من الواضح أن محمد عابد الجابري كبد نفسه مشاق عملية تلفيقية مجهدة قد تسر بعض الراغبين في تقديم إسلام ليبرالي حداثي لا يحمل من إسلام القرآن والسنة النبوية المشرفة الا العناوين الكبيرة، وهو بهذا قد يكون قد جنب نفسه المواجهة مع الإسلام الحقيقي حتى انطلت حيلته على بعض من كان يجب أن يكون أوعى من ذلك كالشيخ سلمان العودة الذي رأى في إنتاجه (جهداً مخلصاً لا يخلو من الأخطاء) .

ولتوضيح المقصود يسمي الجابري الإسلام المستمد من القرآن والسنة وفهم السلف الصالح والقواعد الفقهية الأصولية المعتبرة بالسلفية، وهي بتعبيره: (استقامة السلوك والتجديد في الدين والعمل من أجل المستقبل من خلال الدعوة إلى الرجوع إلى سيرة السلف الصالح) . إلا أن هذه السلفية في رأيه: (لا تناسب الأمة الإسلامية في العصر الحاضر للحفاظ على وجودها واستمراريتها، لأنها نوع من المقاومة الذاتية لأمراض داخلية ذاتية المنشأ، وقد كانت كافية وناجعة عندما كانت الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة العالم لعصرها، أعني غير مزاحمة ولا مهددة بحضارة معاصرة لها على صعيد الزمن) .

ولذلك فهو يقرر (أن النموذج الذي يجب استلهامه من أجل إعادة بناء الذات؛ ذاتنا نحن وتحصينها وتلقيحها ضد الذوبان والاندثار والاستلاب ينبغي ألا يكون من نوع النموذج- السلف الذي يُقدّم نفسه كعالم يكفي ذاته بذاته، بل يجب أن يشمل جماع التجربة التاريخية لأمتنا مع الاستفادة من التجربة التاريخية للأمم التي تناضل مثلنا من أجل الوجود والحفاظ على الوجود، وأيضاً من التجربة التاريخية للأمم التي أصبحت اليوم تفرض حضارتها كحضارة للعالم أجمع . لقد كانت السلفية كافية وفعالة وإجرائية يوم كنا وحدنا في بيت هو بيتنا وبيت لنا في الوقت نفسه، أما وقد أصبحنا جزءاً في كل فإن الطريق الوحيد لإثبات وجودنا والحفاظ على خصوصيتنا داخل هذا الكل هو طريق التعامل معه بالمنطق الذي يؤثر فيه؛ منطقه هو ولكن من مواقعنا لا من مواقع غيرنا، ومنطق الكل الذي ننتمي إليه اليوم- أعني منطق الحضارة المعاصرة- يتلخص في مبدأين: العقلانية، والنظرة النقدية . العقلانية في الاقتصادي والسياسة والعلاقات الاجتماعية، والنظرة النقدية لكل شيء في الحياة؛ للطبيعة والتاريخ والمجتمع والفكر والثقافة والإيديولوجيا . هذا في حين أن منطق سيرة السلف الصالح التي تُمثل المدينة الفاضلة في التجربة التاريخية للأمة العربية الإسلامية- كان شيئاً آخر، كان منطقه يقوم على المبدأ التالي: الدنيا مجرد قنطرة إلى الآخرة، وقد أدى هذا المنطق وظيفته يوم كان العصر عصر إيمان فقط وليس عصر علم وتقنية وأيديولوجيات) .

هكذا وبكل تسطيح يضع الجابري مفهوم السلف -الذي يعرفه تعريفا ينأى به عن الجمود-مقابل النموذج الحضاري الفعال، ويضع مفهوم الايمان مقابل مفهوم العلم والتقنية والايديولوجيات، اننا لا نرى في السلف قصورا معرفيا ولا عجزا عن الحوار مع العالم بلغته التي يفهمها، والتاريخ الإسلامي شاهد على ذلك، فمنذ أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدأت الافادة من تجارب الآخرين في تنظيم الدواوين والأمور الاقتصادية، وشهد التاريخ الإسلامي ذروات من الانتاج العلمي والثقافي والعسكري على أكتاف من لم يتجاوزوا فهم السلف للإسلام والقرآن والقواعد الأصولية، ان العقلانية التي يبشر بها الجابري هي العقلانية الحداثية الأوروبية التي تلغي من النشاط العقلي كل شيء إلا (العقل العقلاني) حسب تعبير أحد الأساتذه الكبار، والتي لا تؤمن بأي مرجعية أخرى غير العقل المتحول والمتغير والمتجاوز نفسه باستمرار، أما النظرة النقدية فنحن معها مالم تعصف بالثوابت ومالم تحتل على الإنسان المعاصر في تغليب الشك على اليقين وترجيح الظنيات على القطعيات والثقة بالافتراضات دون أية مرجحات، لقد تحولت بعض الأساطير العلمية القائمة على مجرد التخمينات إلى حقائق مسلم بها لا لشيء إلا لأنها يمكن أن تحل محل الفهم(السلفي)للإسلام أو للدين بشكل عام .