من أبرز الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام ضده، زيفاً وكذباً وحقداً من عند أنفسهم، أنه يُصادم العلم، ولا يُعنى به، ولا يشجع أتباعه عليه. ويجعلون من أحوال بعض الدول الإسلامية دليلاً على صحة مزاعمهم وافتراءاتهم. والصحيح أن الإسلام دين العلم والتقدم والحضارة، وأن القرآن الكريم رسالة الله تعالى الخاتمة إلى البشرية كلها احتفى بالعلم، ودعا إليه من خلال تشجيع البحث والتأمل والنظر في الكون، للوقوف على حقائقه، والإفادة منها في مختلف المجالات.
يقول الشيخ محمود عبد الغني عاشور وكيل الأزهر الأسبق: «لا يزال البعض يفهم أن القرآن والإسلام شيء والعلم شيء آخر، وأن هناك ما يمكن أن يسمى تعارضًا بينهما، وهذا فهم خاطئ، فلو درسنا وتعمقنا في حقيقة ديننا نجد أنه جعل من خصائصه الأولى احترام العقل والعلم، بل الحث على العلم والدعوة إليه».

«آيات لأولي الألباب»

ويضيف في دراسة مهمة بعنوان: «منهج التعامل مع القرآن والسنة»: إنه في آيات القرآن الكريم التي تعرض مظاهر الكون ندرك أن الله سبحانه وتعالى يستحث العقول لكي تتأمل وتفكر في صنع الله، ومظاهر قدرته في خلق السموات والأرض، لتصل عن طريق التأمل والاستنتاج إلى معرفة الله والإيمان به.
ولهذا نجد كثيرًا من الآيات الكريمة التي تعرض مظاهر الكون يختمها المولى عز وجل بقوله تعالى: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»، (سورة الرعد: 4)، وقوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ»، (سورة آل عمران: 190)، وهذا أسمى تقدير للعقل والعلم، حتى أننا نجد آية كريمة تخص العلماء وحدهم بشرف معرفة الله وخشيته، قال تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ»، (سورة فاطر: 27- 28). وهاتان الآيتان الكريمتان تشملان علوم طبقات الأرض والنبات والحيوان والإنسان وقد دعتا إلى التأمل والبحث فيها والوصول إلى دقائقها ومعرفة خصائصها. وهكذا نرى أن فهم القرآن فهمًا دقيقًا يقوم على العلم، ولا يمكن أن يصادم العلم أو يحد من انطلاقه.
والله عز وجل يعلّم رسوله، كما يعلّم المؤمنين به هذه الدعوة المباركة: «وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا»، (سورة طه: 114).
فالواقع الحقيقي للمسلمين يشهد بأن الإسلام دفع العرب وكل من آمن معهم دفعة قوية إلى نهضة علمية لم يعرفوها من قبل، بل ولم تعرفها الأمم الغربية آنذاك، ويشهد كذلك بأن الحضارة الإسلامية المزدهرة إنما نشأت في ظل الإسلام ورعاية القرآن وعلى يد علماء مؤمنين بدينهم مخلصين له.

مجتمع الإيمان والعمل

ويمضي الشيخ عاشور في بيان موقف الإسلام من العلم قائلا: «إن القرآن الكريم دعا الناس إلى الإيمان، وتطهير النفس بالعبادة، ودعا إلى العلم والعمل والعدل والمشاورة، والتعاطف والتحاب والتواد والتعاون، ودعا إلى الصدق والوفاء، وإتقان العمل، وعدم الفتن، والكذب والاستغلال والغدر والنفاق، كما دعا إلى النظافة والعناية بالجسم، أي دعاهم ليكونوا أقوياء في إيمانهم وفى علمهم وعملهم، وفي أجسامهم وتفكيرهم وإنتاجهم، وأخلاقهم؛ ليقيموا بذلك مجتمعًا مؤمنًا قويًّا متماسكًا متحابًا ومتعاونًا».
«وحين نزل القرآن وسار المسلمون على هدي تعاليمه تكوّن منهم المجتمع القوي في كل نواحيه، وسادوا الدنيا وعمروها، وأوجدوا حضارة مزدهرة اقتبست منها أوروبا نهضتها الحديثة، ولم ينتكسوا إلا حين أهملوا تعاليمه وتركوها. والإسلام أقام نظامه وتعاليمه على أسس تستهدف تنشيط الروح والجسم والعقل، واحترام ذلك كله وصيانته، وصيانة الأمة من كل ما يضعف تماسكها».
ويتوقف الشيخ عاشور أمام قضية مهمة بقوله: «لا شك أن الذين نشأوا في ظل بيئة غير إسلامية، وأقاموا حياتهم على نظام بعيد عن أنظمة الإسلام، ولو في بعض نواحيه، قد يدفعهم تمسكهم بحياتهم ونظامهم إلى أن يتهموا الأنظمة الأخرى المخالفة لهم بأنها غير صالحة؛ لأنهم نظموا حياتهم على أعمال وأسس تخالف الإسلام، ويرون أنهم لو أخذوا بالإسلام في بعض أحكامه لما استقامت حياتهم».

إعجاز قرآني

ومما ينبغي أن نعلمه أن كثيراً من الاكتشافات العلمية الحديثة، جاءت كلها مؤيدة ومؤكدة لما جاء في القرآن من حقائق حول الإنسان أو الكون، مع أنه لم ينزل ليكون كتابًا علميًا يسرد الحقائق العلمية ويشرحها، بل إن ذلك جاء عرضًا وهو يلفت نظر الإنسان إلى قدرة خالقه، وإلى مظاهر الكون أمامه. ليعرف خالقه ويؤمن به.
فهناك آيات تحدثت عن تطور الجنين في الرحم، ثم جاء العلم الحديث بأجهزته وآلاته ليقرر ما تحدثت عنه الآيات قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، وذلك في قوله تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»، (سورة المؤمنون: 12 14).
وقرر القرآن أن الجنين يحاط بثلاثة أغشية، ثم جاء العلم الحديث بعد أكثر من ألف سنة فأكد هذه الحقيقة العلمية، وذلك في قوله تعالى: «يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ»، (الزمر: 6). وكثير من أمثال هذه الآيات جاء العلم الحديث ليؤكد ما قررته وسبقته فيه.