منذ القدم انبهر الناس بالبرق وأدهشهم سناه الخاطف للأبصار وأخافهم الرعد المقعقع بصوته، وعلى الرغم من تطور فكرة حدوث ظاهرتي البرق والرعد، إلا أن بعض الغموض صاحب الظاهرتين منذ أن بدأ الإنسان يحاول طرح تفسيراتهما .

البرق عبارة عن شرارة كهربية عملاقة تحدث في أعالي الجو، واغلب البرق الذي يراه الناس يكون بين السحابة وسطح الأرض ولكن من الممكن حدوثه ايضاً داخل السحابة، أو بين السحابة والهواء، أو بين سحابتين، أو يحدث كذلك فوق السحب أو العواصف الرعدية في جزء من الجو يسمى الجو المتوسط الميزوسفير ويكون على هيئة ومضات منيرة عالية الارتفاع ويسمى بالأشباح الضوئية . وعندما يحدث البرق في الغلاف الجوي تنتشر الطاقة الكهربائية في الهواء، وقد تصيب الطائرات المتحركة في المنطقة ببعض الضرر، ولكنها قد تؤدي الى صعق انسان ما أو حيوان أو التسبب في اشعال الحرائق على سطح الأرض .

يتكون البرق من واحدة أو أكثر من تلك التفريغات الكهربية للشحنة وتسمى بالضربات، ويسمى الضوء الساطع الذي نراه في ومضة البرق بالضربة المرتدة .

وتتحرك هذه الضربات المرتدة بسرعة تقترب من سرعة الضوء وهي 299،792 كم/ثانية وتقوم بتفريغ حوالي 100 مليون فولت من الكهرباء كما ترفع درجة حرارة الهواء في مسارها لأكثر من 33 ألف درجة مئوية ومن ثم يتمدد هذا الهواء الساخن بسرعة لتنتج عنه موجة من الضغط تسمى الرعد .

وقد تختلف ومضات البرق في الطول، فالومضة الحادثة بين السحابة وسطح الأرض قد يصل طولها الى حوالي 14 كم في حين قد يزيد طول ومضة البرق المتحركة بين السحب المتجاورة إلى 140 كم .

وحتى وقت قريب، كانت ظاهرة البرق محط أنظار العلماء، لأنها أحد أسرار الطبيعة الكبرى، مع العلم أن الدراسة الجادة للبرق بدأت في القرن الثامن عشر . وكان من أكثر المهتمين بدراسة الكهرباء تجريبياً العالم والدبلوماسي الأمريكي بنيامين فرانكلين الذي برهن في 1752 على أن البرق عبارة عن كهرباء بربط مفتاح معدني في طرف خيط طائرة ورقية واطلقها لتحلق في الهواء اثناء احدى العواصف الرعدية، فتسببت كهرباء السحب في رفع الجهد الكهربائي وأدى هذا الجهد العالي الى حدوث شرارة كهربية بين المفتاح والأجسام الموجودة على سطح الأرض الأمر الذي اثبت أن السحب مكهربة . والغريب أن تجربة فرانكلين تسببت في وقوع حوادث خطيرة، إذ إن بعض الذين قاموا بإطلاق الطائرات الورقية للتحليق أثناء العواصف الرعدية صعقهم البرق .

والبرق هو الشرارة التي تنتج عن الحركة السريعة للجسيمات المشحونة كهربياً داخل السحب الركامية أي الرعدية، أو بين إحدى هذه السحب وسطح الأرض أو الهواء أو سحابة أخرى .

العلماء لم يتأكدوا تماماً من الكيفية التي تصبح فيها السحب الركامية مشحونة كهربياً، ويعتقد معظمهم أن الشحنات تنتج من تصادم قطيرات الماء الخفيفة وقطع الثلج الدقيقة الصاعدة من البرد أو الجسيمات الثقيلة الهابطة .

وعندما تصطدم دقائق السحب ببعضها بعضاً تكتسب الجسيمات الثقيلة شحنة سالبة، في حين تكتسب الجسيمات الخفيفة شحنة موجبة، وبالتالي فإن الجسيمات السالبة تهبط الى الجزء السفلى من السحابة بينما تصعد معظم الجسيمات الموجبة الى الجزء العلوي منها . وينتج البرق عندما تندفع الشحنات الموجبة نحو الشحنات السالبة أو عند اندفاعها نحو شحنات عكسية موجودة على سطح الأرض فتحدث الشرارة .

ويسمى نوع البرق الأكثر حدوثاً بالبرق الداخلي، وينشأ عندما تحدث الشحنات الموجودة في السحابة شرارة كهربية، وينقسم البرق الناتج عن حركة الشحنات بين السحب وسطح الأرض الى نوعين: برق سحب أرض أو برق أرض سحب وذلك حسب الاتجاه الابتدائي لحركة الشحنات ومعظم ما يراه الناس هو النوع سحب أرض . ويظهر البرق على هيئات مختلفة، فومضة البرق الواحدة تظهر في أشكال مختلفة، ويعتمد ذلك على موقع المشاهد بالنسبة لها، فهناك البرق الشوكي والخطي والشريطي والخرزي وبرق السلسلة . والبرق الشوكي ومضة تتفرع منها فروع متعددة للضربة، أما الخطي فومضة تضيء خطاً وحيداً متعرجاً، بينما يبدو البرق الشريطي على هيئة خطوط متوازية من الضوء تتكون عندما تفصل الرياح ضربات الومضة . والبرق الخرزي أو برق السلسلة هو ومضة تتكسر فتصبح خطاً من النقاط أثناء تلاشيها .

وثمة نوع آخر من البرق يسمى بالبرق الحراري الذي يظهر كثيراً في ليالي الصيف ويبدو وكأنه يحدث من دون رعد، لكن في الحقيقة يحدث البرق بعيداً عن المشاهد بحيث لا يسمع الرعد المصاحب ويشعر الناس بأن ما يبدو من بعيد مثل البرق الحراري ما هو إلا عاصفة رعدية عادية . ويحدث ما يسمى بالبرق اللوحي ويظهر على صورة إضاءة جزء من السماء ولكنه ضوء تكون ومضاته المميزة إما بعيدة جداً عن المشاهد أو تحجبها السحب عن الرؤية .

ويوجد شكل آخر من أشكال البرق يسمى بالكروي وهو يظهر على شكل كرة متوهجة متقدة تطفو لثوان عدة قبل أن تختفي . ويميل لون الكرة الى الأحمر أو الأصفر أو البرتقالي . وثمة افادات عن رؤية مثل هذه الكرات طافية على سطح الأرض وداخل المنازل والحظائر والطائرات، ولا يعلم أحد على وجه الدقة كيفية أو سبب حدوث البرق الكروي أو مكوناته .

لاحظ قائدو الطائرات الذين يحلقون بطائراتهم في الظلام بشكل خاص ومضات غريبة تحدث فوق العواصف الرعدية في بعض الأحيان، إلا أن الباحثين ظلوا على شكوكهم من مشاهدات الطيارين لفترة طويلة حتى ،1990 علماً بأن الفيزيائي الاسكتلندي تشارلز ديلسون الذي حاز على جائزة نوبل للفيزياء في 1927 أشار الى هذه الظاهرة وتنبأ بوجود مثل هذه الظواهر .

وفي السادس من يوليو/تموز 1989 كان الفيزيائي البروفيسور وينكلر يختبر كاميرا عالية الحساسية للضوء في جامعة مينيسوتا، وبصدفة محضة التقط الباحث وزملاؤه احدى هذه الومضات الشبحية المبهمة التي لم تستغرق سوى بضعة اجزاء من الثانية .

وسرعان ما اعطى الباحثون هذه الظواهر المشاهدة في الأجواء العالية تسميات عدة وصنفوها الى اربعة أصناف اثنان منها يحدثان في الطبقات العالية ويسميان على التوالي بالأشباح الضوئية والشياطين الصغيرة والآخران يسميان بالنفاثات الزرقاء والجني القزم .

يقول الباحث وينكلر من اللافت للنظر ان تكون مثل هذه الظواهر التي شوهدت في السابق بالعين المجردة مرت من دون ان تكتشف حقيقتها، لا سيما من قبل العلماء الذين يعرفون منذ زمن طويل أن الأشعة فوق البنفسجية المقبلة من الشمس تضرب جزيئات الغاز المتواجدة في الاجزاء العليا والمضطربة من الجو، فتحرر الالكترونات منها ويتكون جراء هذه العملية ما يسمى بالأيونوسفير أي الطبقة المتأنية الموصلة للكهرباء والتي تحيط بالأرض .

ويشير الباحث الفرنسي الفيزيائي سيرج سولا من جامعة تولوز الى أن الكاميرات التي استخدمها فريقه العلمي لتصوير ظاهرة الأشباح الضوئية كانت فائقة الدقة والتقطت حوالي 10 آلاف صورة في الثانية، وهذا ما مكن الباحثين من ايجاد تفسير للظاهرة .

ويقول سولا إن البرق يحمل الشحنات السالبة من قاعدة السحابة الى الأرض، لكن يحدث في بعض الأحيان أن تؤدي الصواعق العنيفة الى اختفاء الشحنة الموجبة الموجودة قرب قمة السحابة بشكل فجائي . ونتيجة لذلك، فإن المجال الكهربي الشديد الناشئ بين قمة السحابة وطبقة الايونوسفير يجذب الالكترونات نحو الأعلى لتتصادم مع جزيئات الغاز، الأمر الذي يجعلها في حالة استثارة شديدة . ولتتخلص هذه الجزيئات من طاقتها العالية تصدر ضوءاً شديداً يتسبب فيما يسميه العلماء بالأشباح الضوئية التي تمتد عادة الى ارتفاعات تقع ما بين 50 90 كيلومتراً .

ويرى الباحث سولا أن نقصان كثافة الجو مع زيادة الارتفاع يسهم في جعل البرق الذي يحدث في الارتفاعات العالية يصدر ألواناً لا ترى في الأحوال العادية أثناء تفريغ الشحنات الكهربية . وتظهر هذه الألوان في العادة حمراء لكنها لا تكاد ترى لضعفها الشديد، ولذلك يجب على الباحثين استخدام آلات تصوير حساسة وسريعة ليتمكنوا من تسجيل هذه الظواهر على خلفية سماء تكون لياليها مظلمة تماماً، لأن ضعف الضوء المنبعث عنها وطبيعتها المؤقتة يشكلان أمام الباحثين تحدياً كبيراً من الناحية التقنية لأنها ظواهر جوية شبحية سريعة الحدوث .

وفي الآونة الأخيرة قامت مجموعة من الباحثين بدراسة معمقة على متن طائرات نفاثة مجهزة خصيصاً لذلك، لكن فرق البحث الأخرى حول العالم لم تزل تجمع المشاهدات على أمل أن تجد تفسيرات أخرى فيزيائية تعمل على تسيير هذه الظواهر الغريبة .

ويتطلع الباحثون الى اطلاق القمر الاصطناعي تاراينس في العام المقبل ليقوم بدراسة مفصلة لمثل هذه الظواهر وخاصة ظاهرة الشياطين الصغيرة الجني القزم التي تظهر على هيئة طبقات كعكية الشكل شديدة التوهج في منطقة الميزوسفير، والنفاثات الزرقاء المحصورة ضمن جزء من الجو يقل عن ال 45 كيلومتراً في ارتفاعه . وتعطي هذه الأضواء لوناً أزرق غامقاً لا يتغلغل في الجو مباشرة مختلفاً كلياً عن الظلال الحمراء التي تغلف الأشباح الضوئية والشياطين الصغيرة .

ومن هنا تتطلب مشاهدة هذه الظاهرة الصعود الى ما بعد الطبقة الجوية السفلية الكثيفة . وكان الباحثان سنتمان وسكون سجلا بكاميرتهما صوراً للنفاثات الزرقاء لأول مرة في 1994 عندما حلق بطائرة نفاثة فوق عاصفة شديدة في ولاية اركنساس الأمريكية . وتظهر هذه الصور كيف تنبثق تلك الأضواء الزرقاء نحو الأعلى منطلقة من قمة السحب الرعدية بسرعة تقارب 120 كم في الثانية .

والى أن يتمكن الباحثون من اطلاق قمرهم الاصطناعي في العام المقبل لا بد لنا من القبول بإحساس يتناغم مع إحساس القدماء من حيث الرعب والدهشة لدى تأملنا لمثل هذه الظواهر الغريبة التي تتراقص فوق رؤوسنا من ما بين السماء والأرض .