في إحد مقالاته كتب الشاعر الراحل ممدوح عدوان يدعو الشعراء العرب إلى أن يكتبوا شعراً رديئاً، معلناً أن التفكير في شعرية الكتابة وجودتها ومعاييرها الجمالية هو مجرد ترف غير ضروري أمام انتفاضة أطفال الحجارة . عندما طرحنا في الخليج الثقافي سؤالاً: كيف عبر الأدب العربي الراهن عن الانتفاضة الفلسطينية؟ لم نكن نتصور أن يدور النقاش حول ثنائية الفعل/ القول، بمعنى أن البعض ذهب إلى أن الفعل الرمزي للتمرد/ الانتفاض/ الغضب، أجدى من أي قول إبداعي، ولم نكن نتصور مرة ثانية أن تمتد هذه الثنائية إلى معايير الإبداع الداخلية، فالبعض الآخر تخوف من طغيان الانفعال بالحدث الأمر الذي ينتج في النهاية إبداعاً حماسياً تغيب عنه شروط الكتابة الجيدة .

ربما تكون الساحة الثقافية العربية متفردة بمثل هذه النقاشات، فنحن لم نعرف ثقافة أخرى تفصل بكل هذا الاصرار بين الفعل والقول، ولا نعرف أيضا كيف صمت الأدب العربي طوال كل هذه السنوات عن التعبير عن فعل مؤثر كالانتفاضة؟ ربما باستثناء بعض القصائد الشعرية، ولا نعتقد أن هناك تناقضاً بين الانفعال بالحدث والإنتاج الإبداعي المميز، إلا من قبيل إبراء الذمة .

يقول الناقد الأدبي د .عبد المنعم تليمة إن الانتفاضة تعني قيام الشعب المنتفض لتحرير نفسه ضد مغتصب الأرض، بعيداً عن الأنظمة الحاكمة، فهي لها الحق في المشاركة لكن أساس الانتفاضة هو الحركة الشعبية بقيادة منظمات ديمقراطية شعبية تحمل أهدافا محددة، وهذا التنظيم هو ما يجعلها تختلف عن التمرد لأن العصر الحديث لا يعرف الخروج الفردي .

ومن أهم شروطها أن يفرز الشعب هذه القيادات باختياره، وفلسطين بحاجة لقيام انتفاضة ثالثة الآن لأن مؤسساتها التي أصبحت رسمية فتح وحماس تدخل في مواءمات مع النظام العالمي وتقدم تنازلات، وقد وقع الاثنان في مأزق، ولا سبيل أمام الشعب الفلسطيني إلا إلى انتفاضة ثالثة يصاحبها وجود قيادات شعبية خارج هذه الحسابات .

وعن العلاقة التي تربط الأدب بالانتفاضة يشير د .تليمة إلى أن الأدب العربي منذ القرن التاسع عشر هو في الأساس أدب مقاومة يرتبط بالنهضة والانتفاضة، لأن الأديب الحقيقي هو الذي يحمل قضية ولا يتحول إلى بوق في أيدي النظام، مضيفاً أن الأدب ارتبط بالنهوض العربي التحرري، مؤكداً استمرار هذا حتى الآن بدليل ما لاحظه في الوقت الحالي من ميل الشعراء والكتاب الشباب إلى تقديم أدب مقاوم يعبر عن هم عام، وليس له علاقة بالإعلام الرسمي التابع للنظام وليس من بينه قصائد منعزلة أو ذاتية .

ويضيف د . تليمة، لا شك أن أدباء وشعراء فلسطين استطاعوا التعبير عن الانتفاضة بشكل رائع وعلى رأسهم محمود درويش وسميح القاسم ومريد البرغوثي، وأدباء الأقطار العربية أيضاً كانوا أعضاء حقيقيين في التعبير عنها وليسوا مجرد متجاوبين، فالأدب هو الذي يرقى بالانتفاضة ويؤرخ لها ويحمل قيمها العليا ويرسخها في الوجدان .

الروح الجديدة

تشير الناقدة الأدبية فريدة النقاش إلى أن مفهوم الانتفاضة يعبّر عن أنها حالة احتشاد شعبي في مواجهة عدو أو من أجل قضية معينة، وليست مجرد مسألة مزاجية تخص شخصاً بمفرده، فهي حالة جماعية تعبّر عن قطاعات كبيرة من المجتمع وصلت إلى مرحلة الذروة وكان هذا سبباً في انطلاق الانتفاضة الأولى في فلسطين .

وتضيف: لكني لا أؤيد حاليا الدعوة لقيام انتفاضة جديدة ثالثة في فلسطين، لأن الانتفاضة لها شروطها التي تقوم عليها وعوامل مساعدة لها تطلق شرارتها وهو ما لا يتوافر حالياً وبالتالي فإن قيامها في ظل هذه الظروف سيكون بلا معنى لأن الانتفاضة لا تنطلق بناء على قرار وإنما حالة عامة .

وتوضح أن الانتفاضة الأولى كانت بالفعل نموذجا في الاحتشاد والتنظيم وطول النفس وكانت أهميتها وقوتها تكمن في كونها عملا غير مسلح وهو ما أفزع العدو إلى حد كبير، لأن الأدلة الواقعية تقول إنه في ميدان القتال المسلح ترجح كفة العدو لأن إسرائيل مدججة بكافة أنواع الأسلحة ولا قبل للشعب الفلسطيني بمواجهة هذه الترسانة بقتال مسلح تقليدي، لذا لابد من وجود حلول بديلة وبالتالي فإن الانتفاضة الأولى في 1987 هي الأهم على الإطلاق لأنها ابتكار فلسطيني عربي في محاولة لإيجاد حل للتعامل مع ظروف اختلال التوازن العسكري لشعب صغير في مواجهة دولة استعمارية مدججة بالسلاح .

أما فيما يتعلق بتعبير الأدب العربي عنها فترى فريدة النقاش أن دور الأدب كان محدوداً وأننا حتى الآن ما زلنا في انتظار أعمال كبيرة تعكس الروح الجديدة التي كانت سبباً فيها هذه الانتفاضة، مؤكدة أنها لا تستطيع أن تتذكر أعمالاً مميزة استطاعت بالفعل التعبير عن الانتفاضة، لأن المفارقة هي أن الانتفاضة في حد ذاتها كانت عملاً مميزاً على مستوى عالٍ والتعبير عنها من أصعب ما يمكن، وتحتاج إلى وقت طويل حتى تظهر أشكال من الإبداع تضع نفسها على مستوى الحدث، من وجهة نظري هذا لم يحدث حتى الآن، ولم يتعد الأمر أكثر من بعض القصص الفلسطينية القصيرة، ولكني لم أقرأ أو أشاهد عملاً مسرحيا يمكن أن يعبّر عن هذا المستوى اللافت للانتفاضة .

ويقول الكاتب قاسم مسعد عليوة إن الانتفاضة تقوم بعد كمون، وهي عبارة عن فعل جماعي، يجاوز الدوافع الفردية ويعلوها، تقوم به الجماهير وتسبق به طليعتها، وعادة ما تكون الانتفاضة عند النقطة التي يستحيل بعدها الصبر على المظالم أو تحملها، وهو ما تتشابه فيه الانتفاضة مع الثورة، لكنها تختلف عنها في أنها تقوم في وقت تكون فيه السلطة لا تزال قادرة على الحكم ويدها باطشة .

أما شرطا الثورة الأساسيان فهما عدم قدرة الجماهير على التحمل وعدم قدرة السلطة على الاستمرار في الحكم، بينما تختلف الانتفاضة عن التمرد بأنها ليست فعلاً فردياً كما هو الحال في التمرد، فالمتمرد ينتهج مناهج مختلفة تماماً غير تلك التي تنتهج في الانتفاضة، ومثال على هذا أن التمرد قد يأخذ شكل الانعزال بينما الانتفاضة لا تكتمل إلا بالتقاء الأفراد بالأفراد وتضامن الجموع .

ومع الإيجابيات الخاصة بالانتفاضة باعتبارها أداة ضغط لا يستهان بها، إلا أن أوارها ما يلبث أن يخمد إما بقمع السلطة أو بتأثير بعض أفرادها الذين يلوحون بقدرتهم على تمثيل المنتفضين والحديث نيابة عنهم، مضيفا أن الواقع الفلسطيني الراهن يدعو إلى قيام انتفاضة جديدة نتيجة لتصعيد سلطات الاحتلال للأمور ومحاولاتها تهويد القدس .

وبطبيعة الحال كان لفنون القول دورها في دعم الانتفاضة أو التعبير عنها، والأشعار التي صيغت حول الانتفاضة كانت من الكثرة بحيث يصعب حصرها ولا سيما القصائد العامية التي كتبها شعراء الوطن العربي كله .

ويضيف عليوة أنه على الرغم من ذلك إلا أنه لا توجد قصيدة منها باقية ومستمرة لأن هذه القصائد ليست معمرة حيث إنها وقتية تشبه قصائد المناسبات .

انخراط

يقول الناقد محمد دكروب لا بد من القول أولاً إن هذا السؤال يذكرنا بالمقال الشهير الذي كتبه الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان ودعا فيه الشعراء العرب إلى أن يكتبوا شعراً رديئاً، معلناً أن التفكير بشعرية الكتابة ومعاييرها الجمالية والفنية هو مجرد ترفٍ غير ضروري أمام انتفاضة أطفال الحجارة . لعل صرخة عدوان لا تزال صالحة للنقاش الذي من الممكن أن يدور حول التنازلات التي ينبغي أن تقدمها الكتابة أو النص الإبداعي والفني أمام حدث كبير أو مناسبة ضاغطة . هناك تسوية ما يجب على الكاتب أن يقوم بها بين متطلبات الكتابة والإبداع وبين الاستجابة الذهنية والأخلاقية والانسانية لحدث وطني وسياسي نبيل، تتم فيه المطالبة بحقوق مشروعة للشعب الفلسطيني الذي احتُلت أرضه وشُرد وعاش تحت الاحتلال الاسرائيلي الوحشي .

يستطيع الشعر، وأغلب ما كتب في الانتفاضة كان شعراً، أن يلعب دوراً مهماً في شحذ الهمم وإثارة التعاطف مع القضايا الانسانية النبيلة والعادلة والمحقة، ولكن، في المقابل، هناك صعوبة في تقبل أي قصيدة أو نص إبداعي لمجرد أن صاحبها يتعاطف أو ينصر قضية عادلة، حتى لو كانت هذه القضية بحجم انتفاضة شعب يبتغي الاستقلال والعيش بكرامة . يحفل الأدب العربي بنماذج كثيرة أكثرها وقع في فخ المناسبة، وأقلّها استطاع أن يكون مخلصاً للانتفاضة ولشعرية الكتابة في آنٍ معاً . ولكن هذا لا يعني أن هذه النماذج لم تساهم في إشعال الشارع الفلسطيني والعربي ومد الانتفاضة نفسها بحياة إضافية .

في الحالتين، نصوص الانتفاضة وإبداعاتها تنتمي إلى ثقافة المقاومة والنص المقاوم والإبداع المقاوم، وأظن أن ثقافة المقاومة، وبضمنها ثقافة الانتفاضة، هي جزء أصيل وجوهري في الكتابة والإبداع العربيين، المبدع الفلسطيني خصوصاً والعربي عموماً محكوم بالمقاومة، والسبب ببساطة أنه ينتمي إلى جغرافيا سياسية مستهدفة ومهددة تجعله منخرطاً ومتورطاً بشكل بديهي في إنجاز نص مقاوِم .

الشاعر بول شاوول يقول: أظن أن الكتابة أو أي عمل إبداعي آخر لا يمكن أن يُنجز تحت ضغط الحدث أو المناسبة، بهذا المعنى، الانتفاضة كانت حدثاً جللاً وضخماً ومؤثراً بكل المقاييس . معظم الأدباء العرب الذين كتبوا عنها وقعوا في منزلق الحماسة والانتصار للقضية الفلسطينية . مشكلتنا أن الشعر هو أول ضحايا المناسبات والأحداث الكبرى، فهو الأكثر استجابة للحماسة والغضب والدراما والغناء . البعض يرى أن على الشاعر أو المبدع ألا يكتب عن الحدث في سخونته وانفجاره الآني، وأن ينتظر حتى تنضج فكرة النص في مخيلته . والهدف من التريث واضح هنا، وهو تمكين الشاعر من الإنصات جيداً إلى صوت الشعر بالتزامن مع انصاته لصوت الانتفاضة . الشعر له حقوق والانتفاضة لها حقوق أيضاً . على الشاعر أن يبرع في المواءمة والمزاوجة بين الاثنين . أي أن يكتب شعراً حقيقياً وأن يستجيب لنبل وعدالة حدث بحجم وأهمية الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وهو ما فعله بعض الشعراء مثل محمود درويش في قصيدته الشهيرة عابرون في كلامٍ عابر، إذْ نجح بمهارةٍ مدهشة في الجمع بين قضية شعبه المنتفض ضد الاحتلال وبين قضيته كشاعرٍ لا يتنازل عن جماليات قصيدته العالية .

الشاعر أنطوان أبو زيد يقول: لا أعرف إذا كان استخدام مصطلح ثقافة الانتفاضة ممكناً أو يمتلك جهوزيته النقدية والإبداعية الكاملة، بحيث يمكن القول إن هناك شعر الانتفاضة أو أدب الانتفاضة، وهما مصطلحان ظهرا بالتزامن مع فعل الانتفاضة الفلسطينية نفسها، وخصوصاً الانتفاضة الأولى التي حدثت سنة ،1987 ولكن ثقافة الانتفاضة في تقديري هي مرتبة فلسفية وفكرية أعلى من الممارسة الإبداعية بحد ذاتها . في المبدأ، ليس هناك اعتراض على تراكم هذه الممارسة على الأرض وفي الكتابة، بل لعل علينا أن نطالب بتعزيز وتقوية هذا النوع من النضال الإبداعي والسياسي الذي يمكن تصنيفه في النهاية ضمن فكر المقاومة الذي نحتاجه في ظل الأوضاع المأساوية التي تعيشها القضية الفلسطينية اليوم، وفي ظل التهويد المستمر للقدس، ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن نتوخى الدقة في اشتقاق المصطلحات، فالانتفاضة هي حدثٌ محكومٌ بزمنيته المحدودة، والأفضل أن نعتبر الثقافة المتولدة منها جزءاً من ثقافة المقاومة وشعر المقاومة وأدب المقاومة وفكر المقاومة . أما السؤال عن مدى قدرة الأدب العربي والكتاب العرب على التعبير عن الانتفاضة كحدث سياسي ومقاوم، فالجواب هو أن الكتاب العرب في مواكبتهم للانتفاضة الفلسطينية، وخصوصاً الأولى وإلى حد أقل في الانتفاضة الثانية سنة ،2000 انقسموا إلى قسمين أساسيين: قسم انفعل بالحدث الكبير، فكتب انفعاله وحماسته تجاه ما حدث من بطولات نضالية مؤثرة، وهكذا افتقدت أغلب نصوص هؤلاء إلى الشروط الإبداعية لأي نص أدبي في المطلق . صحيح أن الحدث كان استثنائياً بكل المقاييس إلا أن ذلك لا يعني أن يتخلى المبدع عن السوية المطلوبة للنص الذي يُنجزه . أما القسم الثاني، وهم أقلية، فحاولوا أن يلجموا انفعالاتهم وحماستهم . لقد تأثروا مثل أقرانهم بالحدث، ولكن حساسيتهم الإبداعية لم تسمح لهم بالانجراف غير الواعي وراء الحدث والتضحية بالكتابة على حساب المواكبة .

انقلاب

الدكتور الشيخ ولد سيدي عبد الله يقول: أدت الانتفاضة الفلسطينية إلى هزة عميقة في كيان الأديب العربي . حيث إنه قلب مفاهيم ورمزيات وتيمات أدبية وتعبيرية ظلت مترسخة في قاعها التعبيري منذ آلاف السنين، فالحجر مثلاً لم يعد رمزاً للانعزال والسكون والجمود، بل أصبح أحد عناوين الحراك والنشاط، ودخل كمفردة إلى قاموس التحرر والمجد والكرامة . ما يعني أن الأدب العربي أحدث هو الآخر انتفاضة مفاهيم سمحت لمفردات بالانتفاض على ذاتها مستفيدة من فعل الشارع الانتفاضي الذي باغت الحالة العربية، وجمود واقع الاحتلال .

المثقف الموريتاني محمد ولد أحظانا يقول: على كل حال يظهر أن الانتفاضة لم تجد مداها في التعبير عنها من خلال الأدب العربي قياسا لما جنته الثورة الفلسطينية والثورة العربية من أدب وعناية ثقافية وفكرية وسياسية، وأرى أن أسباب ذلك تعود إلى ارتباك الأديب والمثقف تجاه الموقف من الانتفاضة، فهي بالنسبة له أخاذة كحدث، ولكنه لم يستوعبها لدرجة التمثل، حتى يحول تمثلها فيما بعد إلى إبداع .

والظاهر أن عوامل سياسية متعلقة بمفهوم استمرار المقاومة المسلحة، وغير ذلك أضعف الانعكاس الأدبي للانتفاضة، فالانتفاضة حدث اجتماعي، حدث حضاري قبل أن تكون حدثاً سياسياً . . فقد بدأت بالأطفال، والأطفال ضمير كامن للأمة . وإنما جاءت الانتفاضة نفثة غير متوقعة إطلاقا وغير مخطط لها، جاءت نتيجة مجموعة من التراكمات والقهر والظلم واليأس . إذ تسبب شعور الأطفال إزاء الكبار وظهورهم بالعجز أمام الظلم والقهر إلى هذه الانتفاضة، الفعل الحضاري، قبل أن تجرف إليها الشارع والجمهور . ويركبها الكبار .

لقد كانت الانتفاضة أخطر فعل اجتماعي وحضاري في مسيرة التحرير، لكنها تعرضت للتجاذب والمناورة والخلاف أساسا على خلفية موقف النخبة الفلسطينية منها والذي سرت عدواه بسرعة لتصيب وتربك النخبة العربية ككل، بعد أن دخلت فيها قضية أخرى هي قضية المقاومة المسلحة، لأن الانتفاضة كانت ثورة مدنية سلمية، وهذا يطابق المقاومة المسلحة، هذا الخلاف العملي أدى إلى الانقسام إلى طرفين: مقاومة مدنية سلمية، ومقاومة مسلحة حربية، كل هذا كان من أسباب الارتباك . ومن الأسباب التي دفعت النخبة الأدبية والثقافية إلى أن تسير بحذر وأحيانا بارتياب خوفا من فشل التجربة . وأعتقد أن الانتفاضة على مستوى النخبة قوبلت بفشل في استيعابها واستغلالها وإدراكها، ما أدى إلى ضبابية الموقف الإبداعي منها . أو عجزه عن مواكبتها، أو التعبير عن جواهر معانيها . وطبعا لا نعمم في هذا، لكن أغلبية الأدباء والمثقفين فشلوا في الوصول بالتعبير الأدبي إلى مستوى يوازي الفعل الحضاري الذي أنتجته الانتفاضة . وقد يكون الوأد السياسي الذي تعرضت له الانتفاضة على يد الساسة جراء عملية السلام، وجراء الانقسام، أسهم في ذلك .

الشاعر حسني ولد شاش، يقول: إذا كان الأدب أفضل وأرقى وسيلة تعبير لدى البشر، فامتحانه الصعب عند زاوية المنعطفات الحادة في حياة الأمم والشعوب . إذ إن تمكنه أو فشله عن التعبير عن المنعطفات الحادة غالباً ما يضع أدب فترتها تحت مجهر أسئلة: هل عجز؟ أم أساء الفهم؟ أم كان خارج السياق؟ هل استطاع الأدب العربي التعبير عن الانتفاضة استفزازي تماماً في السياق السياسي والاجتماعي لأحداث منطقتنا، فالتعبير عن حدث تاريخ بمستوى الانتفاضة يتطلب تراكماً أدبياً وزمنياً يتجاوز اللحظة ذاتها، فالتعبير مثلاً عن غزوة بدر، أو فتح مكة، أو غير ذلك من الأحداث في التاريخ العربي، لا يزال يتراكم قروناً بعد أخرى، وهذا التراكم هو العنصر التكميلي لأدبية الحدث، فالنخبة الأدبية العربية تغنت بالانتفاضة، ووجدت فيها مجالا جديدا لتسريب الإبداع ومواكبة القضية الأولى للأمة العربية، تغنت بشكل مباشر وغير مباشر، فسمعنا قصائد مباشرة تتطلبها الساحة نفسياً وأخلاقياً، وسمعنا أشعاراً عميقة بعيدة من السطح، وسمعنا شطحات أدبية تشكل وخزات دافعة للمنتفضين والمتفرجين .

إلى أي مدى تختلف الانتفاضة عن التمرد أو حتى المقاومة، فهنا الإشكالية الكبرى، والانتفاضة كما أرى صيغة جديدة في قاموس المقاومة الإنسانية، فلم يسبق لأي شعب أن ابتكر هذا الأسلوب المقاوم ضد الاحتلال .

الكاتب الموريتاني أوفى ولد عبدالله ولد أوفى يقول: لا يختلف اثنان في الوطن العربي حول الدور البارز الذي لعبته الانتفاضة الفلسطينية في دحر أسطورة وصورة أعتى قوة في المنطقة، في حين أن الجيوش العربية المالكة للأساطيل الجوية المتطورة والجيوش المدججة بأرقى أنواع الأسلحة ظلت عاجزة حتى عن مجرد التفكير الجدي في انتشال المسجد الأقصى من أيدي الصهاينة الجبناء، وإقامة عاصمة للدولة الفلسطينية على كامل محيط القدس الشريف .

وفي ظل هذا العجز العربي وضعف إرادة الشعوب عن حمل قادتها على تحمل مسؤولياتهم تجاه فلسطين الحبيبة، ونتيجة للحصار المطبق على الشعب المناضل والذي لم يعد سراً أن بعض الأشقاء العرب أصبح وللأسف شريكاً فيه، لم يبق إلا أن يلعب الحجر دوره ليعوض مكانة تلك الأمة المتخاذلة، وتلك الجيوش العاجزة، وأولئك القادة المسبحين بحمد الصهاينة وحلفائهم الأمريكان .

الحجر: ذلك الرمز المقدس والإكسير الخارق الذي أصبح بعد الانتفاضة حجر الزاوية وعمود الرحى الذي عليه مدار الإنتاج الأدبي بكل أشكاله ومظاهره، لم يجد من يواسيه ولا من يثني عليه سوى ربابنة الأدب العربي الذين سخروا الحرف والرمز في سبيل القضية المقدسة .

ورغم أنني لا أعتقد أن الأدب العربي كان له كبير الشأن في إيصال رسالة الانتفاضة إلى السواد الأعظم من الأمة، إلا أنه نجح، على الأقل، في كسر الصمت الأدبي الذي لف القضية الفلسطينية ما قبل الانتفاضة .

ورغم أن الشعر والقصة والمقال قد حظيت بنصيب الأسد من معركة الدفاع عن الانتفاضة، إلا أنها في نظري ظلت عاجزة عن الوصول إلى ضمير الأمة وتحريك الشارع لنصرة القضية الفلسطينية العادلة .

ولا شك في أن الأدب العربي ظل عاجزاً إلى يومنا هذا عن تكوين رأي عام، يجعل من القاعدة الجماهيرية التي تشكل السواد الأعظم من الأمة، المرتكز الذي يعمل على تغيير الواقع الانهزامي والتعويل الأعمى على الغير في انتزاع الحقوق السليبة للشعب الفلسطيني .

تراكم

الشاعر أنطوان أبو زيد يقول: لا أعرف إذا كان استخدام مصطلح ثقافة الانتفاضة ممكناً أو يمتلك جهوزيته النقدية والإبداعية الكاملة، بحيث يمكن القول إن هناك شعر الانتفاضة أو أدب الانتفاضة، وهما مصطلحان ظهرا بالتزامن مع فعل الانتفاضة الفلسطينية نفسها، وخصوصاً الانتفاضة الأولى التي حدثت سنة ،1987 ولكن ثقافة الانتفاضة في تقديري هي مرتبة فلسفية وفكرية أعلى من الممارسة الإبداعية بحد ذاتها . في المبدأ، ليس هناك اعتراض على تراكم هذه الممارسة على الأرض وفي الكتابة، بل لعل علينا أن نطالب بتعزيز وتقوية هذا النوع من النضال الإبداعي والسياسي الذي يمكن تصنيفه في النهاية ضمن فكر المقاومة الذي نحتاجه في ظل الأوضاع المأساوية التي تعيشها القضية الفلسطينية اليوم، وفي ظل التهويد المستمر للقدس، ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن نتوخى الدقة في اشتقاق المصطلحات، فالانتفاضة هي حدثٌ محكومٌ بزمنيته المحدودة، والأفضل أن نعتبر الثقافة المتولدة منها جزءاً من ثقافة المقاومة وشعر المقاومة وأدب المقاومة وفكر المقاومة . أما السؤال عن مدى قدرة الأدب العربي والكتاب العرب على التعبير عن الانتفاضة كحدث سياسي ومقاوم،

ضرورة التريث

الشاعر بول شاوول يقول: أظن أن الكتابة أو أي عمل إبداعي آخر لا يمكن أن يُنجز تحت ضغط الحدث أو المناسبة، بهذا المعنى، الانتفاضة كانت حدثاً جللاً وضخماً ومؤثراً بكل المقاييس . معظم الأدباء العرب الذين كتبوا عنها وقعوا في منزلق الحماسة والانتصار للقضية الفلسطينية . مشكلتنا أن الشعر هو أول ضحايا المناسبات والأحداث الكبرى، فهو الأكثر استجابة للحماسة والغضب والدراما والغناء . البعض يرى أن على الشاعر أو المبدع ألا يكتب عن الحدث في سخونته وانفجاره الآني، وأن ينتظر حتى تنضج فكرة النص في مخيلته . والهدف من التريث واضح هنا، وهو تمكين الشاعر من الإنصات جيداً إلى صوت الشعر بالتزامن مع انصاته لصوت الانتفاضة . الشعر له حقوق والانتفاضة لها حقوق أيضاً . على الشاعر أن يبرع في المواءمة والمزاوجة بين الاثنين . أي أن يكتب شعراً حقيقياً وأن يستجيب لنبل وعدالة حدث بحجم وأهمية الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وهو ما فعله بعض الشعراء مثل محمود درويش في قصيدته الشهيرة عابرون في كلامٍ عابر، إذْ نجح بمهارةٍ مدهشة في الجمع بين قضية شعبه المنتفض ضد الاحتلال وبين قضيته كشاعرٍ لا يتنازل عن جماليات قصيدته العالية .