الاساطير كثيرة، لكن ليس من بينها أن السودان أول دولة في العالم تمارس الانتخابات، أو على الاقل هذا ما تؤكده وثائق تاريخية وأثرية، تعرض لها فيلم وثائقي في دورة تدريبية للصحافيين حول تغطية احترافية للانتخابات، فعدا أن بلاد النوبة كما هو معروف من أقدم الحضارات في العالم، فان المملكة المروية تعد زاخرة بتجارب انسانية منذ العام 530 قبل الميلاد، فقد مارست المملكة خاصية اختيار الحكام في تلك الفترة حيث كان يتم اختيار الحكام بطريقة ديمقراطية رغم بساطتها، وفي الفترة من 900 إلى 350 قبل الميلاد جرت تلك الانتخابات بواسطة مسائل دينية وأسرية فيتم اختيار انسب شخص، ودائماً ما يكون ابن اخت الملك المتوفى أو أخاه الاصغر، بعد اجتماع الحاشية ورجالات العائلة المالكة ورجال الجيش، ويدخل البعض إلى معبد الإله آمون فيشير عليهم بفلان كأنسب شخص لشغل المنصب ومن ثم يعودون إلى الاجتماع والتشاور واعلان اسم الملك الجديد.
عندما مات الملك امليكتي تم اختيار اخيه اخمني بذات الطريقة وكان ذلك في الفترة من 598 إلى 593 قبل الميلاد، وقد جاءت تفاصيل هذا الانتخاب في لوح من القرانيت يسمى لوح الانتخاب وجد في العام 586 ميلادية في جبل البركل شمالي السودان، ونقل إلى متحف القاهرة، وقد حكي ذات اللوح عن الملك اسبيليتا اعظم ملوك المرويين، وقد اشارت قصص الانتخابات على اللوح بالهيروغلوفية إلى اخيه ابيرماري الذي تم انتخابه من قبل ضباط الجيش الذين كانوا آنذاك في المملكة، ويكشف الفيلم الوثائقي أن الانتخاب حق موروث منذ القدم، اشارت اليه كتب المؤرخين وخصوصاً إبان فترة حكم الملك ثيودوس الذي انتخب من بين شيوخ المملكة، وكذلك جيوجس النوبي مارس هذه العادة، وتكشف صور ملونة اختلاف الالوان والسحنات آنذاك ما يؤكد أن اللون لم يقف عائقا امام انتخاب شخص ما، كما في بعض الحضارات الاخرى، هكذا يؤكد المؤرخون حيث قال احدهم وهو هيرودوس انه في العام 48 إلى 40 قبل الميلاد اتضح أن معبد الشمس والمائدة التي امامه وبها الوان مختلفة تشير إلى ذلك، واضاف أن ملوك مروي كانوا منتخبين رغم بساطة العملية الانتخابية، لكنها عدت اول تجربة انسانية في العالم أي في العام 900 قبل الميلاد، جاءت بعدها تجربة اليمن في العام 600 قبل الميلاد بقصة الشورى المشهورة في القرآن وكانت الحضارتان تعبدان الشمس حتى اعتمدت الشورى بدخول الاسلام.
يقول الدكتور حسن الترابي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتشاور مع اصحابه ويتداول حول من يحكم واستمر الامر من بعده في انتخاب عثمان وعلي حيث كان هناك عدد من المرشحين، ولاحقا جاءت الهيئة التأسيسية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتخبوا احداً ثم بعد ذلك تجاذبوا بين اثنين وانتخبوا أحدهما، فكانت تلك اول انتخابات لأن الحضارة الغربية كانت تعيش في ظلام القرون الوسطى، ثم جاءت ثورة النبلاء وتدرجت حتى مرحلة النضوج في القرن الثامن عشر برغم أن التجربة كانت محصورة بين اصحاب المال والنفوذ والقاعدة الدينية لكنها ايضا تشبه الاحزاب وتشبه الديمقراطية. وفيما يتعلق بالسودان يختصر الترابي الأمر بقوله ما يحدث هو ما كسبت ايدينا.
صلاح عمر الصادق الخبير الدستوري يرى أن عيوب الديمقراطية البريطانية هي الصفوية والتقاليد والاعراف وبعدها عن أهل الأرض الاصليين حيث لا يتصور المرء أن يأتي احد الاقليات مهما كانت مؤهلاته ومهما كان الرضا عنه ليتسلم منصب رئيس الوزراء رغم أن النظام يعتبر ديمقراطياً وعادلاً، والمعروف أن الديمقراطية هي حكم الشعب للشعب ومن اجل الشعب لكن مجلس اللوردات لا ينتخب بل يورث وماتزال الوراثة متحكمة ومتأصلة فيه رغم دوره الكبير في الحياة السياسية البريطانية، ويشير الصادق إلى أن الانجليزي لا يحفل بالانتخابات كثيراً ويعتبر يوم الانتخاب يوماً عادياً وربما يعود ذلك إلى برودهم الشهير، لكن الانتخابات في امريكا تجد زخماً كبيراً ولها مؤشرات ديمقراطية.
ويرى مختصون في شأن الانتخابات انها تعني تفويض الشعب للحكومة في ادارة الدولة لأن الناس كلهم لا يستطيعون أن يحكموا وتقوم على الاقتراع الشعبي العام المباشر وهو الاحق بتكوين البرلمانات، ومن بينهم الخبيرة البرلمانية صفية حسن دياب التي قالت إن أحداث انتخابات 1984 التي افضت إلى الجمعية التشريعية وجدت معارضة واغتيل المبدأ، وقال اسماعيل الازهري لن ندخلها ولو جاءت مبرأة من كل عيب، ولاحقا الانتخابات التشريعية كانت ضعيفة لاختلاف الناس حولها ويقول البعض إن المجالس التشريعية كلها افرزت نظاما تنفيذياً ضعيفاً غير فعال لذا كانت تعقبها انقلابات، فالديمقراطية الاولى انتهت إلى حكم عسكري، وبعد فترة ثانية قصيرة جاء انقلاب عسكري، وخلصت دياب إلى أن اسباب سقوط حكوماتنا المنتخبة هي الممارسة الهشة والضعيفة للديمقراطية.
الرقابة على الانتخابات
ويرى الدكتور جلال الدين محمد أحمد الخبير الدستوري، أن الانتخابات تقوم على العدالة والحرية والنزاهة، وقد أضيف أخيراً مبدأ الشفافية باعتبار أن العدالة يجب أن تكون ممارستها دائماً في العلن وليس في الخفاء، وعليه فيمكن القول أن لا سرية اطلاقاً في كل مراحل العملية الانتخابية الا في بطاقة التصويت وفي حق المواطن في أن يمارس عملية التصويت من دون توجيه او ضغط أو اكراه، وان يختار من يمثله بحرية، وعليه تكون السرية لازمة في التأشير على بطاقة التصويت.
وتحقيقاً لمبدأ الشفافية، يقول احمد، كان لابد من اتاحة الفرصة للجهات المعنية لممارسة الرقابة حتى يتأكد الجميع بأن العملية في مجملها تتسم بالشفافية والحيدة والنزاهة والعدالة. ويشير إلى انواع متعددة للرقابة على الانتخابات في بعض الحالات قد يكون للاحزاب السياسية ممثلون في لجنة الانتخابات وهذا قد يشكل نوعاً من الرقابة الذاتية من هذه الاحزاب، ولكن في الغالب الأعم أن تكون الجهة المسؤولة عن الانتخابات جهة محايدة بعضوية مستقلة عن الاحزاب وهنا يمكن أن نتحدث عن الانواع المختلفة للرقابة على الانتخابات.
أما الرقابة الرسمية فحسب احمد هي الدور الذي يقوم به الجهاز القضائي المحايد في ضبط العملية الانتخابية في خطواتها المختلفة وما يتيحه من حق التقاضي لكل المشاركين، كما نقصد بها أيضاً رقابة الأجهزة الأمنية التي تكفل الاداء الانتخابي بطمأنينته من دون تأثير أو تدخل مباشر. بيد أن احمد يشير إلى أهم رقابة وهي الرقابة الشعبية التي يكفلها مبدأ الشفافية في الانتخابات فليس هناك أي سر في العملية الانتخابية الا حق الناخب في الاقتراع من دون أن يطلع احد على رغباته والسرية المقصودة هنا هي سرية بطاقة الاقتراع أما ما دون ذلك من وثائق من قبل الناخبين والمرشحين ونتائج الانتخابات وغيرها فهي حق مشاع للاطلاع لكل من يود ذلك، وعدم السرية هنا يتيح للكافة الرقابة الحرة. وهناك جانب آخر من الرقابة هي رقابة العدول ويقصد بهم اشخاص يتم تعيينهم بواسطة جهاز الانتخابات من بين ذوي الخبرة والنزاهة والحكمة من شرائح المجتمع المختلفة كالمحالين على المعاش من القوات النظامية والخدمة المدنية والقضاة وغيرهم من البعيدين عن العمل السياسي وهؤلاء يمكن أن يقوموا بالرقابة على خطوات العمل الانتخابي ويقدموا من الملاحظات ما يساعد الجهاز الانتخابي في اداء عمله، وذلك من دون أن يتدخلوا مباشرة في ادارة الانتخابات وقد يرفعون تقاريرهم في نهاية العمليات الانتخابية والتي يمكن أن يستفاد منها في تصحيح المسار وتجنب الاخطاء في كل انتخابات قادمة.
وتأتي رقابة منظمات المجتمع المدني كحق أصيل يجب أن يكفل لمنظمات المجتمع المدني باشكالها المختلفة مثل منظمات حقوق الانسان وكل المنظمات ذات الصلة ويجب أن يتاح لها القدر المناسب الذي يساعدها على القيام بعملها من دون تأثير عليها، وطبقا لأحمد فان هذه المنظمات تشكل عيناً ساهرة على صحة العمليات الانتخابية وعلى كفالة حقوق الافراد ناخبين ومرشحين.
ثم اخيراً الرقابة الدولية مثل المنظمات الدولية والاقليمية والامم المتحدة والاتحاد الافريقي والجامعة العربية والاتحاد البرلماني الدولي، إلى غير ذلك من المنظمات الدولية الرسمية والاهلية، ومثل هذه الرقابة تقوم على معايير وأسس عالمية متعارف عليها وتكفل الشفافية اللازمة والمصداقية المطلوبة، كما أنها تساعد في تدريب الكوادر العاملة في الانتخابات وفي توفير المراقبين الدوليين المشهود لهم بالدراية والكفاءة. وتساعد ايضاً على نقل التجارب الانتخابية بين الدول المختلفة واتاحة رصيد وافر من المعرفة والخبرة للدول خاصة دول العالم الثالث. ويؤكد احمد أن ممارسة الرقابة واتاحة الفرصة كاملة للمراقبين بمختلف انواعهم هي الضمانة الأكيدة على أن العملية الانتخابية تتم بالصورة الأمنية والمحترمة.
انتخاب رئيس الجمهورية
والمستهدف بالانتخابات السودانية المقبلة هو اختيار رئيس الجمهورية وفقاً للقانون والنظم التي تضعها المفوضية القومية للانتخابات والتي من بينها أهلية رئيس الجمهورية، والتي من بينها أن تتوفر في المرشح للمنصب شروط عدة أهمها أن يكون سودانياً بالميلاد، وان يكون سليم العقل، وألا يقل عمره عن أربعين عاماً، وأن يكون ملماً بالقراءة والكتابة، وألا يكون قد أُدين في جريمة تتعلق بالأمانة أو الفساد الأخلاقي. وبالتالي يجوز لأي ناخب مؤهل ترشيح من يراه مناسباً لمنصب رئيس الجمهورية، ويجب أن يزكي المرشح عدداً من الناخبين المؤهلين يحدده القانون، ويكون المرشح لمنصب رئيس الجمهورية الذي يحصل على أكثر من خمسين بالمائة من جملة أصوات المقترعين في انتخاب رئيس الجمهورية، هو الرئيس المنتخب. وعندما يتعذر انتخاب رئيس الجمهورية لأي سبب حسبما تقرره المفوضية القومية للانتخابات وفقاً لقانون الانتخابات، يتعين على المفوضية تحديد موعد جديد لإجراء الانتخاب بأعجل ما تيسر، شريطة ألا يتجاوز ستين يوماً بدءاً من اليوم الذي كان مقرراً فيه إجراء الانتخابات، وهناك نقطة مهمة وهي أن يستمر رئيس الجمهورية شاغل المنصب، رئيساً بالوكالة، لحين إجراء الانتخابات المؤجلة وتمتد فترته تلقائياً لحين أداء الرئيس المنتخب اليمين الدستورية. ويكون أجل ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات تبدأ من يوم توليه لمنصبه، ويجوز إعادة انتخابه لولاية ثانية فحسب. وثانياً تستهدف الانتخابات تكوين الهيئة التشريعية القومية من المجلسين الوطني والولايات.
مفوضية الانتخابات
وفي خصوص آخر، يقول الدكتور محمد بشارة دوسة رئيس المفوضية القومية للانتخابات انها الجهة الوحيدة التي تتولى إعداد السجل الانتخابي العام ومراجعته سنوياً، وتنظيم انتخابات رئيس الجمهورية ورئيس حكومة جنوب السودان والولاة والهيئة التشريعية القومية ومجلس جنوب السودان والمجالس التشريعية الولائية والإشراف عليها وفقاً للقانون، وتنطيم أي استفتاء وفقاً لهذا الدستور والإشراف عليه.
ولا يغفل قانون الانتخابات رئيس حكومة جنوب السودان، حيث ينص القانون على أن ينتخب مباشرة من قبل مواطني جنوب السودان وفقاً للدستور الانتقالي لجنوب السودان، وتُجرى الانتخابات وفقاً للأحكام المقررة من قبل المفوضية القومية للانتخابات، وان يكون أجل ولاية رئيس حكومة جنوب السودان خمس سنوات تبدأ من تاريخ توليه مهام منصبه، ويجوز إعادة انتخاب ذات الرئيس لولاية ثانية فحسب، وفي حالة خلو منصب رئيس حكومة جنوب السودان، ولحين اختيار رئيس آخر عن طريق انتخابات تُجرى خلال ستين يوماً، وأدائه اليمين، يتولى نائب رئيس حكومة جنوب السودان مهام رئيس حكومة جنوب السودان لحين شغل المنصب.
تقرير مصير الجنوب
وتحتدم في هذا السياق قضية تقرير المصير لجنوب السودان، حيث يقر القانون هذا الحق بأن يكون لمواطني جنوب السودان الحق في تقرير المصير من خلال الاستفتاء لتحديد وضعهم المستقبلي ويجرى قبل ستة أشهر من نهاية الفترة الانتقالية، استفتاء بإشراف دولي لمواطني جنوب السودان تنظمه مفوضية استفتاء جنوب السودان بالتعاون مع الحكومة القومية وحكومة جنوب السودان. وملخصه أن يصوت مواطنو جنوب السودان إما لتأكيد وحدة السودان بالتصويت باستدامة نظام الحكم الذي أرسته اتفاقية السلام الشامل وهذا الدستور، أو اختيار الانفصال.
جيل الانترنت
والجديد في قانون الانتخابات للعام 2008 أن الانقاذ - يقصد الحكومة الحالية - كانت تنافس بنفسها في الانتخابات الماضية وغيرها كان يقاطع، الآن كما يقول الدكتور محمد احمد سالم رئيس هيئة تسجيل الاحزاب التوالي سابقاً، هناك منافسة قوية وسط اهتمامات مختلفة لشريحة الناخبين وهم الجيل الجديد الذين يحق لهم التصويت كل من بلغ 18 عاما وهم جيل يصعب الدخول عليهم بالخطاب القديم، ويشير إلى نكتة توضح الأمر، وهي، أن شابا سئل عن الازهري وخليل فقال الاول صينية دوار والثاني محطة، والازهري طبعا هو اسماعيل الازهري الذي رفع علم السودان ويلقب بابو الاستقلال وخليل هو عبدالله خليل أول رئيس وزراء سوداني، والأخير اطلق اسمه على محطة مواصلات، والأول يقبع دوار كبير امام منزله اتخذ اسمه.
والجديد ايضا في هذه الانتخابات كما يشير سالم أن النسبة القديمة 52 بالمائة للمؤتمر الوطني و28 بالمائة للجنوب و20 لبقية الاحزاب صارت الآن في مهب الريح، ما يدفع الجميع للتنافس.ويشير سالم إلى اهتمام اقليمي ودولي كبير خصوصاً دول الجوار مع اختلاف الأجندة. وحتى الآن يحق ل37 حزبا الدخول للانتخابات باعتبارهم مسجلين وتجري عملية التسجيل للبقية حتى اليوم الخامس من الشهر المقبل مايو/ايار كفرصة أخيرة لا يحق بعدها لأي حزب المنافسة في الانتخابات إذا لم يسجل اسمه.
زخم قديم متجدد
وحتى الانتخابات التي ستسجل كأهم حدث سوداني خلال العام المقبل، سيكون الرئيس الحالي أو خلفه هو الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة السودانية. ويكون الرئيس الحالي للحركة الشعبية لتحرير السودان أو خلفه هو النائب الأول للرئيس، فضلا عن تقلده منصب رئيس حكومة جنوب السودان ومنصب القائد الأعلى للجيش الشعبي لتحرير السودان. وستبرز خلال الفترة المقبلة اسئلة كثيرة مثل من هم المرشحون؟ وأين سجل الناخبين؟ هل أوراق الانتخاب متوفرة بكمية كافية وبنفس العدد بالنسبة لكافة المرشحين؟ هل توجد سرية الانتخاب؟ هل يقع التأكد من هوية الناخب قبل قيامه بعملية الانتخاب؟ هل يوقع الناخب في السجل؟ هل تمارس ضغوط على الناخب؟ هل تقدم إلى المكتب أشخاص تحمل بطاقة انتخابهم رقم المكتب لكنهم لم يجدوا أسماءهم فيه؟ هل هناك من لم يتمكن من أداء واجبه الانتخابي نظرا لانتهاء الوقت واغلاق المكتب؟ كيف ينتخب الأميون والمعوقون؟ كل تلك الاسئلة واجوبتها هي وقود الزخم الانتخابي الذي سينغمس فيه السودانيون حتى النخاع خلال الاشهر الستة المقبلة، ولا غرو في أهمية الأمر، خاصة والتاريخ يؤكد كما سلف انهم أول من مارس هذه العملية.