عبد الإله بلقزيز

النظر إلى الاستشراق في حقبة السيطرة الاستعمارية الأوروبية، على البلاد العربية، غير النظر إليه في حقبة التحرر الوطني والاستقلال السياسي، والنضال من أجل استكمال الحلقات الاقتصادية والثقافية من ذلك الاستقلال. والاختلاف في النظر، هنا، اختلاف بمعانٍ عدة لكل منها سبب برره. لعل ثلاثة من تلك المعاني أظهرها جميعاً.

أولها أن استشراق الحقبة الكولونيالية وقد امتد زمنياً منذ مطلع القرن التاسع عشر حتى خمسينات القرن العشرين-كان سيداً، في مجال الدراسات الإسلامية، بتفوقه المعرفي والمنهجي، ونجاحه في تحديد خطوط الدراسة والبحث في ذلك المجال، وكيفية المقاربة ونوع الإشكاليات المطروقة. وهو، بهذا المعنى، يكاد أن يكون قد وضع القواعد وحدد الميادين والتخوم ل«علم» دراسات الإسلام، على نحو «نهائي» أو لا مزيد عليه. وهكذا استوعبته أجيال النهضويين العرب الأربعة التي اتصلت به أنحاء مختلفة من الاتصال (جيل البستاني، والشدياق، والأفغاني، وعبده، وجيل فرح أنطون، وجرجي زيدان، وجيل أحمد أمين، ومصطفى عبد الرازق، وطه حسين، وجيل قسطنطين زريق، وعبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، ومحمد عزيز الحبابي، وألبرت حوراني، وعبد العزيز الدوري، ومحسن مهدي...). أما استشراق حقبة التحرر الوطني والصعود القومي-أو الاستشراق في هذه الحقبة-فبدأت سيادته وجاذبيته تضمحل بالتدريج؛ لم يعد يفرض هيبته العلمية لأسباب عدة ليس أقلها استمراره، منهجياً، في أقفاصه التقليدية الضيقة من غير ما انفتاحٍ منه على الثورات المنهجية المتحققة في ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ ولم يعد يمارس تأثير الجاذبية الكبيرة في جيل جديد من الباحثين العرب إلا فيما ندر؛ كما أن الشرق المستعمر (الصيني والهندي والعربي الإسلامي) بات-في حقبة التحرر تلك- يستعيد ملكية تاريخه وتراثه القومي فيعيد قراءته وكتابته بعد أن كان «الآخر» (الأوروبي- المستشرق) يكتب ذلك التاريخ نيابة عنه، ومن منظوره -هو -ك «آخر» مختلف. لذلك لن تكون نظرة مثقفي الحداثة إلى الاستشراق هي عينها نظرة مثقفي النهضة إليه؛ فلقد اختلفت شروطها: السياسية والعلمية.

وثانيها أن استشراق النهضويين (أي الاستشراق من منظور النهضويين) عومل في الأغلب-حتى لا نقول دائماً-بوصفه مادة معرفية، وجودل منهم (حين جودل) على هذا المقتضى، وقلما اشتبه في أغراضه الإيديولوجية أو السياسية. وحتى حينما لجأ باحثون ومفكرون عرب إلى حوار الاستشراق، من موقعٍ نهضوي، للرد على ما استنكروه فيه من آراء أو مواقف، أو لتصحيح رؤى فيه إلى تراثنا وحضارتنا خاطئة، جرى ذلك على أساس اعتقاد بأن ذلك الاستشراق يوجه إساءات إلى ماضي العرب المسلمين-الثقافي والحضاري-لا إلى حضارتهم: الذي حيد أو أوشك على أن يحيد، ويختلف الأمر في استشراق الحداثيين (أو الاستشراق من منظور الحداثيين)؛ فهو، عندهم، ما كان مجرد مادة معرفية خلوٍ من أي غرض إيديولوجي- كما حسب ذلك الأولون أو كما ذهلوا عن إدراكه-وإنما كان يضمر، في معرفيته، مقداراً ما- يزيد أو ينقص -من الأغراض الإيديولوجية المتصلة إما بتأثير المواريث الفكرية القديمة المستمرة، أو بموقع النظر إلى تراث آخر مختلف من داخل أنا متمركزة على ذاتها، أو بانحياز إلى المؤسسة (والدولة) في مشروعها السياسي تجاه العالم الذي يدرسه، أو بالشعور أن عمله-كمستشرق-مشدود إلى هدف «كبير» من قبيل «مساعدة» المدروس على فهم نفسه أكثر، وعلى الانتماء إلى منظومة قيم الدارس...الخ، ولقد قرئ الاستشراق-لتلك الأسباب-بوصفه ميدان تداخل لم ينقطع بين ما هو معرفي (مدرسي، أكاديمي) وما هو إيديولوجي شديد الاتصال بأهداف وغايات ليست المعرفة منها. وهذا ما ميز موقف الحداثيين العرب منه مقارنة بسابقيهم من الإصلاحيين والنهضويين.
وثالثها أن النهضويين الذين عدوا أنفسهم، في مجال الدراسات الإسلامية، تلامذة للمستشرقين وحذوا حذوهم في النظر والدرس-لم يكونوا، لذلك السبب، نقديين تجاه الاستشراق إلا في ما ندر (الأفغاني وعبده خاصة). لذلك بدت صورته، في وعي أكثرهم، صورة العلم والمعرفة الموسوعيين والموضوعيين؛ فكانوا مبشرين بأطروحاتهم ومناهجهم، في الأغلب الأعم مما كتبوه عنهم، ومروجين لها في كتاباتهم ودروسهم الجامعية. ولم يكن صدفة أن ينصرف كثير منهم إلى ترجمة أعمال مستشرقين كثر إلى العربية (من الألمانية، والفرنسية، والإنجليزية... خاصة)، حتى إن الفترة الذهبية لترجمة نصوص الاستشراق إلى العربية كانت، من غير منازع، الفترة الفاصلة بين ثلاثينات القرن العشرين وستينياته، ونهضت بعبء كبير فيها «هيئة التأليف والترجمة والنشر»: مؤسسة النهضويين الأولى بامتياز، في حقبة الليبرالية العربية، التي كان وراء إنشائها رموز من نخبة تلك الحقبة مثل أحمد أمين وطه حسين...الخ. وفي هذا تختلف علاقة الحداثيين بالاستشراق والمستشرقين؛ فلقد كانت، بالجملة، علاقة نقدية قامت على حوار خصب مستمر مع إشكالياتهم، وأطروحاتهم، والمناهج التي توسلوها في دراساتهم، وما انطوت عليه أعمالهم من أحكام قيمة معيارية أو إسقاطية غير تاريخية. ولم تكن تلك العلاقة النقدية حصيلة انفصال الحداثيين أولا عن تراث الاستشراق، كما قد يظن، وإنما أتت في سياق اتصال أشد به من اتصال النهضويين بكتابات أساتذتهم المستشرقين. غير أنه الاتصال الذي حدث في مناخ تنامي الحس النقدي في الفكر العربي، أكثر من ذي قبل، والذي كان-هو أيضاً-من ثمرات الاتصال العميق بتيارات الفكر النقدي في الثقافة الغربية المعاصرة، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين.

التحرر الوطني من القيد الكولونيالي؛ استعادة التاريخ والتراث من الوصاية «العلمية» الاستشراقية، تنامي النزعة النقدية في التفكير، الانخراط في موجة الثورة المنهجية في ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية، في الفكر الغربي المعاصر (منذ ستينات القرن العشرين)، ثم دخول الاستشراق طور أزمته في الحقبة عينها، وبداية تبين حدود قدرته على التفاعل الحي مع الثورات المنهجية تلك...، بعض من العوامل والأسباب التي تفسر لماذا اختلفت نظرة مثقفي الحداثة العرب إلى الاستشراق عن نظرة مثقفي النهضة، لماذا تراجعت فيها معدلات التماهي والتبشير لتزيد فيها جرعة النقد، لماذا تغير النظر إلى المنتوج الاستشراقي من مادة معرفية إلى مادة مزيج من المعرفة والإيديولوجيا...الخ. لقد وقف الفريقان معاً (النهضويون والحداثيون) على الأرضية الفكرية عينها التي وقف عليها المستشرقون، لكن الأرضية تلك وسعت-عند مثقفي الحداثة-تيارات أخرى جاوزت المستشرقين، معرفياً ومنهجياً، وأعادت وضع منتوجهم في حدوده الطبيعية المتواضعة، فكان لذلك أن أوسع لهم مساحات نقدية فسيحة.

في صورة الفارق بين موقف النهضويين وموقف الحداثيين العرب من الاستشراق عامل فكري- إيديولوجي لا سبيل إلى تجاهله لفهم اختلاف زوايا النظر إلى أعمال المستشرقين، الموقع الفكري-الإيديولوجي لهؤلاء وأولئك. ينتمي النهضويون العرب، في معظمهم، إلى التيار الليبرالي، فيما ينتمي الحداثيون- في أغلبهم-إلى التيارات الوطنية والقومية واليسارية، وحتى من كان ليبرالياً منهم (من الحداثيين) ميز بين الليبرالية، كمدرسة فكرية، والاستعمار.

لم تسجل الليبرالية العربية موقفاً نقدياً من الاستعمار، ولا كانت المسألة الوطنية وقضية التحرر في أفق تفكيرها؛ ماهت بين الغرب الثقافي والغرب السياسي، ولم ينشأ في وعيها اهتجاس بقضية الاستقلال الثقافي وما يفرضه من نقد السيطرة. بل كثيراً ما وجدت نفسها تبشر بالفكر الأوروبي الحديث بعجره وبجره. ولم تكن تلك حال الحداثيين العرب؛ فقد نما وعيهم في امتداد صعود الأفكار الكبرى التحررية: الوطنية، والقومية، والاشتراكية، والعالمثالثية، والأممية...الخ، وفي مناخ ثورات فكرية صاخبة في سنوات الخمسينات والستينات، فتكون لهم من ذلك وعي نقدي حاد لم يفقد حس التمييز بين الغرب والاستعمار، بين المعرفة والسياسة، في الوقت عينه الذي ازدادت فيه معارف، المختصين منهم، عن التراث العربي الإسلامي، وعن مناهج الدرس الحديثة. وكانت النتيجة أنهم تحرروا من عقدة تفوق الاستشراق: العقدة التي لازمت النهضويين كثيراً ولم يكد أكثرهم أن يتحرر منها.