الفجيرة:بكر المحاسنة

تاريخ عريق، وقلعة تنادي على السمار وتهمس في آذانهم حكايات الذين زرعوا الأرض كبرياء وشموخاً، وطريق يفتح لك وجهة الفجيرة التي تبتسم كشيوخها، وترحب بضيوفها، وتمد لهم أفلاج الحب، كي تسقيهم رحيق الجبال التي تعصرها ممالك نحلها، إنها البثنة، القرية العتيقة على حافة الصخور، تستنهض همم الجبال كل يوم، وتعيد فيها الحياة، وترسم لأبنائها طريق العز مع كل طلة شمس، وتقرأ عليهم كيف يكبرون، ويعانقون العز والكبرياء في ظل قيادتهم وشيوخهم.

منطقة البثنة إحدى مناطق إمارة الفجيرة، التي تحتضن التاريخ العريق لأهل الفجيرة بشكل عام، وأهالي المنطقة بشكل خاص، نظراً لوجود قلعة تاريخية شيدت فيها عام 1735، أي يعود بناؤها إلى ما يقرب من 270 عاماً، وتأتي شهرة القلعة من شكلها المعماري الفريد، وحالتها الجيدة من حيث البناء، إلى جانب موقعها المتميز، كما تقع في منطقة تعد المدخل الرئيسي لإمارة الفجيرة، لذا اهتم بها الشيوخ اهتماماً كبيراً، نظراً لدورها الكبير في حماية الإمارة من غزوات الأعداء، ولهذا بنيت لتكون بمثابة الحصن الحصين لمنطقة البثنة، والمناطق المجاورة لها كافة، كما تتميز المنطقة بوجود العديد من الاكتشافات الأثرية التي تم العثور عليها إلى جانب القلعة، وعدد من الآثار التاريخية والأفلاج والآبار القديمة، كما تحتضن منطقة البثنة الجبال العالية من الجهات كافة، التي تتخللها الوديان في مواسم هطول الأمطار، مشكلة مناظر طبيعية خلابة، لذلك تحظى بإقبال كبير من السياح والزوار من داخل الإمارات وخارجها، للتمتع بهذه المناظر التي تبقى خالدة في الذاكرة على مر العصور، ولكي تذكر السياح والأجيال القادمة بماضي القبائل والأهالي، الذين عاشوا على أرضها، كما عرفت منطقة البثنة بالماضي بكثرة انتشار عيون المياه العذبة، وطبيعتها الجبلية الخلابة، خاصة في مواسم الربيع.
المواطن علي الزوهري يقول: تتميز منطقة البثنة عن غيرها من المناطق بالهدوء الشديد وبمناطقها الساحرة، وبوجود الآثار التاريخية المتمثلة بالقلعة وبقايا المنازل القديمة، كما تتميز بموقعها بين الجبال والوديان، حيث إنها منطقة جبلية تحتضن العديد من الأودية، أهمها وادي حام الكبير، الذي يعتبر أطول الأودية في الفجيرة، إضافة إلى وادي الحاط ووادي مريض، وكلها تتجمع في وادي حام، الذي يمتد من منطقة السيجي إلى مدينة الفجيرة، وتتجمع فيها المياه بغزارة في مواسم هطول الأمطار، كما تتميز المنطقة بوجود سد مياه كبير تتجمع فيه المياه.

وعن حياة أهالي البثنة قديماً، يقول خليفة الزيودي: كانت منازل الأهالي قديماً لا تتعدى 15 منزلاً، تضم أهلها الذين لا يتجاوز عددهم 70 فرداً، وكانت المنازل في الماضي نوعين، الأول يسمى العريش، مصنوع من سعف النخيل وأغصان أشجار السدر والسمر، وكان هذا البيت يحتضن كل أفراد العائلة التي تبنيه في المزرعة، أو أعلى الجبال في فصل الصيف، أي ما يسمى المقيض، أما النوع الثاني من البيوت، فهو بيت الطين، مبني من الطين والحجارة، وجريد وسعف النخيل، وبعض هذه البيوت يتضمن حفرة كبيرة في الداخل، على مساحة الغرفة، ويسكن فيها الأهالي في موسم الشتاء، أي ما يسمى المشتى، وكانت هذه البيوت تقع في أسفل سفوح الجبال، وكان اعتماد الأهالي في حياتهم على مصادر رزق محدودة، منها رعي الأغنام والماشية والقيام بكافة أعمال الزراعة، إضافة إلى جمع التمور والحطب وصناعة السخام منه «الفحم»، وجمع العسل البري بأنواعه، الذي كان يكثر انتشاره بجبال البثنة والمناطق المجاورة. وظلت معيشتنا في الماضي على تلك المصادر، وتلك المنازل، حتى انتقلنا عام 1976، إلى العيش الكريم في مساكن شعبية جديدة، شيدها لنا المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وفي تلك الفترة تغيرت الحياة على أرض البثنة، وانتقلنا إلى منازل مريحة وكبيرة غلب عليها الطابع المعماري الحديث، وتوفرت كل الخدمات، ومازالت الدولة تقدم المساكن الحديثة للأهالي، حيث بنيت مؤخراً شعبية جديدة تضم العديد من المساكن الحديثة والمجهزة بالخدمات.

وعن قلعة البثنة التاريخية يقول سعيد السماحي مدير هيئة الفجيرة للسياحة والآثار: قلعة البثنة المحاطة بمنازل الأهالي، تعد من أهم القلاع في إمارة الفجيرة، التي شيدت عام 1735 للمراقبة والدفاع عن المنطقة والمناطق المجاورة، حيث تأتي شهرة القلعة من شكلها المعماري الفريد، وحالتها الجيدة من حيث البناء إلى جانب موقعها المتميز، حيث تقع في منطقة تعد المدخل الرئيسي لإمارة الفجيرة، لذا اهتم بها الشيوخ اهتماماً كبيراً، نظراً لدورها الكبير في حماية الإمارة من غزوات الأعداء، واستخدامها للعديد من الأغراض، وتعتبر رمزاً تاريخياً للمنطقة وسكانها، وتعبر عن التاريخ العريق للمنطقة، كما أن وجود القلعة في البثنة، جعل منها منطقة تاريخية وسياحية، حيث تشهد سنوياً زيارة آلاف من السياح الأجانب والعرب، من مختلف أنحاء العالم.

وأشار إلى أن القلعة مبنية من الحجارة والصاروج، على شكل مربع تقريباً، ولا يمكن الدخول إليها إلا بواسطة باب صغير بارتفاع متر واحد، ويؤدي هذا الباب إلى فناء كبير، ويوجد على جانبيها برجان كبيران يميزان شكلها من الخارج، وتتخلل جدرانها بفتحات كانت تستخدم من قبل المدافعين عنها.
وأضاف: أنه تم بكافة جوانب القلعة اكتشاف وتحديد مواقع أثرية عدة يعود تاريخها إلى الألفين الأول والثاني قبل الميلاد وإلى العصور الإسلامية ومن المدافن التي اكتشفت من قبل البعثة الفرنسية للآثار في تسعينات القرن الماضي، ما يشير إلى قرية أثرية متكاملة، حيث عثر على مواقع شبه متلاصقة لا يفصل بينها سوى مسافات بسيطة وتقع خلف القلعة، أما تاريخ هذه القرية الأثرية، فيعود إلى نهاية الألف الأول وبداية الألف الثاني قبل الميلاد، كما عثر علماء آثار سويسريون في عام 1987على مكتشفات أخرى من الأحجار، عليها نقوش بارزة.