تحقيق: راندا جرجس

تتألف الأوتار الصوتية من زوج من الأغشية المخاطية الممتدة عرضياً داخل الحنجرة، حيث يصدر الصوت من خلال اهتزازها عند مرور الهواء في القصبة الهوائية، والإيقاع الصادر من انفتاح وانغلاق هذه الأحبال، ولذلك فإن أي اضطراب في حركة هذه الأوتار يؤدي إلى خلل في وظيفتها، وإصابتها بالتهابات مزمنة وأمراض متعددة وربما يتطور الأمر لوجود أورام خبيثة، كما يمكن أن تؤثر في بعض أجزاء الجسم الأخرى كالتهابات الأذن، الارتداد المعدي المريئي، وفي السطور القادمة يستعرض خبراء وأخصائيو أمراض الأنف والأذن والحنجرة بعض هذه الأمراض ومسبباتها وطرق علاجها.
يقول الدكتور سامي العاصي اختصاصي أمراض الأنف والأذن والحنجرة، إن الأحبال الصوتية أعضاء خاصة توجد داخل الحنجرة، حيث توجد الطيات الصوتية وتُعرف أيضاً باسم صندوق الصوت، وهي تضم طيتين من الغشاء المخاطي، ويحميها غضروف ثابت وأربطة متصلة، وتتفاوت هذه الحبال في حجمها بين الرجال والنساء، حيث تكون ذات نغمة أخفض وطيات أكبر لدى الرجال، وتسمى مجموعة الطيات السفلية الحبال الصوتية الحقيقية، بينما يُطلق على الطيات العليا الحبال الصوتية الكاذبة، ويمكن لهذه الحبال أن تفتح وتغلق من زوايا مختلفة لتتحكم بتدفق الهواء من الرئتين إلى كامل الحنجرة، ويتم احتجاز وإطلاق الهواء الذي يمر بالحنجرة عبر هذه الحبال، ما يجعلها تهتز مُصدرة نغمات مختلفة.
يضيف: في المقابل، تعمل الحبال الصوتية الكاذبة على إغلاق الحنجرة عند البلع، ما يحمي الرغامى (القصبة الهوائية) ويمنع الطعام من الدخول إليها، وبالإضافة إلى ذلك، ترتبط الحبال الصوتية الكاذبة (إلى جانب الحجاب الحاجز وعضلات البطن) بصورة وثيقة بالقدرة على زيادة الضغط داخل البطن وهو أمر مهم لإجراء عمليات حيوية أساسية مثل التغوط والسعال، ولذلك فإن كلا النوعين يحميان الرغامى من الأجسام الغريبة التي يتم استنشاقها عن طريق الخطأ لا سيما عند الأطفال، وتشكل الحبال الصوتية فراغاً ضيقاً على طول مخارج الهواء على مستوى عال نسبياً، وهو ما يسمح للأطباء بإزالة الأجسام الغريبة المستنشقة بسهولة بالغة وبإجراءات جراحية أقل.

التهاب الأذن الحاد

يفيد د.العاصي أن التهاب الأذن الحاد هو مصطلح يُستخدم للإشارة إلى الأذن الملتهبة أو المصابة، وهو يُصنف إلى نوعين رئيسيين هما: التهاب الأذن الخارجية الحاد والذي يؤثر في قناة الأذن الخارجية (يُعرف باسم أذن السبّاح)، والتهاب الأذن الوسطى الحاد الذي يؤثر في الأذن الوسطى التي تقع وراء الغشاء الطبلي (طبلة الأذن).

أعراض شائعة

يبين د. العاصي أن هناك بعض العلامات البارزة التي ترافق النوعين وتشتمل على: الحمى، القشعريرة، ألم الأذن، والدوار، وربما تتجلى لدى الأطفال على شكل تهيج، وبكاء غير مبرر، شد الأذن، آلام في البطن، إسهال، وفي بعض الحالات يُعاني مرضى التهاب الأذن الخارجية سيلان الأذن (إفرازات تخرج من الأذن)، بينما يسبب مرض التهاب الأذن الوسطى فقدان السمع بصورة تدريجية وثقب الغشاء الطبلي إذا تُرك بدون علاج، ومن أبرز مسببات التهاب الأذن الخارجية السباحة في مسابح غير خاضعة للفلترة أو في بحيرات آسنة، وكذلك استخدام أعواد قطن ملوثة لتنظيف الأذن، بينما يحدث التهاب الأذن الوسطى نتيجة الإصابة بالإنفلونزا بصورة متكررة، أو بسبب مثيرات الحساسية مثل التدخين، التهاب الجيوب الأنفية، أو الزائدة الأنفية (لدى الأطفال).

طرق علاج التهاب الأذن

يذكر د.العاصي أن المضادات الحيوية تعد أساسية لعلاج كلا النوعين من التهاب الأذن، ففي حالة التهاب الأذن الخارجية، ربما يكون استخدام قطرات الأذن، الكريمات، المراهم المضادة للجراثيم كافياً، ولكن ربما تتطلب بعض الحالات علاجاً جهازياً، أما التهاب الأذن الوسطى فيتم علاجه عموماً باستخدام المضادات الحيوية الجهازية إلى جانب مضادات الاحتقان ومضادات الهستامين، ومن المهم أن ندرك أن استخدام المضادات الحيوية يجب أن يستمر حتى انتهاء دورة العلاج، كما ينبغي عدم التوقف عن تناول العلاج حتى تختفي الأعراض جزئياً، وتعتبر التدابير الوقائية عاملاً مهماً لمنع عودة الالتهاب، ويشمل ذلك الابتعاد عن التدخين والرطوبة أو استنشاق المواد المثيرة للحساسية، كما يجب استخدام سدادات الأذن عند السباحة في الحمامات العامّة ولاسيما خلال فصلي الخريف والشتاء.

احتقان الأوتار الصوتية

يشير الدكتور روهيت جولاتي، أخصائي أنف وأذن وحنجرة إلى أن الأحبال الصوتية في حركة دائمة، مغلقة أثناء الكلام ومفتوحة أثناء التنفس، وأي اضطراب في حركة الأحبال الصوتية يؤدي إلى خلل في وظيفتها، ويحدث الصوت نتيجة مرور الهواء خارجاً من القصبة الهوائية من خلال الأوتار الصوتية وهي في حالة إغلاق، حيث إن مرور الهواء يؤدي إلى تذبذب في الأوتار الصوتية، ما يؤدي إلى صدور الصوت، وتتمثل أعراض أمراض الأحبال الصوتية في:
* بحة أو تغير أو فقدان الصوت، بسبب عدم انغلاق الأحبال بالكامل أثناء الكلام.
* صعوبة في التنفس، نظراً لعدم فتح الأحبال الصوتية أثناء التنفس.
* مشاكل في البلع، بسبب بقاء الأحبال مفتوحة أثناء الأكل، ما يؤدي إلى تسرب الطعام والسوائل إلى مجرى التنفس.
المسببات والعلاج
يذكر د. جولاتي أن احتقان الأوتار الصوتية ينقسم إلى أكثر من نوع تختلف مسبباته وعلاجه بحسب الحالة، كالآتي:
* التهاب الأحبال الصوتية الحاد، هو الذي يحدث عادة بسبب التهاب فيروسي أو نوع من الإنفلونزا يصيب الحنجرة ويؤدي إلى تضخم في الأحبال الصوتية وضعف الصوت، وفي حالة الانتفاخ الشديد للأوتار يفقد المريض صوته كلياً.
* أورام الأحبال الصوتية: تحدث عادة عند الذين يتعرضون للملوثات البيئية، كالمدخنين.
العلاج يكون إما جراحياً وإما بالأشعة العلاجية، وكلاهما يعطي نسبة شفاء تام بين 75 و95%.
* احتقان الأحبال الصوتية المزمن، الذي يؤدي إلى تضخم في الأحبال الصوتية وخلل صوتي، يحدث لعدة أسباب، من أهمها:
* التدخين المزمن، حيث يؤدي الدخان إلى تلف شعيرات الخلايا الدقيقة وكذلك تغيير في مكونات الخلايا على الأحبال الصوتية ويحولها إلى خلايا غير طبيعية.
* الكحول والملوثات البيئية، كغبار الفوسفات والأسمنت والأسمدة الكيماوية.
* حبيبات الأحبال الصوتية، حيث تظهر عادة على جانبي الأوتار الصوتية وتسبب بحة بالصوت، والسبب هو كثرة استعمال الصوت أو الصراخ المستمر.
* كتل الأحبال الصوتية، التي تحدث أيضاً بسبب كثرة استخدام الصوت، وتكون في وتر واحد، بحجم أكبر من الحبيبات، وتختفى في بعض الأحيان بالعلاج وتخفيف استعمال الصوت والتمارين خلال أسابيع، لكن أغلب الأحيان تحتاج أن تزال عن طريق المنظار تحت البنج العام.

الارتداد المعدي المريئي

يشير د.جولاتي إلى أن من بين الإصابات التي تترافق مع التهابات الأوتار الارتداد المعوي الذي يحدث بسبب ارتداد الأحماض المعدية إلى حنجرة الصوت، خاصة في حالة النوم أو الاستلقاء، وهو ما يضعف عضلات الحجاب الحاجز، التي تمنع رجوع الأحماض من المعدة إلى حنجرة الصوت، حيث يشكو المريض من سعال مزمن واحتقان في الحلق، كما أن حوالي 20-40% من الناس يعانون داء الارتداد المريئي فهو مرض شائع جداً، حيث زادت نسبة حدوثه خلال الأعوام الماضية، وهو يصيب الجنسين بالتساوي، أما التهاب المريء الناتج عن الارتداد المريئي فيحدث عند الذكور ضعف الإناث كما أن الارتداد المريئي يحدث في كافة الأعمار وتزداد نسبة حدوثه بعد سن الأربعين، ولذلك فإن البنية الأهم في الوقاية من حدوث الارتداد المريئي هي طبقة عضلية في أسفل المريء، حيث تفتح بعد البلع ليتمكن الطعام من الدخول إلى المعدة وتنغلق مباشرة بعد ذلك لمنع حدوث أي ارتداد لمحتويات المعدة بما فيها الحامض إلى المريء وتحافظ على وضعية الإغلاق حتى يتم البلع مرة أخرى.

أسباب الارتداد

يذكر د.جولاتي أن الارتداد المعدي المريئي هو ارتداد غير طبيعي يحدث عادة نتيجة لتغييرات دائمة أو مؤقتة في الحاجز بين المريء والمعدة، وهو ظاهرة فسيولوجية تصبح مرضية مع الوقت، ومن أهم الأعراض التي ترافق الإصابة به الإحساس بالحموضة والحرقة مع طابع مستمر أو متقطع، وربما تكون الأعراض عرضية أو دائمة، تشمل الشعور بالألم خلف عظمة القص أو عسر البلع وهو عرض نادر نوعاً ما، كما يمكن أن تحاكي نفس علاماته مع أعراض مرض القلب والشعور بألم الذبحة الصدرية أو هجوم نوبة ربو شعبي.
يستكمل: هناك أيضاً أعراض تنفسية تشمل الإحساس بالاختناق وضيق التنفس في الليل، وأعراض تشبه أعراض الربو، أو ذات علاقة بالأنف والحنجرة مثل بحة الصوت والتهاب الحنجرة والإحساس بالنخر والتنمل، وكل هذه ناتجة عن ارتجاع العصارة المعدية الحمضية وتنفسها، وهذه جميعها تقود إلى آلام الصدر التي غالباً ما تسبب مشاكل تشخيصية مع أمراض القلب، كالإحساس بحرقة فم المعدة، وبشكل سائد التحسس من بعض الأطعمة التي يتناولها المريض، كما تسبب مشاكل للأحبال الصوتية أو تغير من طبقة الصوت وحدته وطبيعته.

علاج الارتداد

يبين د.جولاتي أن مرض الارتداد المعدي المريئي إذا لم تتمّ معالجته، فإن ذلك يؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة، ولهذا فإن العلاج يشمل إجراء بعض التغييرات على نمط الحياة مثل تعديل النظام الغذائي، بالإضافة إلى تناول أدوية قوية تستهدف في معظمها تخفيف كمية الأحماض الموجودة في المعدة، وفي بعض الحالات يحتاج المريض إلى الخضوع لعملية جراحية لتقوية العضلة العاصرة المريئية السفلى حتى لا تسمح بالارتجاع.

أورام الأوتار

يوضح الدكتور حبيب البيطار أخصائي أنف وأذن وحنجرة، أن وجود أورام في الأوتار الصوتية يظهر بالإحساس المفاجئ بوجود حكة في البلعوم أو ظهور تغيير في نبرة الصوت، مع الشعور بالتعب وعدم القدرة على متابعة الكلام عند استخدام الصوت لفترة طويلة، ومن أهم أسباب وجود هذه الأورام هو التدخين المزمن لفترات طويلة حيث إنه يؤدي إلى تغيير في بنية الحبال الصوتية وتناول الكحول وما يرافقه من تعرض الحنجرة إلى تخريش واحتقان شديد، أو التعرض المزمن لمواد مخرشة للطرق التنفسية، وكذلك الاستخدام الجائر والمفرط للصوت وإجهاده بالغناء بطبقات عالية، أو استخدامه لفترات طويلة دون استراحة كما في بعض المهن كالتعليم وغيره، ما يؤدي إلى وجود بحة صوت مزمنة، وعدم القدرة على استخدام الصوت بشكل مناسب، وتتحول بعض الأورام السليمة إلى أورام خبيثة، تهديد التنفس وتضيق الطريق الهوائي.

علاج الأورام

يؤكد د.البيطار أن العلاج يتم تحديده حسب نوع الحالة وشدتها ونوع الورم، ويتدرج من علاج دوائي لطيف في البداية، ثم يرتكز على استخدام الأدوية المضادة للحساسية أو المضادات الحيوية في بعض الحالات مع الانتباه إلى الراحة الصوتية، وعدم استخدام الصوت بشكل جائر أثناء الكلام، وفي الحالات المتقدمة يتم العلاج باللجوء إلى الليزر أو الجراحة المجهرية للحالات السليمة، أما في الحالات الخبيثة فربما يكون من الضروري استئصال الحبال الصوتية أو استئصال الحنجرة الكامل في بعضها، ويجب التشديد على استخدام الصوت بشكل صحي، والابتعاد عن الصراخ المزمن، وكذلك الابتعاد عن التدخين وتناول الكحول واللجوء إلى مراجعة الطبيب بأسرع ما يمكن عند ظهور بحة صوتية أو تغيير في لحن الصوت.

شلل الحبل الصوتي

يعد العصب الدماغي العاشر هو الذي يغذي الوتر الصوتي، ولذلك فإن ضعف حركة أحد الأحبال الصوتية أو أكثر يؤدي إلى اضطراب في الصوت، حيث إن إصابة هذا العصب تؤثر في حركة الحبل الصوتي، وفي حالة إصابة حبل واحد فيُنصح بعدم إجراء أي تدخل جراحي قبل مرور سنة، أما عند إصابة كلا الوترين، فالعلاج يعتمد على كون الأحبال في وضع الإغلاق أو الفتح، وفي حالة الوضع الانغلاقي فإنه يُنصح بإزالة جزء من أحد الأحبال الصوتية أو عمل فتحة بالقصبة الهوائية، وعند الانفتاح فينصح بتقريب أحد الأحبال عن طريق حقن مادة معينة بجانب الوتر الصوتي للمساعدة على إغلاقه.