لأنه دين إنصاف، ويسعى إلى تحقيق النفع لأتباعه أيًّا كان مصدر هذا النفع، فقد حض الإسلام كل أتباعه على الاستفادة من خبرات وتجارب غير المسلمين، فالمسلم مطالب شرعاً بالاستفادة من عطاءات العقل البشري وإنجازاته، بصرف النظر عن عقيدة أصحاب هذه الإنجازات، ولذلك برزت في تاريخ الإسلام الحضاري أسماء غير إسلامية، ولقيت هذه الأسماء كل حفاوة من المسلمين، حتى صار بعضهم أعلاماً في مجالات تخصصهم العلمي.

هذا العطاء الحضاري الإسلامي- كما يقول المفكر العلمي الإسلامي د. أحمد فؤاد باشا النائب الأسبق لرئيس جامعة القاهرة - يكشف عن جانب مهم من تسامح هذا الدين، وحرصه الشديد على تحقيق التواصل المعرفي بين المسلمين وغيرهم لمصلحة البشرية جمعاء.. فعلوم المسلمين ومعارفهم ليست حكراً عليهم، ومن حق الآخرين أن يستفيدوا منها، وقد استفاد منها بالفعل أهل الحضارات الأخرى، وكانت علوم المسلمين وابتكاراتهم في عصر النهضة الأساسي الذي اعتمدت عليه أوروبا في تحقيق نهضتها، كما أن ديننا لا يحظر علينا الاستفادة من علوم ومعارف الآخرين، بل يجعل تحصيل النافع والمفيد منها وتوظيفه لخدمة مجتمعاتنا من الواجبات والفرائض العلمية، التي لا يجوز التخلي عنها بأي حال من الأحوال.

لغة عالمية

ويشير د. باشا إلى أن التعريب كان من أهم أسباب النهضة الحضارية الأولى للمسلمين، بعد أن أثبتت اللغة العربية قدرتها على الاكتساب من لغات البلاد التي فتحوها، وصيغت بها ثقافة علمية إسلامية قوية، نهل منها الغرب واستضاء بنورها في بناء نهضته الحديثة، وكان في هذا دليل قوتها وأصالتها وقدرتها على استيعاب مصطلحات التقدم المتجددة والمتزايدة، فأصبحت لغة عالمية تتسع للتعبير عن دقائق العلوم وألفاظ الحضارة، وتجعلها متاحة للثقافة والتطبيق، بعد أن نجح علماء الحضارة الإسلامية في إزالة الحواجز التي تتباعد بين لغة العلم ولغة الجماهير، ومن ثم لم يصبح العلم في العصر الذهبي للإسلام عالمياً فحسب، وإنما أصبح جماهيريا أيضاً، وكانت هذه الخطوة نقلة حضارية لم يسبق لها مثيل.

وينتهي مفكرنا العلمي الكبير إلى تأكيد أننا مطالبون الآن بخوض تجربة مماثلة لتعريب العلوم المعاصرة، ونشر الثقافة العلمية المتقدمة، بعد أن أضحى أمر التعريب من ضرورات النهضة العلمية والتقنية التي تنشدها أمتنا العربية الإسلامية لاستئناف مسيرتها الحضارية، مع تحقيق التوازن اللازم بين الوافد والأصيل. فقد أصبح النقل والترجمة بين اللغات المختلفة في عصرنا جزءاً أساسياً من التنظيم الفكري في الدول المتقدمة والدول الناهضة على حد سواء.

إنصاف الكفاءات غير المسلمة

ويتفق د. محمد نبيل غنايم، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة مع د. باشا على عظمة الموقف الإسلامي من علوم ومعارف الآخرين، ويؤكد أن التواصل العلمي والمعرفي أحد المبادئ الأصيلة والمرتكزات الثابتة التي قامت عليها حضارتنا الإسلامية، فالإسلام يدفع أتباعه دفعاً إلى «التماس المصلحة والحكمة أنى وجدوها»، كما أتاح للمجتمع المسلم أن يستعين بالخبرات العلمية والعملية للمخالفين له في العقيدة، وحض على التعامل معهم بإنصاف، ومنحهم ما يستحقون من مناصب قيادية في المجتمع الإسلامي أهّلتهم لها كفاءتهم العلمية وخبراتهم المعرفية وإمكاناتهم الشخصية.

ويوضح أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، أن إنصاف الإسلام للكفاءات العلمية غير المسلمة في المجتمع الإسلامي، يظل علامة بارزة وبرهاناً ساطعاً على عدالة الإسلام وسماحته، ورؤيته الموضوعية في التعامل مع العلوم والمعارف الحياتية، والتي هي ملك للناس جميعاً بصرف النظر عن عقائدهم وثقافاتهم.. فما ينجز من علوم ومعارف في بلد من البلاد يصبح ملكاً للناس جميعاً يستفيدون منه مع نسب الفضل لأهله والإشارة إلى مصدر هذا العلم وتوثيقه حتى لا تهدر جهود العلماء والباحثين.

ويضيف: لقد فتحت شريعتنا السمحاء الباب أمام تبادل الخبرات والمعارف الإنسانية، وحثت على الاستفادة من كل ما ينتجه العقل البشري طالما أنه لا يتصادم مع ثوابت الدين ومصالح الناس.. فكل ما يحقق مصالح الناس- كل الناس- مقبول ومشروع، والإسلام لا يقف في طريق مصلحة حقيقية للإنسان، ولدينا في شريعتنا الإسلامية قاعدة ذهبية تقول: «أينما تكون المصلحة فثم شرع الله»، ولذلك انفتح المسلمون- بفضل تعاليم وتوجيهات هذه الشريعة المتوازنة- طوال تاريخهم على التعامل مع الآخر، سواء في العلاقات الاجتماعية، أو الاستفادة بمعطيات العقل البشري في مجال الدراسات الإنسانية، أو في العلوم التقنية، أو في الاستفادة من الأطباء وكل من يملك علماً نافعاً للإنسان.

مسألة محسومة

ويمضي د. غنايم قائلاً: لقد حسم الفقهاء قديماً وحديثاً مسألة الاستعانة بغير المسلم في مواقع العمل المختلفة في البلاد الإسلامية، وأكدوا إباحة ذلك انطلاقاً من قول الحق سبحانه: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين»، وقد استعان الرسول صلى الله عليه وسلم ببعض من اليهود حتى في أكثر المواقف خطورة، وهي مواقف الحروب، وأعطاهم الرسول من غنائم الحرب ومن بيت مال المسلمين ما يؤكد عدالة الإسلام. وقد شارك صفوان بن أمية - وهو مشرك - في غزوة حنين مع جند الإسلام.. كما تولى بعض المسيحيين واليهود مناصب عامة ومهمة ومؤثرة، وعالجوا أمراء وملوكاً، وتولوا إدارة الخزائن والوزارات المهمة، وفى عالمنا العربي المعاصر تجد الكفاءات من غير المسلمين ترحيباً ربما يفوق الترحيب بالكفاءات المسلمة، وذلك لتأكيد سماحة الإسلام، ورفضه لكل صور التمييز الديني.

أنموذج رائد

ويعود د. باشا ليؤكد أن النموذج الإسلامي الرائد في التواصل العلمي والمعرفي يحتاج إليه العالم كله الآن، لتحقيق التعاون والتكامل على الوجه الأكمل في هذا الجانب المهم للبشرية كلها، ونموذجنا الإسلامي قابل للتطبيق والنجاح لكل من يأخذ به أو يسير على منواله، وذلك لأنه يرتكز في بدايات العمل به على مبدأ إسلامي أصيل، يقضي بأن الحكمة ضالة المؤمن، وعليه أن يلتقطها أينما وجدت.. وتحقيق هذا المبدأ يتطلب الانفتاح على ثقافات الأمم والحضارات المختلفة، والتفاعل معها والإفادة من علومها وفنونها ومناهجها.. وهذا لا يتأتى إلا عن طريق الترجمة باعتبارها الأساس المعرفي لأي بناء حضاري، فليس من حسن التدبير أن توجد معرفة في مكان ما، ولا يجد الناس في تحصيلها والاستفادة منها.

ويشدد د. باشا على أهمية الترجمة، ليس فقط، باعتبارها من ضروريات التحصيل المعرفي، ولكن أيضاً من حيث هي أساس منهجي لأي مشروع حضاري، حيث كانت سابقة - في التاريخ والريادة - إلى تحقيق المعادلة التي تحكم العلاقة السوية بين الثقافات العالمية الكبرى على أساس التفاعل المتبادل من جهة، مع الاحتفاظ بالخصوصيات والتمايز من جهة أخرى، ذلك أن الترجمة تمثل إحدى صور التفاعل المتبادل بين الحضارات، وعن طريقها نقل المسلمون معارف السابقين، وتعرفوا على علوم كثيرة دون أن يجدوا حرجاً في الاستعانة بعلماء وفلاسفة ومثقفين مسيحيين وصابئة ومجوس في ترجمة هذه العلوم من أصولها الأجنبية إلى اللغة العربية.

وهكذا يتضح أن الموقف الإسلامي من الحضارات الأخرى موقف واضح لا لبس فيه، فالإسلام لا يمنع أتباعه من الاستفادة من تجارب الآخرين وعلومهم وخبراتهم.. كما أنه يدعم كل وسائل التواصل العلمي والحضاري مع غير المسلمين.