لا أذكر على وجه التحديد السنة التي قرأت خلالها عبارة جان بول سارتر الشهيرة الجحيم هو الآخرون، لكن ما أذكره هو أنني توقفت طويلاً عند تلك العبارة الغامضة والملتبسة والتي لم يتيسر لي فهمها بشكل عميق إلا في مراحل لاحقة من العمر. قد تكون العبارة على الأرجح جزءاً من البرنامج الدراسي الجامعي الذي كان يتضمن فيما يتضمنه دراسة الفلسفة الوجودية التي ركزت على الإنسان واعتبرته محوراً أساسياً لاهتماماتها بدلاً من اهتمامها بالماورائيات، ومع ذلك فإن استعارة الجحيم لنعت الآخرين وتوصيفهم ظلت بالنسبة لي أمراً غامضاً ومريباً وبالغ التطرف. ربما لأن نشأتي الريفية الرومانسية دفعتني لأن أكون شخصاً عاطفياً بامتياز ولم أكن مقتنعاً بأن يكون أبي وأمي وأشقائي وأصدقائي والنساء اللواتي أحببتهن جزءاً من ذلك الجحيم السارتري المطلق.
لم يطل الأمر كثيراً بعد ذلك لكي أكتشف بعض وجوه الصواب في رؤية سارتر الى هؤلاء الآخرين. ذلك أن الذات كلما سارت أبعد على طريق تحقيق نفسها ارتطمت أكثر فأكثر بمن يناصبونها العداء ويضعون أمامها الحواجز والعراقيل، خصوصاً أولئك الذين يعملون في الحقل نفسه أو يتشاطرون المهنة الواحدة والطموح إياه. ولو ظلت الأمور في إطار التنافس الطبيعي المشروع والتسابق النزيه على الأفضل لهان الأمر ولكن البعض يخرجونها في الأعم الغالب عن هذا السياق ويذهبون بها الى حدود الخصومة والعداء ونصب الأفخاخ والأشراك في وجه الآخر الذي لا ذنب له سوى كونه منتمياً الى الحقل ذاته أو الكار إياه، وفق التعبير الشعبي. على أن هذا الجحيم ليس واحداً في أي حال بل هو مراتب ودرجات ومقامات. إذ تزداد حدته وشراسته بازدياد قيمة الشخص المعني ودرجة الذرا التي يبلغها. ليس غريباً تبعاً لذلك أن يصل الجحيم الى درجاته القصوى في حالة شاعر كبير من وزن أبي الطيب المتنبي الذي أوصله حسد الآخرين له وتربصهم به الى أن يقول في لحظة غضب وقنوط بالغين: وصرت أشك فيمن أصطفيه/ لعلمي أنه بعض الأنام.
على أن المفهوم السارتري للجحيم لم يقتصر على هذا النوع من التضاد وتبادل الضغائن بين البشر. بل إنه بتأثير بالغ من سيغموند فرويد كان يرى في الآخر، أي آخر، وجهاً من وجوه التهديد للذات الإنسانية الباحثة دائماً عن تحقيق هويتها وفرادتها الخاصتين. وهذا التهديد لا يتجسد في المنافسة المهنية والإبداعية وحدها بل في أي نوع من أنواع المواجهة بين طرفين اثنين حيث لا بد لأحدهما ولو عبر النظرات وقوة الشخصية أن يطغى على الآخر ويستحوذ عليه ويعمل على تشييئه وضمه إلى حقله المغناطيسي بالمعنى الرمزي للكلمة. لا بل ان سارتر يذهب أبعد من ذلك فيرى في الحب نفسه نوعاً من التكاذب المتبادل الذي يدفع كل طرف من الطرفين إلى اخضاع الآخر ووضعه تحت دائرة نفوذه، بمعنى أن كل شخص في الحقيقة لا يحب سوى نفسه بالذات وهو بالتالي يريد من الآخر أن يكون عاشقاً له ليتحول بدوره إلى معشوق.
كان يلزمني سنوات إضافية من الحياة لكي أكتشف من جديد أن رؤية سارتر إلى العلاقة مع الآخر هي رؤية مبتسرة وناقصة وأنها ليست الصورة الوحيدة للعلاقات بين البشر. وكان مفتاح ذلك التغير يتجسد في قول مواطنه الفرنسي رامبو أنا آخر. وإذا كان الاختزال وعدم الافصاح هو من طبيعة صاحب اشراقات وفصل في الجحيم فإن على الأمر أن لا يبذل كبير جهد لكي يكتشف عمق الرؤية الرامبوية للأمور. فالإنسان في المبدأ هو كائن اجتماعي بالضرورة وليس له، إذا كان شخصاً سوياً، أن يعيش وحيداً منعزلاً عن الآخرين. وإذا كان لهؤلاء الآخرين وجه جحيمي متصل بالغيرة والتسلط والهيمنة والاستحواذ فإن لهم وجهاً آخر متصلاً بالثراء والتنوع الانساني والمعرفي. فالآخر ليس دائماً في حالة عداء معي بل هو يكملني ويغنيني ويسهم في ثرائي الفكري والانساني في الوقت ذاته. وكلما كان هذا الآخر مختلفاً عني ومتمايزاً في الشخصية والموقف وطريقة التعبير جعلني أشعر بالامتنان له وبالرغبة في شكره لأنه قدم لي ما ينغصني وما أحتاج إليه من معرفة وفكر وابداع. والانسان بهذا المعنى لا يحتاج إلى من يشبهه لأن الشبه تكرار سقيم وتماثل مضجر، بل هو يحتاج إلى من يختلف عنه لأن الاختلاف غنىً وثراء وقيمة مضافة.
قد تكون فكرة المكتبة هي الصورة النموذجية للعلاقة بين الأنا والآخر فقيمة المكتبة وفق ما يراه بورخيس أنها لا تتشكل من كتاب واحد بل هي تضم في ثناياها وفوق رفوفها آلاف الكتب والمصنفات. وفي المكتبة ليس ثمة من كتاب مكرر بل ان كل كتاب يختلف عن الآخر بحيث يكون الاختلاف شرطاً أساسياً للتحصيل الثقافي الموسوعي. وقد تكون العلاقة بين الكتب لا العلاقة بين المؤلفين النموذج الأجمل للتجاور والتآزر والتكامل بين الكائنات والأشياء. وليس من قبيل الصدفة أن يشبه بورخيس المكتبة بالفردوس نظراً لما تضمه من مباهج المعرفة ومتع الاكتشاف ورياض الابداع. وهو ما يمكن أن يقلب المقولة السارترية لتصبح على الوجه التالي: الفردوس هو الآخرون!