هوشنك أوسي
أثارت زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البرزاني يوم 16-11-2013 إلى مدينة آمد/ دياربكر (كبرى المدن الكرديّة في تركيا) جدلاً في الأوساط الكرديّة في سوريا وتركيا، ما بين مؤيّد ومعارض، وارتياحاً لدى الحكومة التركيّة والأوساط الدائرة في فلكها . وحاول حزب العمال الكردستاني، وفرعه السوري (حزب الاتحاد الديمقراطي) التشويش على هذه الزيارة، بل التشكيك فيها، عبر شنّ حرب إعلاميّة، وتنظيم مظاهرات احتجاجيّة "عفويّة"، رُفعت فيها لافتات تندد بالزيارة والزائر، وصلت في بعض الأحيان إلى حدّ "التخوين" . فيما بعد، خفف الكردستاني لهجته الناقدة للزيارة، وركّز على الانتقادات شديدة اللهجة، التي وجهها البرزاني لفرع العمال الكردستاني في سوريا! بالتوازي مع ذلك، أثارت هذه الزيارة، والحفاوة والترحيب الذي أبداه أردوغان تجاه ضيفه بازراني، ووصفه للزيارة ب"التاريخيّة" وتلفّظه بكلمة "كردستان"، أثارت سخط وامتعاض الأوساط القوميّة التركيّة المتطرّفة، متهمةً أردوغان ب"داعم التنظيمات الانفصاليّة"! فما هي خلفيّة ودلالات هذه الزيارة؟ وما هو مردودها السياسي على التسوية السلميّة بين العمال الكردستاني وأنقرة؟
بعد انطلاقة العمال الكردستاني، بزعامة عبدالله أوجلان في 28/11/،1978 دخل الحزب الوليد في صراع مرير مع التنظيمات الكرديّة المحسوبة على الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقيّ في تركيا، ما أودى بحياة العشرات من الطرفين . (الصراع مع حركة KUK نموذجاً) . وبقي العمال الكردستاني، يصف هذه التنظيمات، والديمقراطي الكردستاني أيضاً، ب"الكومبرادوريّة" و"القوميّة البدائيّة" حتى مطلع التسعينات . وبدأ خط العلاقة بين العمال الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، يتأرجح بين الخصام والصدام، ونادراً الوئام . فسنة ،1982 وقّع مسعود البرزاني (حين كان شقيقه إدريس رئيساً للحزب) مع أوجلان، اتفاقاً في دمشق يجيز للعمال الكردستاني إقامة معسكرات له في جبال قنديل . بينما سنة ،1992 دخلت هذه العلاقة منعطفاً دمويّاً خطيراً، بحيث تخندق الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى جانب الجيش التركي لقتال العمال الكردستاني . واستمرّ هذا التوتر بين الطرفين حتى سنة 1997 - 2000 .
في سوريا
في مطلع الثمانيات، كانت الأحزاب الكرديّة السوريّة والشارع الكرديّ السوريّ عموماً، منقسماً بين موالٍ للاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، مع رجحان كفّة الثاني على الأوّل . لكن، منذ ،1983 دخل العمال الكردستاني على خط المنافسة، واستطاع حتى سنة ،1990 استقطاب واجتذاب شرائح وقطاعات واسعة
من كرد سوريا، وكان هذا الأمر يثير حفيظة وامتعاض
الحزبين الكرديين العراقيين، بخاصّة أن الحزب الأوجلاني، صار يتمدد بين كرد العراق أيضاً، إلى جانب تحكّمه بالشارع الكردي الإيراني، بعد اختطاف واعتقال أوجلان من نيروبي في 15-2-1999 .
بعد سنة ،2000 وباستثناء بعض الاشتباكات بين قوات العمال الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لم يحدث أي صدام بين الحزب الكردي التركي، وأحزاب كرد العراق . لكن، بقي الصراع الخفي قائماً بين هذه الأحزاب الثلاثة على النفوذ بين كرد سوريا وإيران . وبعد اندلاع الثورة السوريّة في 15-3-،2011 استغل العمال الكردستاني، عبر فرعه السوري، الظروف للحدود القصوى، لتعزيز موقعه في كردستان سوريا، تنظيميّاً وسياسيّاً وعسكريّاً . وقام النظام السوري، بانسحاب جزئي من المناطق الكرديّة، عبر تفاهم مع حزب الاتحاد الديمقراطي، فسّره الكثير من المراقبين بأنه "استلام وتسليم" لإدارة الأمور في تلك المناطق . بينما وصفه الحزب الكردي المذكور بأنه "تحرير" وأنه "طرد قوات الأسد"، وأن ما جرى هو "ثورة شعب غرب كردستان" .
عودٌ على بدء
في 12-11-،2013 أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي عن تشكيل "إدارة مدنيّة مؤقّتة" متجاهلاً إشراك القوى والأحزاب الكرديّة الموالية لكردستان العراق . هذا الإعلان، لقي رفضاً من واشنطن ولندن وأنقرة، ومن "الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السوريّة"، بينما حظي بترحيب موسكو وطهران والاتحاد الوطني الكردستاني! . وقبيل زيارته لمدينة دياربكر، أصدر مسعود البرزاني يوم 14-12-2013 تصريحاً شديد اللهجة، منتقداً انفراد "الاتحاد الديمقراطي" بالقرار الكردي السوري، واعتبر هذا الحزب بأنه "يتعامل مع النظام السوري"، نافياً أن يكون هنالك "ثورة" في كردستان سوريا . فسّر بعض المراقبين تصريحات البرزاني بأنها أحد تجليّات "الخلاف الخفي المزمن" مع العمال الكردستاني، وأن الأخير يتجنّب التصادم المباشر مع البرزاني، بينما يحرّض فرعه السوري للقيام بهذا الدور، ويزجّ به حطباً في هذا الصراع! بينما رأى آخرون أن البرزاني أراد "إرضاء" أنقرة، وأنه ضدّ خطوة "الاتحاد الديمقراطي" ولن يدعم ما يثير قلق ومخاوف تركيا في المناطق الكرديّة السوريّة . بينما يرى آخرون أن البرزاني ضالع ومساهم كبير في عمليّة السلام بين العمال الكردستاني وأنقرة، ويريد لها أن تتكلّل بالنجاح، اليوم قبل الغد . فكيف له أن يعادي العمال الكردستاني وفرعه السوري؟ وأن كل ما في الأمر، هو اختلاف على أسلوب وطريقة تشكيل تلك الإدارة، بمعزل عن التوافق والإجماع الكردي السوري .
خلفيّات الزيارة ودلالاتها
انتقد ساسة ومثقفون كرد توقيت زيارة البرزاني إلى دياربكر، على أنها أتت في وقت اشتداد الخلاف مع الفرع السوري للعمال الكردستاني، كالعضو في البرلمان العراقي محمود عثمان، وبعض قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني . بينما ثمّة خلفيّات ودلالات كثيرة لهذه الزيارة، يمكن تلخيصها بالتالي:
1 - أتت الزيارة، بالتوازي مع مساعي أنقرة لإعادة الحرارة إلى علاقاتها مع بغداد، في محاولة تطمين كرد العراق، بأن ذلك لن يكون على حسابهم . بخاصة أن أنقرة، تسعى إلى نسف أو تقويض أي شكل من أشكال الدعم الذي يمكن أن تقدّمه حكومة المالكي إلى حزب الاتحاد الديمقراطي . ذلك أن العديد من التقارير الإعلاميّة أشارت إلى دعم ومساندة بغداد للحزب الكردي السوري، في مواجهة المجموعات الإرهابيّة التكفيريّة، وتحرير معبر "تل كوجر" الحدودي مع العراق .
2 - محاولة التمهيد لحلحلة الخلاف الناشب بين بغداد وأربيل، بخاصّة حول إبرام عقود النفط مع الشركات الأجنبيّة . فقد بدأت تتبلور قناعة لدى الأتراك مفادها؛ إن ضمّ كركوك لإقليم كردستان العراق، بموجب المادّة 140 من الدستور العراقي، هي مصلحة كبرى لتركيا، في إطار الصراع الخفي بين أنقرة وطهران على العراق . فلو لم تمانع تركيا طيلة هذه السنوات ضمّ كركوك، عبر استخدام الورقة التركمانيّة، لربما كانت الآن حاصلة على حصّة الأسد من تصدير كردستان نفط كركوك عبر الأراضي التركيّة . وعليه، تسعى أنقرة لتلافي ذلك الخطأ الاستراتيجي الكبير، بحؤولها دون ضمّ كركوك لكردستان، على اعتبار أن الأخيرة، اقتصاديّاً، صارت في حكم المحافظة التركيّة .
3 - سعت الحكومة التركيّة إلى توظيف هذه الزيارة لتأكيد أنها جادّة في مساعي السلام، وأنّ المجتمع التركي والطبقة السياسيّة التركيّة الحاكمة، تخلّصت من "الكردفوبيا"، وأن أي تعطيل وعرقلة يشوب التسوية السلميّة، لا تتحمّل الحكومة مسوؤليّته، بل الكردستاني، في محاولة الضغط على الأخير للقبول بالشروط التركيّة، وسحب الشرعيّة الجماهيريّة منه، وإظهاره على أنه، هو مَن يعرقل التسوية وليس الحكومة التركيّة .
4- يعتبر العمال الكردستاني مدينة دياربكر، "قلعته" الشعبيّة والانتخابيّة . وفي كل الانتخابات المحليّة والتشريعيّة منذ 2002 ولغاية ،2011 فشل حزب العدالة والتنمية في انتزاع هذه المدينة من يد الكردستاني . وبالتالي، توجيه الدعوة إلى البرزاني، وحضوره إلى جانب الفنان الكردي المعروف شفان بَرَوَر، واعتذار تركيا للأخير، على لسان وزير الخارجيّة التركي على الغبن والظلم الذي لحق به، بإبعاده عن وطنه طيلة 37 سنة، كل ذلك، لم يكن يخلو من الدعاية الانتخابيّة الاستباقيّة . ذلك أن تركيا مقبلة على انتخابات محليّة في آذار ،2014 وانتخابات رئاسيّة في نفس العام، وانتخابات برلمانيّة سنة 2015 .
البرزاني والتسوية
مما لا شكّ فيه أنّ استمرار الصراع الدموي بين العمال الكردستاني وتركيا، يلحق أضراراً فادحة بكردستان العراق، ويتسبّب في تعكير وتوتير العلاقة بين أربيل وأنقرة، بخاصّة بعد تنامي العلاقات الاقتصاديّة بين الجانبين . وعليه، إيجاد منفرج سلمي للقضيّة الكرديّة في تركيا، هو مصلحة كبرى لكرد العراق، قبل أن تكون لكرد تركيا . لذا، أبدى البرزاني في كلمته دعمه ومساندته للتسوية بين الكردستاني وأنقرة . وطالب بوقف سفك الدماء والجنوح للسلام . كما أشارت صحيفة "راديكال" التركيّة يوم 17-11-2013 أن البرزاني وأردوغان عقدا اجتماعاً دام ساعة و20 دقيقة، في مدينة آمد، تباحثا "حول مشروع السلام في تركيا بين الحكومة والكردستاني، والعلاقات بين أربيل وأنقرة في المجال النفطيّ، والأوضاع في كردستان سوريا، وذلك بحضور نائب رئيس الوزراء التركي بشير آتالاي، ووزير الخارجيّة أحمد داود أوغلو" . وأن الجانبان اتفقا على "ضرورة دعم ومساندة رئيس
إقليم كردستان عمليّة السلام . إلى جانب الاتفاق على ضخّ النفط من إقليم كردستان إلى تركيا عبر خط الأنابيب الجديد، وفتح معبرين حدوديين بين كردستان وتركيا، في غضون شهر" .
في السياق ذاته، صرّح البرزاني؛ أن إقليم كردستان "يدعم خطوات السلام في تركيا"، داعياً كرد تركيا إلى "الصبر كون عمليّة السلام ليست سهلة" . معرباً عن ارتياحه ل"خطوات السلام التي اتخذها أردوغان وأوجلان"، مشدداً على أهمية استمرارها .
وكانت التسوية السلميّة مهدّدة بالنسف، بخاصّة بعد حزمة الإصلاحات المخيّبة للآمال التي أعلنها أردوغان في 30-9-2013 . وتجميد الكردستاني سحب مقاتليه من تركيا، وتوجيهه التهديدات لأنقرة بمعاودة حمل السلاح .
أنعشت زيارة البرزاني آمال السلام مجدداً، رغم محاولات الجناح المتشدد في الكردستاني التشويش عليها . ومن المؤشرات الإيجابيّة في هذا السياق، سماح السلطات التركيّة بتوجّه وفد من كبار رؤساء تحرير الصحف وقنوات التلفزة، وعدد من أعضاء لجنة الحكماء التي شكلها أردوغان، وعدد من محامي أوجلان، وأحد قادة الكردستاني، إلى سجن إمرالي للقاء أوجلان والتحدّث معه بخصوص عمليّة السلام . وهذا ما كشفت عنه صحيفة "حريّيت" التركيّة . وذكرت؛ من المتوقّع أن يكون اللقاء في غضون الشهر المقبل . وإن حدث ذلك، فهو أوّل لقاء بين أوجلان وإعلاميين أتراك منذ اعتقاله سنة ،1999 ويعتبر نقلة نوعيّة تحفّز وتنشّط عمليّة السلام، وتقوّض من تأثير التيّار المتشدد في العمال الكردستاني . وبحسب مراقبين، سيتعاطى أوجلان بإيجابيّة مع زيارة البرزاني لدياربكر ودوره في التسوية السلميّة، بخلاف بعض قيادات الكردستاني التي لن يبقى أمامها خياران: إمّا الدخول في مواجهة مع أوجلان ومحاولة نسف التسويّة، أو الانصياع لأوامره وتعليماته، كما جرت العادة، حتى لو كانت التسوية مكلفة ومؤلمة بالنسبة إلى العمال الكردستاني وقيادته في جبال قنديل .
* كاتب صحفيّ متخصّص في الشؤون الكرديّة والتركيّة
[email protected]