أرسى القرآن الكريم مبادئ وقواعد التسامح وأدب الحوار الحوار بين الناس، وعلمهم كيف يتحاورون ويختلفون ويتناقشون في أدب ورقي من دون أن يحدث بينهم نزاع يفسد علاقات المودة، ويهدر فرص التواصل.. ولأن القرآن كلام رب العالمين الذي يعلم طبيعة خلقه وكيف تختلف رؤاهم ومشاربهم ومعتقداتهم وأذواقهم وما يحبون ويكرهون، فإنه لم يصادر حقهم في الاختلاف، حيث يقول في نص صريح الألفاظ والدلالة: «ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك».
لكن هذا الاختلاف بين الناس- كما علمنا القرآن الكريم- لا ينبغي أبداً أن يكون منطلقاً للصراع، ولا مبرراً للشقاق والتنابز بالألقاب، بل ينبغي أن يكون دافعاً إلى التعارف والتآلف بين الناس من أجل تحقيق ما يصبون إليه من تبادل للمنافع، وتعاون على تحصيل الأهداف الإنسانية والاجتماعية، وإثراء الحياة بكل ما هو نافع ومفيد، ومن هنا يقرر القرآن الكريم أن العلاقة بين الأمم والشعوب على ما بينها من خلافات في العقيدة والعادات والتقاليد والمصالح، هي علاقة تعارف وتعاون وتبادل للمنافع، حيث يقول الحق سبحانه: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا»، فالتعارف هو الخطوة الأولى نحو التآلف والتعاون في جميع المجالات.. وإذا كان هذا هو شأن العلاقة بين الأمم والشعوب المختلفة في العقيدة، والتي قد تتصادم مصالحها.. فما بالنا بالعلاقة بين المسلمين؟
يقول المفكر الإسلامي د. محمود حمدي زقزوق، عضو هيئة كبار العلماء ورئيس مركز الأزهر للحوار: الحوار الذي علّمنا إياه القرآن الكريم وحثنا عليه هو الحوار العقلاني الراقي، الذي يقوم على الاحترام المتبادل بين المتحاورين، ويحترم كل متحاور فيه وجهة نظر الآخر حتى لو كان رأيه مخالفاً تماماً لفكر هذا الآخر.. كما أن الحوار الذي يأمرنا به ديننا يقوم على التسامح عند الاختلاف واحترام آراء الآخرين. فالخلاف في الرأي وفي الفكر وفي الاعتقاد لا يجوز أن يفسد ما بين الناس من علاقات تعاون ومشاعر مودة ومحبة.
خلط مرفوض
ويضيف: من أبرز حقوق الإنسان التي يدعمها القرآن حق التعبير عن الرأي في مواجهة آراء الآخرين.. لكن هذه الحرية لا تعني الانفلات والخلط بين حرية الفكر وحرية الكفر.. لكنها تعني في المقام الأول تبادل الآراء المفيدة، فالإنسان كما يعطي لنفسه الحق في أن يكون له رأيه الخاص ووجهة نظره المستقلة، ينبغي أن يعطي الحق ذاته للآخرين.
ومن هنا فإنه لا يجوز للإنسان - مهما كان علمه وفكره وثقافته - أن يضيق صدراً بالآراء المخالفة لرأيه، ليس فقط في مجال الأمور الدينية أو أمور الحياة العادية، بل حتى في أمور الفكر والسياسة، فلا يجوز لطرف من الأطراف أن يدعي لنفسه أنه وحده الذي يملك الحق المطلق، وأن غيره يقف في الطرف المقابل الذي يتساوى مع الباطل.. وعلى الجميع أن يتذكر قول الإمام الشافعي وهو يجسد أرقى صور التسامح الفكري واحترام آراء المخالفين: «رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب».
ومن هنا يؤكد رئيس مركز الحوار الأزهري ضرورة أن نتخلق بأخلاق القرآن في حواراتنا ومناقشاتنا، وأن ندرك أن القرآن لم يحثنا على الحوار لنتنازع ويسفه بعضنا رأي بعض.. فالحوار الذي أرسى القرآن أسسه ليس هدفه مجرد فك الاشتباك بين الآراء المختلفة.. وإنما هدفه الأكبر إثراء الفكر وترسيخ قيمة التسامح بين الناس.
حوار.. لا شجار
ويقول د. زقزوق: يجب أن تتعلم الأجيال الجديدة من دستورها الخالد- القرآن الكريم- كيف تتحاور بدون شجار، وكيف تختلف بدون خسائر، وعلى العلماء والمفكرين والمثقفين أن يكونوا قدوة حسنة لعامة الناس في ذلك، فالواقع المؤلم أن بعضاً من المثقفين والمفكرين يمارسون إسفافاً في حواراتهم ومناقشاتهم وخلافاتهم، وكثيراً ما تحدث مشادات عنيفة تخرج بهم عن نطاق الموضوعية، وربما يتطور الأمر إلى شجار وتماسك بالأيدي بين الأطراف المختلفة في الرأي، لأن كل جانب يريد فرض رأيه بشتى السبل، ولا يقتصر ذلك على المشتغلين بالسياسة، والشأن العام فقط، بل ينسحب على شريحة لا يستهان بها من المشتغلين بالفكر والثقافة بصفة عامة. وإن دل هذا الخروج عن الموضوعية على شيء، فإنما يدل على ضحالة في الفكر، وقصور في الحجة، وفقر في المنطق.. وهذا أمر لا يليق بالإنسان الذي كرمه الله، وفضله على بقية الكائنات، وميزه بالعقل، وجعله خليفة في الأرض ليعمرها بالخير، ويملأها بالعمل، وينشر فيها قيم الحق والعدل والأمن والسلام.
الكلمة الطيبة
يقول د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الراحل - رحمه الله- في كتابه (أدب الحوار في الإسلام): لقد علمنا القرآن الكريم كيف نتحاور بأدب، ونختلف برقي، وعلينا أن نتأمل قوله تعالى: «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن».
والمعنى: قل أيها الرسول الكريم لعبادي المؤمنين أن يقولوا عند محاورتهم لغيرهم الكلمة التي هي أحسن، والعبارة التي هي أرق وألطف، وذلك لأن الكلمة الطيبة تزيد في المودة بين المؤمنين، وتكسر حدة العداوة بينهم وبين أعدائهم.. يقول الحق سبحانه: «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم».
ويضيف: لقد علمنا الحق سبحانه في العديد من النصوص القرآنية الواضحة ضرورة أن يقوم الحوار بين الناس على الصدق وتحري الحقيقة بعيداً عن الكذب والسفسطة، وساق لنا الحق سبحانه ألواناً من المحاورات التي دارت بين الرسل وأقوامهم، وبين المصلحين والمفسدين، وعندما نتدبرها نرى الأخيار فيها لا ينطقون إلا بالصدق الذي يدمغ الأكاذيب، وبالحق الذي يزهق الباطل.. والأمثلة كثيرة ومتنوعة في كتاب الله ومن بينها المحاورة التي تمت بين سيدنا موسى عليه السلام وأخيه هارون وبين فرعون «اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى» وقد تعددت صور ومراحل هذا الحوار، وانتهى بانتصار الحق على الباطل، والصدق على الكذب، والخير على الشر، والعدل على الظلم.
أدلة وبراهين
ويوضح د. طنطاوي أن القرآن الكريم علمنا أيضاً ضرورة التزام الموضوعية في الحوار عن طريق إبراز الدليل الناصع والبرهان الساطع والمنطق السليم، وهذا هو منهج القرآن الذي تجلى لنا فيما ساق من حوارات ومجادلات وخلافات دارت بين الرسل عليهم السلام وبين أقوامهم، فقد حكى لنا القرآن الكريم ما قاله قوم نوح عليه السلام وما رد به عليهم فيقول: «قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين» فيرد عليهم بقوله: «قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون».
وقوم هود يقولون له: «إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين» فيرد عليهم بقوله: «قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين».
وأعداء الحق جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من القضايا، وساق القرآن شبهاتهم بأمانة، ورد الرسول عليهم بما يقطع الشبهات، وذلك من واقع كلامهم، ومن دون أي خروج عن موضوع الخلاف بينه وبينهم.. ومن هذه الحوارات والمجادلات التي دارت بين رسولنا الكريم وأعداء دين الله قوله سبحانه: «وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون».
لا تبعية ولا تقليد
د. محمد أبو ليلة، أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر، يؤكد أن القرآن الكريم أرسى مبادئ حرية الرأي والتعبير وجعلها فريضة على الإنسان ورفض كل أشكال التبعية الفكرية والتقليد الأعمى.. لكنه يشدد على ضرورة التفرقة بين الحرية الفكرية التي جاء بها القرآن، وتلك التخاريف التي يرددها البعض تحت ستار حرية الفكر، وهي لا تهدف إلا إلى إشاعة الفوضى بين الناس.
ويوضح د. أبو ليلة أن القرآن الكريم يرفض مصادرة حق الآخرين في الخلاف والنقاش، وتؤكد نصوصه المتنوعة على ضرورة إفساح المجال أمام الآخرين للتعبير عن آرائهم من دون مصادرة لقول إنسان أو إساءة إلى شخصه.. فالقرآن يعلم كل من يتحاور ويتناقش أن يرد على المخالف له بأسلوب مهذب وبمنطق سليم، وبحرص تام على تبادل الاحترام فيما بين المتحاورين والمتنافسين والمتجادلين.
وقد ترجم فقهاء الإسلام الموقف الحضاري للقرآن من حرية الفكر والرأي والإبداع إلى سلوك عملي في أقوالهم وكل ما صدر عنهم من اجتهادات، فلم يتعال واحد منهم برأيه أو اجتهاده، بل كان التواضع هو سمة حواراتهم، والكلمات المهذبة الراقية هي أدواتهم، والوصول إلى الحقيقة هو هدفهم.
لكن هذا الاختلاف بين الناس- كما علمنا القرآن الكريم- لا ينبغي أبداً أن يكون منطلقاً للصراع، ولا مبرراً للشقاق والتنابز بالألقاب، بل ينبغي أن يكون دافعاً إلى التعارف والتآلف بين الناس من أجل تحقيق ما يصبون إليه من تبادل للمنافع، وتعاون على تحصيل الأهداف الإنسانية والاجتماعية، وإثراء الحياة بكل ما هو نافع ومفيد، ومن هنا يقرر القرآن الكريم أن العلاقة بين الأمم والشعوب على ما بينها من خلافات في العقيدة والعادات والتقاليد والمصالح، هي علاقة تعارف وتعاون وتبادل للمنافع، حيث يقول الحق سبحانه: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا»، فالتعارف هو الخطوة الأولى نحو التآلف والتعاون في جميع المجالات.. وإذا كان هذا هو شأن العلاقة بين الأمم والشعوب المختلفة في العقيدة، والتي قد تتصادم مصالحها.. فما بالنا بالعلاقة بين المسلمين؟
يقول المفكر الإسلامي د. محمود حمدي زقزوق، عضو هيئة كبار العلماء ورئيس مركز الأزهر للحوار: الحوار الذي علّمنا إياه القرآن الكريم وحثنا عليه هو الحوار العقلاني الراقي، الذي يقوم على الاحترام المتبادل بين المتحاورين، ويحترم كل متحاور فيه وجهة نظر الآخر حتى لو كان رأيه مخالفاً تماماً لفكر هذا الآخر.. كما أن الحوار الذي يأمرنا به ديننا يقوم على التسامح عند الاختلاف واحترام آراء الآخرين. فالخلاف في الرأي وفي الفكر وفي الاعتقاد لا يجوز أن يفسد ما بين الناس من علاقات تعاون ومشاعر مودة ومحبة.
خلط مرفوض
ويضيف: من أبرز حقوق الإنسان التي يدعمها القرآن حق التعبير عن الرأي في مواجهة آراء الآخرين.. لكن هذه الحرية لا تعني الانفلات والخلط بين حرية الفكر وحرية الكفر.. لكنها تعني في المقام الأول تبادل الآراء المفيدة، فالإنسان كما يعطي لنفسه الحق في أن يكون له رأيه الخاص ووجهة نظره المستقلة، ينبغي أن يعطي الحق ذاته للآخرين.
ومن هنا فإنه لا يجوز للإنسان - مهما كان علمه وفكره وثقافته - أن يضيق صدراً بالآراء المخالفة لرأيه، ليس فقط في مجال الأمور الدينية أو أمور الحياة العادية، بل حتى في أمور الفكر والسياسة، فلا يجوز لطرف من الأطراف أن يدعي لنفسه أنه وحده الذي يملك الحق المطلق، وأن غيره يقف في الطرف المقابل الذي يتساوى مع الباطل.. وعلى الجميع أن يتذكر قول الإمام الشافعي وهو يجسد أرقى صور التسامح الفكري واحترام آراء المخالفين: «رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب».
ومن هنا يؤكد رئيس مركز الحوار الأزهري ضرورة أن نتخلق بأخلاق القرآن في حواراتنا ومناقشاتنا، وأن ندرك أن القرآن لم يحثنا على الحوار لنتنازع ويسفه بعضنا رأي بعض.. فالحوار الذي أرسى القرآن أسسه ليس هدفه مجرد فك الاشتباك بين الآراء المختلفة.. وإنما هدفه الأكبر إثراء الفكر وترسيخ قيمة التسامح بين الناس.
حوار.. لا شجار
ويقول د. زقزوق: يجب أن تتعلم الأجيال الجديدة من دستورها الخالد- القرآن الكريم- كيف تتحاور بدون شجار، وكيف تختلف بدون خسائر، وعلى العلماء والمفكرين والمثقفين أن يكونوا قدوة حسنة لعامة الناس في ذلك، فالواقع المؤلم أن بعضاً من المثقفين والمفكرين يمارسون إسفافاً في حواراتهم ومناقشاتهم وخلافاتهم، وكثيراً ما تحدث مشادات عنيفة تخرج بهم عن نطاق الموضوعية، وربما يتطور الأمر إلى شجار وتماسك بالأيدي بين الأطراف المختلفة في الرأي، لأن كل جانب يريد فرض رأيه بشتى السبل، ولا يقتصر ذلك على المشتغلين بالسياسة، والشأن العام فقط، بل ينسحب على شريحة لا يستهان بها من المشتغلين بالفكر والثقافة بصفة عامة. وإن دل هذا الخروج عن الموضوعية على شيء، فإنما يدل على ضحالة في الفكر، وقصور في الحجة، وفقر في المنطق.. وهذا أمر لا يليق بالإنسان الذي كرمه الله، وفضله على بقية الكائنات، وميزه بالعقل، وجعله خليفة في الأرض ليعمرها بالخير، ويملأها بالعمل، وينشر فيها قيم الحق والعدل والأمن والسلام.
الكلمة الطيبة
يقول د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الراحل - رحمه الله- في كتابه (أدب الحوار في الإسلام): لقد علمنا القرآن الكريم كيف نتحاور بأدب، ونختلف برقي، وعلينا أن نتأمل قوله تعالى: «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن».
والمعنى: قل أيها الرسول الكريم لعبادي المؤمنين أن يقولوا عند محاورتهم لغيرهم الكلمة التي هي أحسن، والعبارة التي هي أرق وألطف، وذلك لأن الكلمة الطيبة تزيد في المودة بين المؤمنين، وتكسر حدة العداوة بينهم وبين أعدائهم.. يقول الحق سبحانه: «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم».
ويضيف: لقد علمنا الحق سبحانه في العديد من النصوص القرآنية الواضحة ضرورة أن يقوم الحوار بين الناس على الصدق وتحري الحقيقة بعيداً عن الكذب والسفسطة، وساق لنا الحق سبحانه ألواناً من المحاورات التي دارت بين الرسل وأقوامهم، وبين المصلحين والمفسدين، وعندما نتدبرها نرى الأخيار فيها لا ينطقون إلا بالصدق الذي يدمغ الأكاذيب، وبالحق الذي يزهق الباطل.. والأمثلة كثيرة ومتنوعة في كتاب الله ومن بينها المحاورة التي تمت بين سيدنا موسى عليه السلام وأخيه هارون وبين فرعون «اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى» وقد تعددت صور ومراحل هذا الحوار، وانتهى بانتصار الحق على الباطل، والصدق على الكذب، والخير على الشر، والعدل على الظلم.
أدلة وبراهين
ويوضح د. طنطاوي أن القرآن الكريم علمنا أيضاً ضرورة التزام الموضوعية في الحوار عن طريق إبراز الدليل الناصع والبرهان الساطع والمنطق السليم، وهذا هو منهج القرآن الذي تجلى لنا فيما ساق من حوارات ومجادلات وخلافات دارت بين الرسل عليهم السلام وبين أقوامهم، فقد حكى لنا القرآن الكريم ما قاله قوم نوح عليه السلام وما رد به عليهم فيقول: «قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين» فيرد عليهم بقوله: «قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون».
وقوم هود يقولون له: «إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين» فيرد عليهم بقوله: «قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين».
وأعداء الحق جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من القضايا، وساق القرآن شبهاتهم بأمانة، ورد الرسول عليهم بما يقطع الشبهات، وذلك من واقع كلامهم، ومن دون أي خروج عن موضوع الخلاف بينه وبينهم.. ومن هذه الحوارات والمجادلات التي دارت بين رسولنا الكريم وأعداء دين الله قوله سبحانه: «وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون».
لا تبعية ولا تقليد
د. محمد أبو ليلة، أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر، يؤكد أن القرآن الكريم أرسى مبادئ حرية الرأي والتعبير وجعلها فريضة على الإنسان ورفض كل أشكال التبعية الفكرية والتقليد الأعمى.. لكنه يشدد على ضرورة التفرقة بين الحرية الفكرية التي جاء بها القرآن، وتلك التخاريف التي يرددها البعض تحت ستار حرية الفكر، وهي لا تهدف إلا إلى إشاعة الفوضى بين الناس.
ويوضح د. أبو ليلة أن القرآن الكريم يرفض مصادرة حق الآخرين في الخلاف والنقاش، وتؤكد نصوصه المتنوعة على ضرورة إفساح المجال أمام الآخرين للتعبير عن آرائهم من دون مصادرة لقول إنسان أو إساءة إلى شخصه.. فالقرآن يعلم كل من يتحاور ويتناقش أن يرد على المخالف له بأسلوب مهذب وبمنطق سليم، وبحرص تام على تبادل الاحترام فيما بين المتحاورين والمتنافسين والمتجادلين.
وقد ترجم فقهاء الإسلام الموقف الحضاري للقرآن من حرية الفكر والرأي والإبداع إلى سلوك عملي في أقوالهم وكل ما صدر عنهم من اجتهادات، فلم يتعال واحد منهم برأيه أو اجتهاده، بل كان التواضع هو سمة حواراتهم، والكلمات المهذبة الراقية هي أدواتهم، والوصول إلى الحقيقة هو هدفهم.