الارتجاع المعدي المريئي.. التشخيص الدقيق بداية الشفاء

03:15 صباحا
قراءة 8 دقائق
تحقيق: راندا جرجس
تحدث الإصابة بمرض الارتجاع المعدي المريئي، لوجود تلف أو ضرر مزمن بالغشاء المخاطي نتيجة ارتداد غير طبيعي لحمض المعدة إلى المريء، ورجوع تلك العصارة الحمضية من المعدة إلى قناة المريء، ما يسبب التهابات تؤدي إلى ظهور بعض الأعراض المزعجة، مثل: الشعور بالحموضة، الحرقان المتكرر على الصدر، رجوع الطعام عبر المريء، أو الإحساس بعصارة مُرة تعود إلى الحلق، أو معاناة دون علامات واضحة، ما يجعل المريض يبحث عن الشفاء بين أطباء الأمراض الباطنية، الجهاز الهضمي، الصدر، القلب، الأنف، والأذن أحياناً، وفي السطور القادمة سنتعرف إلى هذا المرض وأسبابه وطرق العلاج.

يوضح الدكتور أيسم رؤوف مطر مختص الأمراض الباطنية، أن مرض الارتجاع المعدي المريئي، ينتشر في جميع أنحاء العالم، وتصل نسبه الإصابة به إلى 20٪ في بعض الدول، ويؤدي إلى تدنٍ ملموس في جودة الحياة، والحاجة المستمرة للخدمات الطبية، كما يشكل عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على ميزانيات الصحة، وينتج عن ارتداد غير طبيعي لحمض المعدة إلى المريء، بسبب تغييرات دائمة أو مؤقتة في الحاجز بين المريء والمعدة، وربما يؤدي إلى التهاب في أنسجه المريء الحساسة، التي يمكن أن تصل إلي ضرر مزمن بالغشاء المخاطي في الجزء السفلي من المريء عند مدخل المعدة، ويحدث عادة بسبب عدم الكفاءة والتراخي في عضلة المريء الصمامية السفلية بين المريء والمعدة، ووظيفتها في الأشخاص الأصحاء أن تمنع مادة الصفراء من الإثني عشر والأنزيمات وحمض المعدة، من الرجوع إلى المريء، كما يمكن أن يرجع السبب إلى ضعف طرد المحتويات من المريء أو المعدة، أو نقص في اللعاب الفمي، وهو مادة قلوية يعمل كمادة معادلة للحمض المعدي أو نتيجة أسباب أخرى.
مخاطر تؤدي للمرض
ويشير د. أيسم إلى أن هناك عدة عوامل يمكن أن تساهم في الإصابة بالمرض، ومنها:
} فتق الحجاب الحاجز بين المريء والمعدة، ما يزيد من احتمال ارتجاع المريء نتيجة عوامل الحركة والميكانيكية.
} نمط الحياة الذي يتضمن بعض السلوكيات الخاطئة، مثل: التدخين، السمنة، الجلوس في أوضاع غير صحية.
} العادات الغذائية الخاطئة، مثل: تناول الوجبات الثقيلة، وخاصة قبل النوم بفترة قليلة؛ حيث يساعد الوضع الأفقي للجسم على سيولة عصارة المعدة وخروجها قليلاً من المعدة إلى المريء.
} زيادة نسبة الكالسيوم بالدم، التي يمكن أن تزيد من إنتاج هرمون جاسترين، ما يؤدي إلى زيادة إفراز حامض المعدة.
} متلازمة (زولينجر إيليسون) التي يمكن أن تسبب زيادة إفراز أحماض المعدة؛ بسبب زيادة إنتاج هرمون الجاسترين.
} مرض تصلب الجلد والتصلب الجهازي، الذي يمكن أن يسبب اضطراباً في حركة المريء.
} متلازمة جلينارد؛ حيث إن المعدة تغرق في البطن، ما يؤدي إلى الإخلال بالحركة المعدية، وإفراز حمض المعدة.
} استخدام الأدوية، مثل: الكورتيزون ومسكنات الألم غير الاسترويدية.
} بعض الحالات الطبية مثل: الحمل أو مرض السكر تزيد من الإصابة بالمرض.
ويضيف: تم ربط بعض المسببات مع الإصابة بارتجاع المريء؛ لكن ليس بشكل قاطع، وهي:
} حصوات المرارة، التي يمكن أن تعوق تدفق الصفراء إلى الإثني عشر، ما يؤثر في القدرة على معادلة حمض المعدة.
} الإصابة ببكتيريا هليكوباكتر بيلوري، التي يمكن أن تؤدي إلى زيادة في إفراز حامض والتهاب المعدة، الإثني عشر؛ لكن العلاقة بينهما ما تزال معقدة، وتميل معظم الدراسات إلى اعتبارهما كمرضين منفصلين.
العلامات والأعراض
ويذكر د. أيسم أن مرض ارتجاع المريء تصاحب الإصابة به بعض الأعراض والعلامات مثل:
} أعراض أساسية تحدث بكثرة كالإحساس بالحموضة، (حرقة في المعدة) وسط الصدر خلف عظمة القص، وغالباً ما يبدأ في الجزء العلوي من البطن؛ حيث يتصل المريء بالمعدة، ثم يمتد إلى أعلى، والأعراض الأقل شيوعاً تشمل الغثيان وألماً بالصدر.
} أعراض غير نمطية ترتبط مع ارتجاع المريء عند الكبار، وهي: رائحة الفم كريهة، التهاب الحنجرة (بحة الصوت)، السعال المزمن، الربو، تلف الأسنان، التهاب الجيوب الأنفية، ألم الأذن، وتختلف هذه الأعراض عنها في الرضع والأطفال، ومنها التقيؤ المتكرر، السعال ومشاكل أخرى في الجهاز التنفسي، البكاء دون سبب، عدم زيادة الوزن الكافي، رفض تناول الطعام، سوء رائحة النفس والتجشؤ، وربما يشكو الأطفال من شيء واحد فقط أو عدة أعراض.
} إذا ظهرت علامات مثيرة للقلق، مثل الاضطراب في البلع (عسر البلع)، فقدان الوزن، النزف، دم في البراز (يكشف عنه كيميائياً)، أو فقر الدم (أنيميا)، فمن الضروري التوجه إلى الطبيب على الفور، وتزداد العوارض مع التقدم بالعمر لتصل إلى أقصاها بعد سن الخمسين، والجدير بالذكر أنه ليست هناك علاقة طردية بين حدة العوارض وحدة المرض، والآثار المترتبة عليه.
تاريخ المرض
ويؤكد د. أيسم أن المعرفة التفصيلية للتاريخ المرضي تعد أمراً حيوياً للوصول إلى تشخيص دقيق، وتكون إحدى الطرق اختبار العلاج لفترة قصيرة (لأسبوعين) بمثبطات ضخ البروتون (دواء يقلل إفراز الحمض المعدي)، وعند حدوث تتحسن الحالة بتناول هذا الدواء يؤكد التشخيص، كما يجب عمل الفحوص المفيدة التي تشمل:
} مراقبة الرقم الهيدروجيني للمريء بمتابعة درجة الحموضة أو القلوية في المريء لمدة24 ساعة، ويعد هذا الاختبار هو الأدق لتشخيص المرض، ويستخدم أيضاً لمراقبة استجابة المرضى للعلاج الدوائي أو الجراحي.
} الأشعة السينية مع ابتلاع الباريوم.
} اختبار قياس ضغط المريء، ويتم خلالها فحص ضغط مصرة وحركية المريء، لتقييم الأداء الوظيفي لجسم المريء.
} منظار مريئي معدي معوي، ويجرى عندما لا يستجيب المريض للعلاج، أو لديه أعراض منبهة، ويقوم الطبيب المعالج بإجراء منظار إما مرة واحدة في الحياة، أو كل 5 إلى 10 سنوات للمرضى الذين يعانون ارتجاع المريء لمدة طويلة، لتقييم احتمال وجود آثار دائمة للمرض، ويمكن أخذ خزعات خلال المنظار.
مضاعفات ووقاية
وعن مضاعفات المرض والآثار المترتبة عن الإصابة به، يبين د. أيسم أن ارتجاع المريء في بعض الأحيان يسبب إصابة المريء، وهذه الإصابات تشمل ما يلي:
} التهاب المريء الارتجاعي، وهو موت الخلايا المكونة للغشاء المخاطي للمريء، ما يسبب تقرحات في أسفله.
} ضيق دائم بالمريء نتيجة الالتهاب.
} تغيرات في خلايا الغشاء المخاطي المبطن لأسفل المريء، وهو بدوره حالة تمهيدية وتتطلب مراقبة دقيقة من قبل الطبيب.
} الإصابة بسرطان المريء.
ويضيف: للوقاية من مرض الارتجاع المريئي، يجب تجنب الأكل والنوم مباشرة، وتناول وجبات صغيرة متكررة بدلاً من وجبات كبيرة، وخاصة الأطعمة المحفزة بزيادة إفراز الحامض مثل الفواكه الحمضية أو عصيرها، والأطعمة الدهنية وكذلك التي تحتوي على كمية كبيرة من التوابل وشرب القهوة، وكذلك الامتناع عن التدخين وتجنب الملابس الضيقة حول البطن؛ لأنها تسبب ضغطاً على المعدة، ما يمكن أن يسبب ارتجاع المواد الغذائية وأحماض المعدة إلى المريء والتمتع بوزن مثالي وتجنب السمنة.
أنواع العلاج
ويوضح د. أيسم أن عدداً من مرضى الارتجاع المعدي المريئي، وخاصة أولئك الذين أصيبوا بالتهاب المريء، يحتاجون إلى مواصلة العلاج والمتابعة لفترات طويلة من جرعة الدواء التي تتيح للمريض حياة جيدة، وهناك ثلاثة أنواع من العلاج لارتجاع المريء، وتشتمل على:-
} تعديلات نظام الحياة، ففي المرحلة الأولى من علاج الارتجاع المَعِديّ المريئيّ ينصح بإجراء تغييرات في نمط الحياة، وتفيد الآراء بأن بعض الأطعمة تعتبر من العوامل التي تزيد الارتجاع، إلا أن بعض الدراسات أظهرت أنه لا يوجد أي دليل على تأثير معظم التدخلات الغذائية؛ ولكنها أثبتت التأثير الجيد لخفض الوزن الزائد، ورفع مقدمة السرير بواسطة روافع من البلاستيك أو الخشب، بحيث يرتفع الجزء العلوي من الجسم، على الأقل 15 سنتيمتراً مع تجنب الوسائد التي ترفع الرأس، كي لا تسبب ضغطاً مستمراً على الرقبة، مع تجنب تناول الطعام والشراب ما عدا الماء، قبل ساعتين من موعد النوم وتجنب الوجبات الدسمة، وارتداء الملابس الواسعة والامتناع عن التدخين؛ حيث إنه يقلل من كفاءة الصمام السفلي للمريء، وفي حالة الشعور بالأعراض يجب شرب القليل من الماء فوراً، أو تناول بطاطس مسلوقة أو الموز أو الخضراوات.
} العلاج الدوائي، الذي يناسب المرحلة المرضية لبعض المرضى مثل:
- مجموعة مثبطات مضخة البروتونات، وهي من بين أكثر الأدوية التي يتم وصفها، والأكثر فاعلية للحد من إفراز حمض المعدة، ومن المتبع إعطاء العلاج تدريجياً، ويبدأ بجرعة كبيرة في البداية، ثم يتم خفض الجرعة بعد 4 - 8 أسابيع تبعاً لمدى الاستجابة السريرية، ومن ثم الانتفال إلى الأدوية الأخرى الأقل تأثيراً، مثل: (اومبيرازول، إسومبيرازول، لانزوبرازول، بانتويرازول ورابيبرازول) مع استمرار تحسن الأعراض المرضية، ومن المهم إتاحة الوقت الكافي للعلاج؛ وذلك ليس من أجل تحسين العوارض فقط، وإنما لأجل إتمام شفاء التهاب الأغشية المخاطية للمريء.
- محصرات مستقبلات الهيستامين، التي تقلل من إفراز حمض المعدة ولها تأثير ضئيل مقارنة بالمجموعة الأولي كــ (رانيتيدين، فاموتيدين والسيميتيدين).
- مضادات الحموضة، وهي تتكون من القواعد الضعيفة (مادة قلوية)؛ حيث إن لها قابلية على التفاعل مع الحامض الموجود في المعدة، لتكوين الماء والملح، وبذلك يزيد الرقم الهيدروجيني الذي ينقص درجة الحموضة، ويقلل الارتجاع، وهناك أنواع منها يغلف الغشاء المخاطي فيفيد أيضاً كعامل مساعد على الشفاء ومنع الضرر الناجم عن ارتجاع المريء، مثل: (هيدروكسيد الألمنيوم، كربونات المغنسيوم، ثلاثي سيليكات المغنسيم).
- أدوية لتحسين حركة المريء، وهي من خلال تقوية الصمام السفلي للمريء وتسريع تفريغ المريء والمعدة كــ (ميتوكلوبراميد وموسابرايد سيترات)
- في أثناء فتره الحمل يمكن محاولة اتباع تغيير نمط الحياة، وإذا كانت التغييرات غير فعالة ينصح باستخدام مضادات الحموضة.
العلاج الجراحي
ويذكر الدكتور ياسر أمين عبد اللطيف، مختص الجراحة العامة، أن العلاج الجراحي يُعد خياراً جيداً لعلاج مرض الارتجاع المَعِديّ المريئي، ويكون المؤشر الرئيسي للجوء له، عند فشل الأنواع الأخرى من العلاجات، مع استمرار الأعراض على الرغم من تعديلات نظام الحياة والعلاج الدوائي المناسب، أو يقرر المريض الإجراء الجراحي؛ لأنه لا يستطيع أن يداوم على تناول أدوية قمع الحمض لفترات طويلة، أو يخشى آثارها الجانبية، وهنا يخضع المريض للعديد من الاختبارات الضرورية لتحديد ما إذا كانت حالته المرضية مؤهلة للجراحة، أم لا، وأهمها التنظير العلوي مع تقييم الأمراض الأخرى التي يمكن أن تساهم في الأعراض، الذي يحتوي على وضع كاميرا صغيرة من خلال الفم في الجهاز الهضمي العلوي، ما يسمح بتقييم المريء والمعدة والجزء الأول من الأمعاء الدقيقة، ويتم ذلك عادة دون تخدير، أو تحت التخدير الخفيف.
ويستكمل: الغرض من التنظير هو تقييم الأضرار ذات الصلة مثل التهاب وتآكل المريء، أو ما يسمى بالقرحة، أو حدوث تندب أو تضيق، والتغيرات في البطانة الداخلية له، ويمكن أيضاً تشخيص التهاب المعدة، القرحة الهضمية، الأورام الحميدة، العقيدات وغالباً ما يتم الحصول على عينات الأنسجة (الخزعات) من المريء والمعدة والإثني عشر خلال هذا الإجراء، وفي الغالب يتم اختبار عينات الأنسجة المعدية لعدوى تسمى بالبكتيريا الحلزونية.
تقنية نيسن
ويشير د. ياسر إلى أن العلاج الجراحي الأساسي يشمل مجموعة متنوعة من التقنيات، وتعد عملية نيسن (Nissen) الأكثر شيوعاً لعلاج الارتجاع المعدي المريئي، وتشمل إجراء يسمى التثنية، وفيه يتم لف الجزء العلوي من المعدة حول الصمام السفلي من المريء، لتقوية العضلة العاصرة المكونة للصمام، أو إعادة إنشاء صمام لمنع ارتداد الحمض، وإصلاح فتق الحجاب الحاجز، وفي كثير من الأحيان يتم إجراء هذه العملية عن طريق المنظار الفمي فقط، أو تنفيذ تقنية جراحية تسمى تنظير البطن وتستخدم في هذه التقنية كاميرا تشبه الأنبوب الضيق، والعديد من أدوات التشغيل الطويلة؛ حيث يتم إدخال الكاميرا والأدوات في البطن من خلال عدة شقوق صغيرة (أقل من 1 سم) في جدار البطن، ثم تنفيذ العملية داخل تجويف البطن، وبالمقارنة مع العلاجات الدوائية، تتفوق عملية نيسن بالمنظار؛ لأنها تعطي نتائج أفضل.

البدانة والسرطان

أشارت بعض الإحصاءات إلى أن حالات مرض ارتجاع المريء في ازدياد مستمر، وتبين أن النساء اللاتي أعمارهن أقل من 40 سنة، هن أقل عرضة للإصابة، ليصل إلى اعلى حدة ما بين 60 و 69 سنة، كما أثبتت الدراسات أن هناك علاقة وطيدة بين البدانة والسرطان،حيث إن مخاطر السرطان لدى من يعانون الوزن الزائد ترتفع بنسبة 50٪ مقارنة بذوي الوزن الصحّي، ومؤخراً تتجه الأبحاث نحو الدقة أكثر، من خلال تحديد أنواع السرطانات التي تسبّبها السمنة تحديداً، خاصة سرطان المريء.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"