الشارقة: «الخليج»

عانى الكثير من الشعراء، وكتّاب الإبداع الأدبي والفني والموسيقي أشكالاً عديدة من المرض. تعبوا؛ بل تدمّرت صحتهم وحَيَواتهم ونفسياتهم؛ جرّاء المرض. البعض صبر على نصيبه هذا من الحياة، وقاوم بكل أعصابه وإرادته ما تعرّض له من محنة مرضية، والبعض انهزم أمام هذه المحنة، والبعض حوّل المرض إلى كتابة، فكان المرض هو موضوع الكتابة، والبعض فلسف المرض، وحوّله من معاناة وألم إلى أفكار أو حوّله إلى أدب، أو حوّله إلى نصّ أو مجموعة نصوص هي جزء من تجربة الكاتب، ومعاناته الثقافية والنفسية والوجودية.
بعض الكتّاب عانى المرض الجسدي أو البيولوجي، وظل مطحوناً به إلى سنوات طويلة إلى أن هُدَّ أخيراً كيانه الجسدي، واستسلم، في مشهدية مؤلمة حقاً، وفي هذه الحال لا يملك المبدع المريض إلاّ أن يردد العبارة المعروفة «خانني جسدي».
إن الكتابة عن المرض في حَيَوات المبدعين والكتّاب والشعراء تستدرج صاحبها إلى الكتابة عن الجسد، فالجسد، هذا الكيان المادّي، الآدمي، الحيوي، المحُدَّد بملامح ولون وصفات، يتحوّل إلى كيان آخر في حالة المرض، والمريض نفسه يتحوّل إلى كائن آخر «غريب» تماماً صورته الطفولية أو صورته الشابة أو صورته الكينونية الآدمية في أية مرحلة من مراحل عمره.
المرض، إذاً، هو كائن آخر، وإن كان ليس على شكل كيان مادّي أو بشري أو حَيَواتي. المرض كائن مجازي، ولكنه كائن متربّص بالجسد. يفتك بالجسد البشري، ويهدّه، كأنه ينتقم منه، أو كأن ثمة عداوة أبدية زمنية بين المرض والجسد. على هذا النحو فَلْسَفَ الكثير من الكتّاب المرض، وعاينوه بالفكر واللغة، وجعلوا منه مادّة خاضعة للتأمّل، ومن نجا من مرضه أصبح على نحو ما بطلاً، فقد انتصر على الكائن التربّصي عدوّ الجسد، وانتصر بلغة ثانية على موته، وانتصر بلغة ثالثة لحياته.
إن الكتابة عن المرض، وهي كتابة متشائمة بالضرورة، تدفع إلى نقيضها وهي الكتابة المتفائلة، وفي حين أنه في البال والذاكرة نماذج كثيرة لكتّاب وشعراء وأدباء عانوا المرض، فإنه في البال والذاكرة الكثير من النماذج المتمتعة بالعافية الجسدية والرّوحية والنفسية، فمثلما نتحدث عن المرض بوصفه طارئاً سلبياً، نتحدث أيضاً، أو ينبغي أن نتحدث عن العافية البدنية بوصفها حالة إيجابية مفرحة. بالأمل، يهزم المريض طارئه السلبي، وبالقّوة الداخلية والخارجية يربح عافيته، ويعود إلى حياته الطبيعية، وبعد ذلك ما من أثر للمرض سوى الأثر الأدبي الذي يبقى في حياة المريض المبدع، ويبقى أيضاً بعد رحيله.
إننا عند قراءة الآثار الأدبية التي يتركها المرضى المبدعون أو المبدعون المرضى تتلمّس قوّة الرّوح في هذه الحالة أكثر من تلمّس أية قوّة أخرى.
عند قراءة هذه الآثار والتراثيات الأدبية نلاحظ، تلك الأخوية الإنسانية التي تنشأ بين الكتّاب، أو بالأحرى، بين الأجساد الهشة المتهالكة.. لكن المسكونة بالأمل والحياة.

بيضة العقرب

أصيب الفنان التشكيلي والروائي والناقد محمود عيسى موسى بالمرض الخبيث، ونجا منه بقوّة إرادته، وقوّة عشقه العظيم للحياة. وكان من نتيجة ذلك أن كتب رواية بعنوان «بيضة العقرب» هي السيرة المرضية التي مرّ بها، وحول هذه الرواية يقول:...«.. اعتمدت فيها على أسلوب المشهد والتقطيع والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة بأسلوب ساخر تماماً الهدف منه مجابهة هذا النوع من الأمراض بشجاعة بالغة وعدم الرضوخ والاستسلام للرعب..».
علينا هنا أن نتوقف عند قول محمود عيسى موسى إنه كان يسخر من المرض، فالسخرية في هذه الحالة هي إقصاء نفسي للمرض؛ بحيث لا يتمكن من التغوّل على الجسد البشري، وبالتالي، التهامه..
السخرية، إذاً، نوع من العلاج، أو هي نوع من النأي بالذات عن الحالة النفسية المدمّرة التي يخلّفها المرض. السخرية أيضاً وجه آخر للشجاعة، وكل مرض لا يهزم بالدواء فقط، بل، وإلى جانب ذلك، يُهزم بالشجاعة التي تتمثل، مادياً، بالكتابة.

زهور أمل دنقل

رحل أمل دنقل 1940-1983 وهو محاط بالزهور بعدما توحّش عليه المرض الخبيث، ولنلاحظ هنا أن اللسان الشعبي العربي خصوصاً، يتجنّب ذكر السرطان لما ينطوي عليه هذا الاسم المرعب من كارثية ورعب، وفي الوقت نفسه فإن عبارة «المرض الخبيث» تحمل معنى تربّصية هذا المرض وهو يهاجم الجسد البشري بخبث ومواربة.
لخّص أمل دنقل مرضه، أو الأصحّ أنه «كتب مرضه» الذي عانى منه على مدى ثلاث سنوات في مجموعة شعرية بعنوان: «أوراق الغرفة 8»، وهو رقم الغرفة التي كان نزيلها في المستشفى الذي عولج فيه في القاهرة، ومن كان يتابع محنة أمل دنقل المرضية لا ينسى قصيدته التي تتحدث عن الزهور، وهي الزهور التي كانت تملأ غرفته في المستشفى وهو يصارع مرضه الخبيث بقوة الشاعر، وقوّة الإنسان:
إن سلال الورد تملأ غرفته في المستشفى، كل باقة في السلّة تحمل اسم قاطفها.. أي: اسم قاتلها، ولنلاحظ هنا حساسية الشاعر البالغة الرّهافة، وهو يلتقط العلاقة التراجيدية (المأساوية) بين جسد الشاعر الذي يذوي بالمرض، وبين الزهرة التي تذوي وتموت في الباقة أو في السلّة... يقول في قصيدة «زهور»:
وسلالٌ من الورد
ألمحها بين إغفاءةٍ وإفاقَةْ
وعلى كلِّ باقة
اسم حاملها في بطاقة
إلى أن يقول:
كلّ باقة
بين إغفاءة وإفاقِةْ
تتنفسُ مثلِيَ =بالكاد= ثانيةً، ثانيةْ
وعلى صدرها حملتْ - راضية
اسمَ قاتلها في بطاقة
إن الكتابة على سرير المرض، وفي مثل تلك المحن المرضية، هي حقاً تتجاوز فعل الكتابة إلى فعل آخر هو فعل البطولة.

جدارية محمود درويش

عاند محمود درويش حَتْفَه، وحوّل مرضه إلى جدارية شعرية؛ وذلك عندما عانى مرض القلب، وفي حقيقة صاحب «لماذا تركت الحصان وحيداً»، أنه كان يهزم الموت بالفن، عندما صرّح بذلك مباشرة في جداريته التي تُقرأ اليوم بوصفها أثراً أدبياً عظيماً وراءه معاناة مرض، وإرادة شاعر انتصر على الموت بالفن.
إن جدارية محمود درويش مثلما هي جدارية لتبعات وإملاءات المرض، هنا في الوقت نفسه جدارية للحياة، كأنها وصية الشاعر للإنسان في الحياة:
يقول:
«وأقول شكراً للحياة
ولم أكن حيّاً ولا مَيْتاً
ووحدك كنت وحدك يا وَحَيدُ
تقول ممرّضتي: كنت تهذي،
كثيراً وتصرخُ: يا قلبُ
يا قلبُ خذني إلى دورة الماء../‏‏..
ما قيمة الرّوح - إنْ كان جسمي
مريضاً، ولا يستطيعُ القيامَ بواجبه الأوّليَّ..»
إن محنة المرض، مثلما تحمل على مثل هذه الغنائية الشفافة عند درويش، تحمل أيضاً على الحكمة، فأمام جدار المرض، وبين الحياة والموت، يتأمل الإنسان ذاته جيداً، ويقرأ العالم والحياة والوجود بروح مختلفة.

يوميات أحمد راشد ثاني

عاش أحمد راشد ثاني آكلاً للحياة، آكلاً للقراءة، آكلاً للكتابة، آكلاً للبحر، آكلاً للأصدقاء، ولكن بطريقته الغنائية الفاتنة، من دون أذى لأحد، من دون مصادرة لأحد، من دون كراهية لأحد.
شاعر خانه جسده من قلبه؛ لكنه لم يخن الكتابة حتى اللحظة الأخيرة، وعندما عرف بطبيعة مرضه، أخذ يعاند ذلك المرض بالكتابة، كان يتربّص بمرضه لكي ينقضّ عليه ويتخلّص منه، مرة ثانية بالكتابة.
يوميات المرض، أو سيرة المستشفى، وهو العنوان الفرعي لكتابه «لذة المرض».. هي الأثر الأدبي لمحنة أحمد راشد ثاني على شكل يوميات، أو مقطوعات من النثر الذي يلمس روح الشاعر، ويلمس جسده أيضاً..
لم يكن أحمد راشد ثاني يرثي نفسه في هذه الكتابة؛ بل، كان يتأمّلها، كان يتأمل يوميات الحياة داخل عنابر المستشفى، ويتأمل تفاصيل وأشياء الحياة خارج غرفة المستشفى من طيور وحركة وبشر.
كان أحمد راشد ثاني في الكثير من مقاطع هذا الكتاب يصغي للحياة في الخارج، إنها حياة الخارج التي يتوق إليها، ويعاند مرضه كي يفلت من إساره أو من عِقاله ليكون بعيداً عن المستشفى، وبعيداً عن حالة المريض هو الذي عاش حياته قرب البحر، أو في البحر. عاش في الهواء الطلق. عاش حرّيته وإنسانيته وقصيدته..
لم يكن أحمد راشد نزيل مستشفيات، كان في كامل حرية جسده وروحه، كان في كامل حرية الكتابة التي هي حرية الجسد.
في فصل بعنوان «المستشفى والعالم» يكتب أحمد راشد ثاني:
-.. «.. كيف تفكر في العالم أثناء الصحة، كيف تفكّر في العالم أثناء المرض.. كيف يفكّر فيك العالم.. أي عالم تعيشه في كلا العالمين، أي عالم تعيشه في كل لحظة؟ أليس لكل لحظة من لحظات حياتك عالمها. لكل نبض. لكل نفس؟.. أليس جسدك العظيم بقدرته تلك على الخفقان هو ما يخلق عوالمك ويمحوها؟..».
يراقب أحمد راشد دأب الممرضات والممرضين في هذا العالم الذي وجد نفسه مكبّلاً إلى إعلاءات الجسد بأوامر القلب. بل يراقب أحمد راشد ثاني نفسه تماماً منذ أوّل خطوة إلى ردهات المستشفى. كان يراقب نفسه (ككاتب) قبل أن يراقب نفسه (كمريض). إنه على نحو ما يسخر من مرضه بالكتابة. يسخر من مرضه بالوصف والسرد المفتوح المجنّح أحياناً نحو الشعر، وقبل الشعر يتتبع حالته المرضية تماماً، كأن لا مرافق معه في المستشفى غير الكتابة.. يقول:
«.. أقصد قسم الطوارئ، وأقول أوّل ما أدخل لمن يسألني، كما لو أنه تعريف بجنسي: أنا مريض بالقلب. وإذا ما سئلت عن الأعراض فسأذكر عرضين أو ثلاثة، فتركض نحوي الممرّضة بالكرسي المتحرك، وما إن تضع حول يدي ورقة بالاسم والرقم الصحي حتى تهرول بي نحو السرير؛ حيث ستعشعش على ظهر يدي إبرة «المغذّي» المفتوحة، ويمتلئ صدري ببقع رصد نبضات القلب الزرقاء. ويقتحم أنفي أنبوبا الأوكسجين «كإطفائيين يكافحان حريقاً..».

حائط صد

إن تحويل السيرة المرضية إلى سيرة أدبية محاولة لما يشبه الالتفاف على المرض، وبناء جدار صدّ لكل التربّص والخبث اللذين هما من طبيعة المرض.. العدوّ التلقائي للجسد، غير أن هذا الجسد الذي يجري الغدر به، هو في الواقع لا يغدر بصاحبه، فما أكثر ما تعافى المريض الفنان بالكتابة والموسيقى والغناء والرسم والحب.