أثار القرار الذي تبنته مجموعة الدول الخمس في الساحل، أو ( G5) خلال اجتماعها الأخير في فبراير/شباط الجاري في العاصمة المالية باماكو، الذي تضمن الموافقة على تشكيل قوة عسكرية مشتركة بين دول (موريتانيا، ومالي، وتشاد، والنيجر، وبوركينافاسو)، الكثير من الجدل حول طبيعة عمل هذه المجموعة، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، في ظل وجود تحالفات إقليمية مشابهة في منطقة الساحل.
تأسست مجموعة الدول الخمس في الساحل الإفريقي في 16 فبراير/شباط 2014، حيث اجتمع رؤساء موريتانيا، وبوركينا فاسو، ومالي، وتشاد، والنيجر، في نواكشوط، لإنشاء تجمع إقليمي أطلقوا عليه G5. وتركزت أهداف هذا التجمع الجديد في تنسيق «سياسات التنمية والأمن في الدول الخمس»، وقد رحبت القوى الدولية بإنشاء هذا التجمع، فوصفه رئيس هيئة الأركان المسلحة الفرنسية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2014، أنه «أفضل منتدى لتعزيز الأمن في المنطقة»، كما رحب مجلس الاتحاد الأوروبي (EU) بإنشاء هذا الإطار المركزي. وفي ديسمبر/كانون الأول 2014 أصبح هذا التجمع منظمة إقليمية ذات إطار قانوني، وتم اختيار أمينها العام النيجيري نجم الحاج محمد، وتولت موريتانيا رئاسة المنظمة في عام 2014، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2015 عقدت القمة الثانية للتجمع وانتقلت رئاسته إلى تشاد، وأسفرت نتائج القمة عن تحديد مدة الرئاسة الدورية للمجموعة بعامين، وإنشاء كلية حربية إقليمية، وإنشاء قوة عسكرية مشتركة، وشركة طيران إقليمية، وخط سكك حديدية يربط بين دول المجموعة. ورحبت المجموعة في 19 نوفمبر 2016 باعتماد خريطة طريق تحدد إطار التعاون بين المجموعة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والتعهد بالعمل المشترك لتوفير حياة أفضل للشباب.
يأخذ هذا التجمع مكانه في منطقة تعج بمبادرات مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، ففضلاً عن المبادرات الغربية، هناك العديد من المبادرات الإقليمية لمكافحة الإرهاب في هذه المنطقة، فإضافة إلى الإجراءات التي تبنتها الايكواس، وتجمع (س ص)، هناك مجموعة من أطر التعاون التي تكونت لمواجهة الإرهاب في هذه المنطقة، ومن أهمها لجنة الأركان العملياتية المشتركة التي تم إنشاؤها في إبريل/نيسان 2010 بين جيوش أربع دول (الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر)، وعملية نواكشوط التي انطلقت في 18مارس/آذار 2013 من قبل لجنة السلام بالاتحاد الإفريقي، كما أقر الاتحاد الإفريقي في يناير/كانون الثاني 2015 تشكيل قوة إقليمية مشتركة لمحاربة تنظيم بوكو حرام.
إلا أن ما يميز مجموعة الدول الخمس في الساحل، أو G5، هو الرعاية الغربية لها، ما يوفر التمويل اللازم لمشروعاتها، وكذلك لكونها مبادرة تجمع بين قضايا الأمن والتنمية في دول الساحل الإفريقي، ما يعد تنفيذاً لاستراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب في هذه المنطقة التي تعاني الكثير من أزمات التنمية في القارة.
وفي الوقت الذي تتردد فيه الدول المانحة في تقديم الدعم للجيوش الوطنية، اجتذبت هذه المبادرة العديد من المانحين، أو بالأحرى تأسست تحت رعاية فرنسية وأوروبية، فقد تكونت بدعم من فرنسا عقب قيادتها للتدخل الدولي في مالي في بداية عام 2013. وتسعى من خلال هذه المجموعة الحفاظ على نفوذها في دول الإقليم، حيث تمتلك هذه الدول الموارد المهمة مثل اليورانيوم، والذهب.
كما يعول القادة الأفارقة على التقارب مع فرنسا للاستمرار في السلطة، وتجاوز انتهاكات حقوق الإنسان، وفي يناير 2017 التقى وفد من الحكومة الأمريكية مع الأمانة العامة الدائمة لهذه المجموعة في مقرها بنواكشوط، لتعزيز التعاون بين الجانين.
وأطلقت مجموعة G5 عدة مبادرات ملموسة، بدءاً من تنظيم اجتماعات نصف سنوية بين رؤساء أركان جيوش الدول الأعضاء، والقيام بعمليات مشتركة، كما اجتمع وزراء دعم التنمية في نيامي بين 2 و6 يونيو/حزيران 2014، لاعتماد الإطار التنفيذي للمبادرات الدولية لمنطقة الساحل، وتطوير برنامج الاستثمارات ذات الأولوية (PIP) التي تقدر بأكثر من عشرة مليارات يورو، وأعلنت الجهات المانحة الدولية حشد نحو 7.6 مليار يورو لتغطية جزء من برنامج تطبيق السلام، بما في ذلك 5 مليارات من قبل الاتحاد الأوروبي.
وينظر الشركاء الأوربيون إلى G5 على أنها علامة على «الوعي الجديد» بين قادة منطقة الساحل، وهي جزء من نموذج التعاون الذي تروج له المنظمات الدولية وفرنسا الذي يربط بين التنمية والأمن، وتعزيز التعاون دون الإقليمي، والسعي لزيادة برامج الأمن والتنمية في المناطق المهملة من الدول التي ينمو فيها الإرهاب.
وعلى الرغم من موافقة القمة الثانية للمجموعة التي عقدت في نوفمبر 2015 على تكوين قوة عسكرية مشتركة، إلا أن تصاعد العمليات الإرهابية في دول الساحل خلال عام 2016، وكذلك عدم قدرة الأطر القائمة على مواجهة الإرهاب مثل دافعاً لدول المجموعة لإقرار تشكيل هذه القوة.
فعلى الرغم من توقيع اتفاق الجزائر في 20 يونيو 2015، لإرساء السلام في مالي، لا تزال الأخيرة تشكل ملاذاً للإرهابيين بما يحمل تهديدات للدول المجاورة، فخلال العامين الأخيرين تعرضت بوركينافاسو، والنيجر لهجمات واسعة، كما انعقدت القمة الأخيرة للمجموعة عقب عمليات إرهابية وعمليات اختطاف متفرقة في مالي.
وفي الوقت الذي بدت فيه بعض تحالفات مكافحة الإرهاب في الساحل عاجزة عن مواجهة الإرهاب، فلجنة هيئة الأركان المشتركة لم تنضم إلى التحالف الدولي للحرب على الإرهاب في مالي. كما تركزت أعمال القوة المشتركة لمحاربة بوكو حرام على مطاردة عناصر هذا التنظيم.
وعلى الرغم من الدور الذي تلعبه الدول الرئيسية، أو الكبرى في إفريقيا في قيادة المبادرة الأمنية المختلفة، إلا أن مجموعة G5 تميزت بعدم وجود أي من هذه القوى المهتمة بأمن الساحل الإفريقي، وتحديداً الجزائر التي تقود عملية تسوية الأزمة في مالي وليبيا ولديها قوة اقتصادية وخبرة عسكرية واسعة، وكذلك نيجيريا والسنغال.
وقد أثار تأسيس هذا التجمع حفيظة الجزائر التي بادرت بتعليق تعاونها العسكري مع موريتانيا، لأنها رأت أن هذا الإطار الجديد معبر عن الأهداف الفرنسية التي تسعى إلى خلق بيئة جديدة من التوازنات الإقليمية في الساحل تغيب عنها الجزائر، إلى أن استعادت علاقاتها مرة أخرى مع موريتانيا. كما أعرب رئيس السنغال عن دهشته لغياب بلاده عن هذا التجمع.
حيث يبدو أن إطار G5 يسعى إلى تميز دوله عن جيرانها في الشمال والغرب الإفريقي، ويبتعد عن هيمنة الدول الكبرى في إفريقيا، ومن ثم ينأى بنفسه عن التأثر بالصراعات الإقليمية، كالصراع بين المغرب والجزائر.
وقد وجهت لهذا التجمع العديد من الانتقادات، في مقدمتها خضوع دوله لفرنسا، وسعيها للحصول على الأموال، إلا أن مستقبل تجمع الساحل لا ينفصل عن القوى الفاعلة الأخرى في المنطقة، فليس المقصود أن يحل محل أطر للتعاون قائمة، كما سيتوقف نجاح هذا التجمع على قدرة أعضائه على التعاون، وتعزيز المشروعات التي بدأتها الجهات المانحة على التعاون بين دول الإقليم وسكانه.