تعرضت الأمة الإسلامية، خلال السنوات الأخيرة إلى الكثير من المحن، وفي كل واحدة منها تخرج أضعف مما كانت قبلها، ولذلك زاد الطامعون فيها وفي خيراتها وثرواتها وربما في أراضيها وأبنائها. ومع زيادة ضعف الأمة الإسلامية، والذين يقحمون الدين في كل شيء، أصبح هناك أناس يفعلون الكثير من الأشياء تحت اسم الدين وهم أساساً بعيدون كل البعد عن صحيح الدين.

واللافت للنظر أن هناك حركات سياسية كثيرة ظهرت على الساحة وتدعي أنها تدافع عن الإسلام وهي ترتكب أفعالا وسلوكيات جرمها الإسلام ومنعها. بل إن الكثير من القادة العسكريين يقدمون على خوض حروب وهم متذرعون باسم الدين والدين منهم براء.

والمثير في الأمر أنك تجد كُتابا ومفكرين ودعاة إسلاميين يؤيدون مثل هذه التصرفات ويسخرون أقلامهم للدفاع عن تلك الأشياء التي يرفضها الإسلام قلباً وقالباً. حيث حذر الإسلام في القرآن الكريم، قتال المسلم للمسلم، ونهى عن ذلك وكذلك السنة النبوية المطهرة، فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يشرع في أي غزوة إلا بعد انتهاء كل السبل الدبلوماسية، وهذا مع الأعداء والكفار، فما بالك مع الدولة المسلمة؟

ومن هنا يأتي كتاب العبث بالإسلام.. في أزمة الخليج للمفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد سليم العوا والصادر عن الزهراء للإعلام العربي ليميط اللثام عن زيف إقحام الإسلام في الحروب غير المشروعة ويعطي أنموذجاً، غزو العراق للكويت. وهذا الكتاب من القطع الصغير ويضم 120 صفحة ويحتوي الكتاب على العديد من الفصول التي تتناول العبث بالإسلام، اعدلوا هو أقرب للتقوى، انصر أخاك ظالماً، مقولات مردودة، إنكار المنكر واجب، المقدسات الإسلامية، القضاء والقدر، توزيع ثروات الأمة، مسألة الجيوش الأجنبية، هل تفيد المعصية صاحبها، الغزو العراقي وتحقيق الوحدة، الإسلام وآداب المحاربين، الكبر الكاذب، ويبقى الود ما بقي العتاب.

قرن المحن

ويذكر المؤلف أنه لا يخطئ من يطلق على القرن العشرين للميلاد قرن المحن.. فلعل التاريخ كله لم يعرف في قرن واحد محناً متوالية كل منها تفوق سابقتها في الشدة، والخطورة والتأثير، أصابت أمة واحدة، كما عرف في هذا القرن من المحن التي ألمت بالأمة الإسلامية.

ولعل من أعظم المحن التي وقعت بالأمة الإسلامية، وبالعرب منها على وجه خاص، مصيبة الغزو العراقي للكويت. فلم يحدث من قبل منذ نشأت الدول الإسلامية بتكوينها الحديث في مطالع هذا القرن حتى منتصفه أن غزت دولة إسلامية دولة أخرى بغية ضمها واحتلالها احتلالاً أبدياً كما فعل العراق بالكويت.

والذي يجب على المفكرين والسياسيين وأهل الرأي الانشغال به، هو السبب الذي أدى بنا إلى الحال التي نحن عليها، ومهما فكر المفكرون وتناقش السياسيون فإن الحقيقة الظاهرة المبصرة أمامنا أن غياب الحرية، وإجهاض الديمقراطية، وعدم تمكين الشعوب العربية والإسلامية من حقها في حكم نفسها بنفسها هو السبب الحقيقي وراء أزماتنا: كلها أو جلّها.

ويؤكد الكتاب أن حكم الفرد هو السر وراء تخلف الأمة، ووراء تحريك الجيوش في الاتجاه الخاطئ، ووراء تبديد الثروات في غير ما أحل الله الانتفاع بها فيه، ووراء إقصاء تشريع السماء عن حكم الأرض، ووراء عدم تمكين الشعوب من أن تغير حكامها حين تراهم مستحقين للتغيير، أو أن تؤيدهم بحرية حين يستحقون التأييد.

حرمة الدماء

والأصل الإسلامي هنا: حرمة الدماء والأموال. ولقد بلغ حرص الإسلام على هذا الأصل أن جعل قاتل نفس واحدة كمن قتل الناس جميعاً، وأن جعل النبي صلى الله عليه وسلم حرمة الدماء والأموال كحرمة يوم الحج الأكبر، في الشهر الحرام، في البلد الحرام فقال في حجة الوداع: ... وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم فاشهد.

وأشار المؤلف إلى أن المسلمين مدعوون إلى أن يكونوا أكثر كياسة وأوعى فطنة من أن يسوقهم هؤلاء بالدين وشعاراته إلى الغفلة عن واجبهم الأول في مواجهة البغي والإثم والعدوان، وإلا فلا يلومن أحد إلا نفسه يوم تدور دائرة الباغي عليه.

ولكننا نرى العدوان العربي مشكلة وحالة بالغة الخطر، ونرى جرح ذوي القربى أشد مضاضة. ونرى غدر الشقيق أبعد إيذاء من انتهازية العدو المتربص، ومع ذلك فإن رفضنا للنتيجة لا يقودنا إلى غض الطرف عن أسبابها. إننا نرفض الأمرين معاً. ونضع على عاتق المسؤول عنهما دون مجاملة تبعة وقوعهما. وهذا وحده هو الذي يسوغه لنا واجبنا الإسلامي في بيان الحق كرهه من كرهه ورضيه من رضيه، وواجبنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان الواقع في المحظورين أخا شقيقا، أو صديقا.

ويذهب الكتاب إلى أن المسلمين كلهم مطالبون بألا يصدقوا كل كاذب، وبألا يتبعوا كل ناعب.. وإذا صدقت بعض القيادات الإسلامية لفرط حسن نيتها دعاوى النظم عن توجهاتها الإسلامية، فإن أهل الرأي والفكر عليهم أن يميزوا تماماً بين الشعب العربي المسلم المقهور، وبين القيادة السياسية الظالمة، وبغير هذا التفريق فإن الخلط سيقع حتماً في أذهان الجماهير الإسلامية بين الأولياء والأعداء، وهذا هو أقصى مراد الطغاة والجبابرة من دغدغة المشاعر الإسلامية ومحاولات تملقها.