يهتم الفكر الإسلامي بترشيد السلوك الاقتصادي عن طريق مجموعة من الضوابط التي يجب على المسلم أن يلتزم بها في هذا سلوكه الاستهلاكي كي يكون هذا السلوك رشيداً، وهذه الضوابط تمثل فيصلاً في الحكم على رشد السلوك أو غيه، فإذا التزم بها الإنسان كان رشيداً، وإذا حاد عنها كان غاوياً .
هذه الضوابط يحصرها د . يوسف إبراهيم أستاذ الاقتصاد ومدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر في: (عدم التقتير عدم الإسراف التوسط والاعتدال الزهد) .
وقد وردت هذه الضوابط في المنهج الإسلامي كصفات للمؤمنين الصادقين، كما جاءت في شكل أوامر ونواهٍ صريحة يجب الوقوف عندها، فالله تعالى يقول: "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً" . ويقول سبحانه: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً" ويقول: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" .
ويتضح من هذه الآيات أن هناك ثلاثة مستويات استهلاكية لدى الفرد، ولدى المجتمع هي:
- مستوى التقتير الذي يقف بحجم الاستهلاك عند حد يقل عن المطلوب لبناء الجسم والمحافظة عليه في أفضل الأوضاع الممكنة للقيام بالأعباء والتكاليف .
- مستوى الإسراف الذي يصل فيه حجم الاستهلاك إلى حد يزيد على اللازم لطيب الحياة .
- مستوى الاعتدال الذي يكون حجم الاستهلاك فيه فوق المستوى الأول ودون المستوى الثاني .
ويقف المنهج الإسلامي من هذه المستويات المتوقعة لسلوكات الناس موقفاً واضحاً، إذ يحظر المستويين الأول والثاني، ويحض على تحقيق المستوى الثالث، الذي يضم العديد من أحجام الاستهلاك، وللفرد والمجتمع الحرية في الوقوف عند حجم منها، وإن كان الإسلام يفضل أعلاها، ويدعو الناس إلى التمتع بما أنعم الله عليهم من طيبات، وأخرج لهم من زينة .

التقتير المرفوض

ويعرفنا مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر بالتقتير الذي يرفضه الإسلام كأسلوب للإنفاق فيقول: التقتير هو التضييق في ما لا بد منه من النفقة، وعرفه أحد العلماء بقوله: "التضييق في ما لا بد منه ولا مدفع له مثل أقوات الأهل ومصالح العيال"، فهو يعني الوقوف بحجم الاستهلاك عند حد أقل من الحجم اللازم للوفاء بضرورات الحياة، مع القدرة على الوفاء بها، وهو سلوك محرم إسلامياً بنص الكتاب والسنة، لأن الإسلام يهدف إلى إشباع الحاجات الحقيقية للفرد والمجتمع، بما يحفظ على الإنسان إنسانيته، ويبني طاقاته .
ومن هنا أوجب الإسلام على المسلم - كما يقول د . إبراهيم أن يمارس الاستهلاك وأن يشبع حاجاته التي أقرتها الشريعة، ويعتبره عاصياً إن لم يمارس الاستهلاك في حدوده الواجبة بالقدر الذي يحفظ عليه إنسانيته وطاقاته الفعالة، فهو سبحانه القائل: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"، ففي هذه الآية الكريمة أمر واضح للإنسان بأخذ زينته كما يأمره بالأكل والشرب، فإن لم يفعل كان مخالفاً للأمر بالأكل والشرب وأخذ الزينة، الممثل بها لكل حاجات الإنسان المباحة، بل جاء النهي صريحاً عن التقتير في قوله تعالى: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً"، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم" .

ظلم مزدوج

ومن هذه النصوص ندرك أن هناك حداً أدنى من الاستهلاك هو الذي يقوم بالشخص ويفي بحاجاته وحاجات من يعول، ولا يصح أن يعيش الفرد تحته طالما أنه قادر على تحقيقه، فإن فعل فقد ارتكب إثم التقتير، لأن التقتير والحياة في ظله مع القدرة على تجاوزها ظلم للنفس، وظلم للمجتمع . أما النفس فلأنه يحرمها مما هي في حاجة إليه، ويعوقها عن أداء وظائفها المنوطة بها في الحياة .
أما ظلم المجتمع فلأنه يؤدي إلى نقص الطلب الفعال فيه، حتى يوقعه في الكساد، ويلقي به إلى التهلكة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا" . كما أن التقتير يخل بقدرة الأفراد على القيام بواجباتهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومن ثم فعلى الفرد والمجتمع أن يرفعا مستوى الاستهلاك إلى ما فوق الحد الذي يفي بما يراه الخبراء لازماً لبناء الأفراد، وحسن تنشئتهم وحسن قيامهم بواجباتهم . ومن ثم فإن معيشة الكثير من أفراد الشعوب الإسلامية، تحت خط الفقر تمثل جريمة تتحمل الحكومات الراعية لشؤونهم وزرها، إذ السعي إلى رفع مستوى معيشة الشعوب فرض لازم .
ويؤكد د . يوسف إبراهيم أن "عدم التقتير" يحقق أهدافاً اقتصادية يسعى إليها الإسلام، حيث يحول دون تدني الاستهلاك إلى الحد الذي يهدد حياة الجماعة، عندما يصيبها في طاقاتها الفعالة ممثلة في الأفراد الأقوياء بدنياً ونفسياً وفنياً .
بيد أن هذا الحجم ليس هو المتوقع في المجتمع، وليس هو المسموح به فقط، فليس كل الأفراد يكتفون بالحد الأدنى، كما أن الإسلام يدعو إلى تجاوزه والتمتع بطيبات الحياة، ومن ثم فسيرتفع حجم الاستهلاك عن هذا المستوى ونكون في حاجة إلى ضابط يحول دون تنامي هذا الحجم إلى المستوى الضار بالفرد والمجتمع فجاء الحث على عدم الإسراف .

الإسراف المنبوذ

ويوضح رئيس مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر أن الرشد الاستهلاكي الذي دعا إليه الإسلام يقوم أيضا على "عدم الإسراف"، وهو يعني تجاوز الحد في كل شيء، وفي اصطلاح الاقتصاديين المسلمين، يعني تجاوز الحد في الإنفاق الاستهلاكي مطلقاً، أو التجاوز في الإنفاق على غرض دون غرض، أي الإخلال بالتوازن في الإنفاق على مختلف الأغراض، وقد قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: "ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" إن المراد لا تزيدوا على قدر الحاجة، وقال الفخر الرازي: "السرف مجاوزة الحد في التنعم، والتوسع في الدنيا وإن كان من حلال"، ومن هذا يظهر لنا أن الإسراف في مضمونه الاقتصادي يعني تجاوز الحد في استهلاك المباحات، والاستجابة لرغبات النفس، التي لها أصل مشروع، الأمر الذي يخرج بالشخص عن حد الاعتدال والتوسط . وبما أن الدخل محدود، فغالباً ما يترتب على الإسراف في جانب التقتير في جانب آخر، وهو ما يعني سوء التدبير كأحد السلوكات الاستهلاكية الخاطئة، عندما لا يوزع الإنسان دخله على الأغراض المختلفة بما يتناسب وأهمية كل غرض .
والإسراف كما يقول د . صبري عبد الرؤوف أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر محرم في الإسلام لنفس الأسباب التي حرم من أجلها التقتير فكلاهما ظلم للنفس وتحطيم لقدراتها، وإن اختلفت الوسيلة، كما أن كليهما إهدار للموارد الاقتصادية، وإن كان التقتير يؤدي إلى الكساد فإن الإسراف يقود إلى التضخم، وكلاهما شر يجب أن نتجنبه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة"، قال الصنعاني: دل الحديث على تحريم الإسراف في المأكل والمشرب والملبس والتصدق، وعزا إلى البغدادي قوله: إن الإسراف في كل شيء مضر بالجسد، ومضر بالمعيشة، يؤدي إلى الإتلاف فيضر بالنفس .

إهدار لنعم الله

وهكذا يتضح لنا أن الإسلام يضفي على الإسراف في كل شيء صفة التحريم القاطع، حيث جاء النهي عنه مقروناً بالمأكل والملبس والمشرب، ومقروناً بالصدقة، ومطلقاً عن التقييد بشيء، مما يعني تحريمه في كل شيء، قال تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا"، وقال تعالى: "وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"، وقال تعالى: "ولا تطيعوا أمر المسرفين . الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون" . فعلى المسلم إذاً أن يتجنب الإسراف في شتى صوره في المأكل، والملبس والمشرب والصدقة، والترفيه، وسائر الأغراض المشروعة، لأن الإسراف يعني تبديد الموارد وإضاعة الثروات في غير نافع، وهو في الوقت نفسه أكبر دافع للقوى الاقتصادية في اتجاه التضخم الذي يحطم الثروات النقدية، فالإسراف في ذاته تبديد وتحطيم للثروات، وفي ما يؤدي إليه من تضخم تحطيم لبعض الثروات، من أجل هذا فإن أهم ما فسرت به إضاعة المال التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم هو الإسراف .
ولكيلا يقع المسلم في شرك الإسراف، عليه أن يكون ذا وعي اقتصادي وذا يقظة استهلاكية، تحميه من أن يقع في الاسترسال في الاستجابة للرغبات والشهوات، وذا إرادة قوية تجعله يصمد أمام شتى المشتهيات مستجيباً في ذلك لأمر الله تعالى أولاً، ولمصلحة بدنه ونفسه ثانياً، ولحسن تربية أهله ثالثاً، يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: "إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت" .
ولقد رأى سيدنا عمر رضي الله عنه أحد أصحابه بالسوق يحمل شيئاً في يده فسأله: ما هذا؟ فقال لحم اشتهاه أهلي: ثم رآه في اليوم التالي على نفس الحالة فسأله: ما هذا؟ فقال لحم اشتهاه أهلي: فقال عمر: أو كلما اشتهيتم اشتريتم؟ أما تخشى أن تكون ممن قال الله فيهم: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها" .
وهكذا نرى أن التمادي في استهلاك المباح حتى يصل إلى الحد غير المعقول لا يصح أن يقع من مسلم، وينبغي ألا يحدث في مجتمع يلتزم بهدي الإسلام في الاستهلاك .