باللغة العربية مثل العراب والقلب الشجاع وسيد الخواتم ولورانس العرب وغيرها . ويثير انتقال عدوى الدبلجة بين تلك القنوات بسرعة كبيرة تساؤلات كثيرة حول أثر هذه التجربة وانعكاساتها على مجتمعاتنا، في ظل تراجع الإنتاج السينمائي العربي، كماً وكيفاً، واعتماد الدبلجة على اللهجات العربية المحلية المستخدمة في كل دولة . وانقسام المتابعين للأفلام المدبلجة بالعربية بين مؤيد ومعارض للتجربة لا يقتصر على المشاهدين، بل يمتد إلى المختصين والسينمائيين .

يقول كيناز أبومغضب، مدير شبكة كمبيوتر، حاولت مراراً أن أشاهد الأفلام المدبلجة بالعربية سواء باللهجات المحلية أو الفصحى بنفس الحالة التي أشاهد بها الأفلام الأجنبية المترجمة، لكنني وجدت الحالتين مختلفتين تماماً، إذ افتقدت الكثير من العناصر التي أستمتع بها خلال مشاهدتي للأفلام، خاصة تلك العناصر التي تعطي الروح الفنية للعمل .

ويوضح أن أهم هذه العناصر الإحساس بالتشويق والاستمتاع بإحساس الممثل من خلال صوته ولهجته لأنها توحي لي بانفعالاته، كما يجد أن الدبلجة الحرفية تفقد النص قيمته .

ويشير كيناز إلى أن هناك عدداً من الأعمال المدبلجة قد تكون مقبولة نوعاً ما باللهجة المحلية كالأفلام ذات الصبغة الكوميدية، لكن لا يمكن تقبلها باللغة العربية الفصحى لأن طابعها الكوميدي غير ملائم للغة .

يختلف معه نعمات دروج، مهندس تقنية معلومات في هيئة الإمارات للهوية، ويجد أن الفصحى الأكثر قبولاً في الدبلجة مهما كان نوع الفيلم المدبلج، ويقول: برغم عدم تقبلي لفكرة دبلجة الأفلام، أجد أن الفصحى هي الأقدر على الوصول إلى أكبر شريحة من الناس، والأكثر تعبيراً عن النص المكتوب، والذي يستقبله المشاهد العربي على اختلاف نوع الفيلم، لكن الدبلجة باللهجات المحلية تفقد العمل الكثير من السمات الفنية . ويضيف: شاهدت عدداً من الأفلام المدبلجة التي كنت شاهدتها بالترجمة مسبقاً، ووجدت أن العمل ذاته يحمل الكثير من الاختلاف، وكأنه عمل مغاير تماماً، فلا روح العمل ولا إحساس الممثلين وصلا إليّ، وافتقدت تفاعلي مع المثملين والمؤثرات الصوتية، وشعرت أن العمل فقد روحه الأصلية، كذلك فإن أصوات الممثلين لا تعبر عنهم ولا الأداء الصوتي قادر على أن يصل لإحساس الممثل الأصلي، لذلك أجد أن الدبلجة أفقدت العمل الفني الكثير ولم تكسبه شيئاً .

يوافقه الرأي هيثم الهاشمي، مبرمج، موضحاً أن دبلجة الأفلام إلى الفصحى أفضل من اللهجات المحلية، لأنها القادرة على الوصول إلى أكبر قدر من المشاهدين، لكنه يعود ليعتبرها أفضل السيئ . يقول: تفضيل الدبلجة بالفصحى لا يعني الاقتناع بالظاهرة، التي تفقد الفيلم الكثير من عناصره الأساسية التي يعتمد عليها في نجاحه ووصوله إلى الجمهور، فلم أجد تطابقاً بين الشخصيات التي تمثل الأدوار والصوت المركب لها، ولاحظت أن الدبلجة يجب ألا تكون حرفية بل أن تتوافق وفكر المشاهد العربي، خاصة أن الأفلام الأمريكية تحديداً تحمل كثيراً حس الفكاهة حتى في المواقف الجدية وهذه المواقف لم تحسن الدبلجة ايصالها للمشاهد، مما يوصم العمل بالروتين والملل ويفقده الروح الأصلية له .

أرفض الدبلجة جملة وتفصيلاً، هذا ما قاله مجد عامر، مدير محل ملابس، ويضيف: شاهدت الكثير من الأفلام المترجمة ومن ثم أعدت مشاهدتها بالدبلجة، فلم تستهوني الأخيرة أبداً، بغض النظر عن دبلجتها بالفصحى أو اللهجات المحلية، حيث وجدت في ترجمة الأعمال طابعاً مختلفاً، ولم يشعرني الفيلم المدبلج بأي تفاعل معه . وأعتقد أنه بدلاً من إضاعة الأموال في دبلجة الأعمال الأجنبية سواء كانت مسلسلات أو أفلام بالإمكان توجيه هذه الأموال إلى الإنتاج العربي الذي ينبع من بيئتنا .

يرى المخرج الإماراتي أحمد عرشي أن ظاهرة الأفلام المدبلجة التي تعرض حالياً على قنوات الأفلام تحمل وجهين مختلفين . ويقول: هي ظاهرة ليست بالجديدة، إنما قد تكون مستحدثة في المنطقة العربية، فالدبلجة فن سينمائي في دول أوروبا، وذلك بسبب اختلاف اللغات التي تحملها كل دولة منتجة للأفلام، فلا يتم التعامل باللغة الإنجليزية إنما باللغات المحلية التي يتداولها العامة، وقلما تستخدم بذلك الترجمة في أفلامهم .

ويوضح أنها ظاهرة تحمل الإيجابية والسلبية ويقول: أحد أوجه الظاهرة الإيجابية حينما يدبلج الفيلم بالفصحى، أما الدبلجة إلى اللهجة المحلية كاللهجة الخليجية أو السورية كما هو ملاحظ الآن فإن الأمر هنا سلبي، حيث لا يحقق العمل هنا ما نطمح له، ونحن ننادي بالهوية العربية التي علينا التمسك بها . ولعل أمر الدبلجة إلى اللهجات المحلية يصيب المشاهد بالتشتت لكون اللهجة المحلية لا تقترب إلا من الذي يستخدمها .

ويضيف: متابعتنا لأفلام الرسوم المتحركة التي كانت تستخدم الفصحى ونحن صغار وكانت عاملاً قوياً في تقوية اللغة العربية لدينا، أما فيما يتعلق بتفاعل المشاهد مع الفيلم وايصال مشاعر الممثلين له فإن الأمر هنا يحتاج لأن يتقن الممثل الذي يتحدث بصوت الممثل الأصلي القدرة على أن يوصل مشاعره وهذا ليس بالسهل على الفنان، ومن هنا قد تقع بعض الدبلجات في خطأ حينما يصبح هناك نوع من التنافر بين مشاعر الممثل الأصلي وانفعالاته وبين من يتحدث عنه في الدبلجة .

وعن الناحية الإيجابية لدبلجة الأفلام، يقول عرشي إنها تتلخص بتقديمها أفلاماً عالمية على مستوى جيد لمن لا يتقنون ملاحقة الترجمة على الشاشة ويجدون في الدبلجة فرصة جيدة لمشاهدة الأفلام الأجنبية باستمتاع وتفاعل، كذلك يكون نظرهم ضعيفاً .

نجلاء الشحي، المؤلفة والمخرجة الإماراتية، تقول: بالنسبة للمسلسلات التركية نجحت الدبلجة فيها، كون الثقافة التركية والممثلين غير معروفين لدينا، فعندما يقوم الممثل السوري بدبلجة صوته على صوت الممثل التركي فإننا نعتبر أن ذلك كان صوت الممثل التركي ونتقبل صوته وأسلوبه ولا نراه مصطنعاً أو شخصاً آخر، كذلك ساهم أداء الممثلين السوريين الجيد بإقناعنا بهم، وعندما لاحظت قناة ام بي سي النجاح الذي تحقق من دبلجة المسلسلات التركية أرادت تعميم التجربة لتشمل الأفلام الأجنبية والهندية، إلا أنها لم توفق لأننا نعرف الممثلين الأجانب والهنود ونميز أصواتهم .

وتشير الشحي إلى أن اختلاف الثقافات يؤثر في الأداء والانفعالات، فالأجنبي انفعالاته وطريقة كلامه تختلف عنها لدى العربي، بالإضافة إلى افتقاد روح أداء الممثل الأصلي والتي يحس بها المشاهد ويستشعرها جيداً .

المخرج الإماراتي لؤي السعدي يرى أن ظاهرة دبلجة الأفلام الأجنبية وخاصة الشهيرة منها بالفصحى هي الأمثل لأنها تصل إلى أغلب المشاهدين . ويقول: ما يعيب الدبلجة افتقاد الإحساس الأصلي للممثل الذي نلمسه بشكل جيد من خلال الترجمة، فالدبلجة لا تعطي الإحساس الصادق للعمل وللممثل معاً أياً كانت وبأي لغة أو لهجة، لكن الأمر يصبح أقل إشكالية في حال الدبلجة إلى الفصحى .

ومن جانب آخر يرى أن الدبلجة تعطي الفرصة لغير القادرين على القراءة للاستمتاع بالفيلم الأجنبي، وأن الدبلجة إلى الفصحى بحاجة إلى الممثل الجيد القادر على الاقتراب من أداء الممثل الأصلي في الفيلم ومحاولة إيصال إحساسه . الأفلام التي تتم دبلجتها هي أفلام شهيرة وأخذت حقها من المشاهدة بالترجمة للعربية، وهي وسيلة لجذب أكبر قدر من المشاهدين للقنوات الفضائية وامتداد لظاهرة الدبلجة التي جرت على المسلسلات التركية التي كان أحد أهم أهدافها الربح التجاري .

الممثلة الإماراتية هدى الخطيب تعتبر دبلجة الأفلام الأجنبية للعربية ظاهرة تسيء للممثل الأصلي في الفيلم بالدرجة الأولى، كون المشاهد صاحب جهد في الأداء والتعبير وإيصال المشاعر والأحاسيس للمشاهد في كل حالاته . وتقول: المشاهد يعيش مع الدور وكأنه حقيقة، والممثل بالتالي يحاول أن يوصل فكرة بأنه شخصية من الواقع بالدرجة الأولى، وأن يتعايش مع تفاصيل دوره، ومن هنا أجد أن الدبلجة والتي يتم من خلالها إسناد كل أحاسيس الممثل ومشاعره لمؤد آخر (القائم بدور الدبلجة) بعيد عن الدور ولم يعش تفاصيله أمر مجحف جداً بحق الممثل الأصلي، وهي هنا أشبهها بأفلام الرسوم المتحركة التي لا تحمل مشاعر إنما هي عمل مؤدي بالرسوم بشكل رئيسي، ومتى قام أحدهم بدبلجة العمل فإن ذلك لن ينتقص من الشخصية المرسومة، وهو شيء مناقض لدور الممثل في الأعمال التلفزيونية والسينمائية . وترى أن ما يضيف سوءاً على هذه الظاهرة هو الدبلجة باللهجات المحلية التي تتسم كل منها بسمات مختلفة عن الأجنبية كالأوروبية أو الهندية أو اليابانية، من حيث سرعتها ومخارجها وطريقة نطقها . وتشير الخطيب إلى أن دبلجة الأفلام الأجنبية تتحمل ميزانيات كبيرة كان الأحرى بها أن توجه للإنتاج العربي، وأنها ظاهرة قد تظلم الممثل العربي الذي يملك من الإمكانات الكثير مما يؤهله لأن يقدم أعمالاً متميزة .

صفاء أبورزق، مسؤولة مشروع الدوبلاج ورئيس العمليات بشركة o3 للإنتاج التابعة لمجموعة إم بي سي وصفت مشروع الدبلجة بأنه عالمي إلا أنه مستحدث في المنطقة العربية، موضحة أن أغلب دول العالم تسير على هذا النهج في أفلامها، كما هو الحال في ألمانيا وفرنسا مثلاً . وقالت: الهدف هو مواكبة العالم الخارجي، ولأن المنطقة العربية باتت متأخرة في هذا الشأن .

وعن نوع الأفلام المدبلجة التي تعرضها إم بي سي ماكس والهدف من عرضها قالت: إن الأفلام المدبلجة المعروضة في القناة معروفة ومنها أفلام قديمة ولها جمهورها، إلا أن الجمهور المستقطب لها هذه المرة مع الدبلجة فهو الجمهور الذي يجد صعوبة في قراءة أو فهم الفيلم المترجمة للعربية، وهذا لا يعني أنه لا يعرف القراءة بل هو الجمهور الذي لا يشعر بالمتعة حينما يشاهد فيلماً مترجماً فيشعر بالتشتت بين القراءة ومتابعة الأحداث في الصورة المعروضة، ومن جانب آخر فإننا نجد أن كثيراً من الجمهور المشاهد يشعر بسلاسة في سرد القصة ومتابعة الأعمال حينما تعرض باللهجات العامية ومن هنا جاءت الدبلجة بلهجات متعددة كالسورية حيناً والمصرية والخليجية أحياناً، بالإضافة إلى الفصحى .

وفي ما يخص يخص اختيار اللهجة بذاتها في الأعمال قالت: إن اختيار اللهجة يقع في إطار المرحلة الأولى لنا كشركة إنتاج، حيث إننا نقوم باستكشاف اللهجات الأكثر قرباً لمضمون الفيلم، وهذا الأمر تحسمه لجنة مسؤولة عن تصنيف الأفلام، فمثلاً نمط الفيلم الكوميدي تختار له اللهجة المصرية، بينما تختار للفيلم الرومانسي ذي الأجواء الهادئة اللهجة السورية، ووجدت اللجنة وبعد اختبارات عدة أن اللهجة الخليجية هي الأقرب من بين اللهجات العربية إلى دبلجة الفيلم الهندي، بينما الفيلم التاريخي فتختار له الفصحى، وهذا كله طبعاً رأي خاص باللجنة غير مبني على قاعدة بيانات أو تحليل علمي، فهي تحاول من خلاله الوصول إلى الجمهور المستهدف .

وفي ما يخص عملية الإنتاج والتكاليف التي تنفق على هذه الأفلام قالت أبورزق: إن إنتاج الأفلام المدبلجة يحتاج ميزانيات خاصة، لكنها لا تقارن بميزانيات إنتاج الأعمال الجديدة التي تتطلب أموالاً طائلة، والهدف الرئيسي من إنتاج الأفلام المدبلجة هو الوصول إلى قاعدة جماهيرية أكبر لتستقطب المشاهد المغيب عن مشاهدة الأعمال العالمية وليس تجارياً بالدرجة الأولى .