أكد المهندس محمد يوسف هاجر الأمين العام للمنظمة الإسلامية في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، أن الوجود الإسلامي في القارة ليس وليد اليوم وإنما يعود إلى بداية اكتشاف القارة إلا أنه انحسر وعاد من جديد من خلال الهجرات منذ قرن ونصف القرن تقريبا ووصل عدد المسلمين الآن إلى قرابة خمسة ملايين شخص وأشار إلى أن الإسلام هو الأسرع انتشارا رغم مشكلات الدعوة إلا أن القارة لا تزال أرضاً خصبة لنشر الإسلام.
وحث محمد يوسف هاجر العالم الإسلامي على وضع استراتيجية متكاملة لدعم الدعوة الإسلامية بدلاً من حالة النسيان الحالية حيث يتعاون مع الأقلية الإسلامية فيها إلا في ما ندر، وأكد أن الحوار الجاد مع اتباع الأديان في القارة يعد إحدى الوسائل الناجحة في التعريف بالإسلام وتفنيد ما يثار حوله من شبهات يرددها الإعلام نقلا عن الإعلام الأوروبي والأمريكي، موضحاً أن الجالية العربية التي تسكن القارة لعبت دوراً في الحوار والتعاون العربي اللاتيني ومناصرة دولها للحقوق والقضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وفي ما يلي الحوار الذي أجرته معه الخليج:
5 ملايين مسلم يعانون نقص المعرفة والدعاة المتخصصين
في البداية ما هي الأهداف التي تم من أجلها إنشاء المنظمة التي تتولون قيادتها؟
تمثل هذه المنظمة الإسلامية 33 دولة من أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي وأمريكا الوسطى وقد تأسست في بداية التسعينات وتعتبر حاليا الممثل الرسمي والوحيد الذي يمثل المسلمين في تلك المنطقة وكل عام نقوم بتنظيم مؤتمر في كل دولة من دول الكاريبي أو أمريكا اللاتينية وقد نجحت جهودها في زيادة أعداد المسلمين الجدد الذين يمثلون الآن 60%. والاستفادة من التشريعات في مختلف الدول التي تحمي الحرية الدينية في إقامة المؤسسات والشعائر ونحن نطالب من يمثلون الإسلام في أمريكا اللاتينية أن يدرسوا كيف يتعاملون مع الإعلام الغربي ومع السلطات في بلادهم.
ومن الأولويات الكبرى للمنظمة توحيد الصف المسلم في أمريكا اللاتينية بالتعاون والتنسيق مع المؤسسات الأخرى والتي تلتقي معها في المنطلقات والثوابت والأهداف وتحاول المنظمة من خلال برامج متعددة أن تحرر المسلمين في أمريكا اللاتينية من أي انتماءات قومية أو حزبية أو غير ذلك ونسعى جاهدين لنرقى بالمسلمين فوق كل العصبيات.
قبل اكتشاف القارة
يظن كثيرون أن الوجود العربي والإسلامي في القارة اللاتينية حديث نظرا للبعد الجغرافي فمتى بدأ هذا الوجود؟
الوجود الإسلامي في أمريكا اللاتينية يرجع إلى وقت اكتشاف أمريكا ذاتها وهناك بعض الآثار الإسلامية التي يعود تاريخها إلى ما قبل وصول كولومبس إلى الساحل الأمريكي وتؤكد الدراسات التاريخية الموثقة أن الإسلام دخلها منذ اكتشافها في القرن الخامس عشر مع العبيد الذين تم جلبهم من شمال وشرق إفريقيا واستقروا في العديد من دولها خاصة البرازيل وفنزويلا وكولومبيا. وكان المسلمون يمثلون الأغلبية الساحقة من العبيد الذين أرغموا على ترك دينهم تحت التهديد والتعذيب وبالتالي انحسر الوجود الإسلامي فيها ثم حدثت هجرات ثانية في القرن السادس عشر وبعد تحرير العبيد الذين هاجروا إليها مع أبنائهم من جديد بالإضافة إلى هجرات أخرى من مسلمي شرق آسيا وخاصة الهند ثم حدثت هجرات عربية وإسلامية خلال الفترة 1850 1860 حيث تمت موجة هجرة مكثفة من ذوي الأصول الشامية خاصة السوريين واللبنانيين الذين استقروا في الأرجنتين والبرازيل وفنزويلا وكولومبيا والباراجواي في حين استقرت الهجرات من فلسطين وبنغلاديش وباكستان في تشيلي وكولومبيا. وكانت الهجرة الأخيرة المكثفة في الخمسينات من القرن الماضي وزادت في السبعينات إلى البرازيل وكولومبيا وغيرها.
مشكلات أساسية
وكم عدد المسلمين في القارة.. وما هي مشكلاتهم؟
حسب آخر الإحصاءات فإن عدد المسلمين في أمريكا يصل إلى خمسة ملايين مسلم منهم في الأرجنتين أكثر من 700 ألف مسلم وفي البرازيل أكثر من مليون ونصف المليون وموزعين في بقية دول القارة بدرجات مختلفة وساعد على استقرارهم وتعاونهم وجود أوجه من التشابه بين دول أمريكا اللاتينية، فمثلا ينقسم المسلمون لقسمين مهاجرين ومواطنين أصليين تجمعهم لغة واحدة هي الإسبانية باستثناء البرازيل التي تتكلم البرتغالية وهي قريبة جدا من الإسبانية وبالتالي لا تشكل عائقا للاتصال، فضلاً عن تشابه أحوالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتتمثل مشكلاتهم الأساسية في عدم معرفة الدين معرفة صحيحة وتراجع الاهتمام بالثقافة الإسلامية ونتج عن ذلك إهمال بعضهم للعبادات والتقليد الأعمى للعادات السائدة رغم مخالفتها للإسلام ويتواكب ذلك مع عدم الاهتمام بتعليم لغة القرآن وعدم توافر المصادر الإسلامية للمعرفة وعدم توفر الدعاة المؤهلين الذين يتكلمون الإسبانية ويعرفون كيفية التعامل مع عادات وتقاليد البلدان المقيمين فيها وفقدان البرامج الخاصة بالشباب والأطفال المتعلقة بالتوعية الدينية وعدم توافر المنشآت التعليمية الدينية والعربية بشكل كافٍ وعدم وجود الكوادر المهيأة والمدربة على التصدي للإعلام المغرض ودحض افتراءاته خاصة وانه يظهر في الإعلام المحلي من وقت لآخر من يتطاول على المسلمين والإسلام.
رغم هذه المشكلات تؤكدون أن الإسلام هو الأسرع انتشاراً بقوته الذاتية، فكيف يتم هذا؟
رغم أن غالبية سكان القارة من المسيحيين فإن قادة المسيحيين اعترفوا لي بأن أعداداً كبيرة منهم هجروا الكنيسة واعتنقوا مذاهب وأديانا أخرى من بينها الإسلام الذي جذبهم إليه الجانب الروحي والعملي، ولهذا سرعان ما يعلنون إسلامهم فور تعريفهم بالإسلام وتزويدهم بمصادر المعرفة الإسلامية باللغة الإسبانية وعلى رأسها ترجمة معاني القرآن الكريم وكتب السنة النبوية ولهذا فإنه رغم كل ذلك فقد حققت الدعوة الإسلامية تقدما ملموسا نتج عنه زيادة في أعداد المسلمين وإنشاء المزيد من المؤسسات والمنظمات الدعوية والتعليمية وزيادة فعالية الصحوة وتقوية الانتماء إلى الإسلام حتى أن عدد المسلمين الجدد يقارب عدد المسلمين المهاجرين بسبب التعاون بين الجمعيات والمراكز الإسلامية المختلفة في أمريكا الجنوبية ودول الكاريبي للتخفيف من العقبات التي تعترض العمل الدعوي، فالاسلام فعلاً هو الأكثر انتشاراً في أمريكا اللاتينية.
حلقة وصل
تعد الجالية العربية والمسلمة حلقة وصل بين الوطن العربي وقارة أمريكا اللاتينية فما هو الدور الذي تقومون به في هذا المجال؟
علاقتنا طيبة بكل دول أمريكا اللاتينية التي يوجد فيها عرب ومسلمون ولهذا فإن مساعينا في أن نكون حلقة وصل نجحت لدرجة أن المؤتمر السنوي الذي ننظمه كل عام في دولة يحضره ممثلون عن رئاسة الجهورية ويتم توجيه كلمة باسم الرئاسة فضلا عن حضور العديد من الوزراء وقد أثمر ذلك تأييد الشعوب والحكام في القارة للحقوق العربية.
هوية الأقليات الإسلامية في خطر خشية الذوبان في مجتمعاتها فكيف تحافظون على هذه الهوية في القارة اللاتينية؟
نحن نؤمن بأن حماية الهوية الدينية أو الهوية الوطنية لشعب من الشعوب أو جماعة من الجماعات لا تمر عبر صفقات بل اللجوء إلى التربية السلمية لأجيالنا ووضع القيم والمُثل في موضع التطبيق السليم فهذا هو سلاحنا حيث ننشئ مؤسسات التعليم والتربية الإسلامية التي تغرس هذه الهوية في نفوس النشء وفي نفس الوقت نشجع على إقامة الأسر المسلمة عن طريق التشجيع على الزواج بين المسلمين لأن في هذا حماية لشبابنا من الزواج بغير المسلمات مما يجعل مستقبل الأجيال في خطر وفي نفس الوقت نحمي عفة بناتنا بتوفير الزوج المسلم بدلا من تقليد ما يحدث في مجتمع لا يقدس الزواج ونعمل على ربط أجيالنا بجذورها أو الدول التي هاجر منها الآباء والأجداد.
إعمال العقل
يؤكد البعض أن الحوار بين الأديان بدأ يفقد جدواه لأنه لم يحقق شيئا على أرض الواقع؟
أحيانا ما يكون إبقاء الوضع على ما هو عليه إنجازا وأنا اتفق جزئيا مع من يرون الحوار بين الأديان القائم بين المؤسسات الدينية قد بدأت طاقته بالنفاد وتراجعت قوته الدافعة لاعتماد الأطراف المتحاورة على مرجعياتها العقدية ولما كانت الأمور العقيدية غير قابلة للتفاوض فإن الحوار اتجه نحو المساحات العقيمة ولكن الحوار الدائر بين المفكرين المنتمين إلى مختلف الثقافات سلك مسلكاً مغايراً فاعتمد على مرجعية العقل في التعاون بمعزل عن العقيدة لأن الالتزام بالعقيدة لا ينفي البحث عن اعمال العقل والتواصل الإنساني من أجل خير الإنسان أما حوار مؤسسات المجتمع المدني فهي بدورها تتجه نحو التقارب طالما كان الإنسان هدفها. ومن خلال عملي في مجال الدعوة في بلاد غير إسلامية أؤمن تماما بأن الحوار هو السبيل الوحيد للتفاهم بين الثقافات، وإذا كان القرآن الكريم قد أورد ما دار بين الله تعالى وبين إبليس كي يغرس في ضمائرنا أن الحوار لا يستغني عنه حتى مع ألد الأعداء. ولابد أن تكون لغة الحوار ودية وصريحة حتى يصل الحوار إلى هدفه وقد حذرنا القرآن في كثير من الآيات من استخدام الألفاظ المسيئة لأن ذلك مدعاة لإحباط عملية الحوار ونسف التفاهم المشترك.
وصفتم دعاة الصراع بين الأديان والحضارات بأنهم يمثلون المدرسة الشيطانية فما هي خطورة هذا التيار على البشرية؟
هذه المدرسة لن تتوقف عن المؤامرات العالمية للوقيعة بين البشر ولن تهدأ إلا إذا أشعلت الحروب ونشرت الفتن وقضت على المخالفين لها في الدين والحضارة فمن أنصارها صموئيل همجنتون والذي فصل في كتابيه صراع الحضارات ومن نحن؟ ما تدعو إليه المدرسة الشيطانية ففي كتابه الأول الذي كتبه قبل أحداث سبتمبر دعا فيه إلى بدء نوع من المواجهة بين الغرب والإسلام أما في كتابه الثاني فإنه يحرض العرق البريطاني من مواطني الولايات المتحدة ضد المواطنين والمقيمين فيها من غير ذلك العرق ومن لا ينتمون إلى الديانة الإنجيلكية والثقافة الإنجليزية وتغذية روح التعصب القومي الأوروبي والأمريكي باللجوء إلى إهانة المُقدسات الإسلامية ورموزها أو التحريض على رفض المسلمين ولفظهم وممارسة التمييز بين المواطنين على أساس الدين.
مطالب مهمة
في النهاية ما هي مطالبكم من المؤسسات الدينية الإسلامية؟
أطالب المنظمات الإسلامية العالمية بزيادة الاهتمام بالمسلمين في أمريكا اللاتينية أسوة بباقي القارات ومساعدتنا في رد الشبهات والدعايات المغرضة لأنهم مهددون في عقيدتهم وهويتهم الإسلامية وتعميق الحوار مع المؤسسات في جميع الدول غير الإسلامية وتزويدنا بالإمكانات المادية والعينية لأننا نطمح لإنشاء فضائية إسلامية بالإسبانية والبرتغالية.
ويجب أن تدرك المؤسسات الدينية الإسلامية الكبرى أن الأقليات المسلمة أصبحت جزءا مهما من الأمة وأصبح دورها ملموسا في بعض البلدان التي ولدوا وعاشوا فيها وذلك بانخراطهم في الحياة الاجتماعية واختلاطهم وتفاعلهم في تلك المجتمعات وبالتالي يجب على المنظمات والمؤسسات الإسلامية العالمية الاهتمام بهذه الأقليات وتأصيل سبل التعاون معها واعتبارها وسيطا أو جسراً لترسيخ القيم الإسلامية وأطالب دول العالم العربي والإسلامي بزيادة المنح الدراسية لطلابنا إلى الجامعات العربية والإسلامية وتأسيس وقف إسلامي في دول أمريكا اللاتينية ومساعدتنا في إنشاء المراكز والمساجد.