شرع الوضوء كمقدمة لازمة للصلاة تنفيذاً لقول الحق سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين»، فالمسلم مطالب بالوضوء قبل الصلاة لكي تصح صلاته، فلا يجوز أن يقف الإنسان يناجي خالقه وهو على غير طهارة ووضوء.
لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى في الوضوء منافع ومكاسب أخرى عديدة، ولذلك تعددت وتنوعت وصاياه للمسلم بأن يكثر من الوضوء حتى لو لم يكن مطالباً بالصلاة.. أي عندما يؤدي ما عليه من صلوات ويفرغ من ذلك، فالوضوء بركة وطهارة، وبقاء المسلم على وضوء طوال الوقت - إن تسنى له ذلك - سنة نبوية كريمة، تعود عليه بأعظم المكاسب والمنافع.

يقول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل».. أي يأتون يوم القيامة ووجوههم وجوارحهم عليها نضرة النعيم بسبب مداومتهم على الوضوء.

إسباغ الوضوء

وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: إسباع الوضوء على المكاره - أي أدائه كاملاً حتى في أوقات الشدة - وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط»، ومن اللازم لانتظار الصلاة بعد الصلاة أن يكون المسلم على وضوء دائم، فلو صلى الظهر مثلاً يظل على وضوئه لأداء صلاة العصر، ولو انتقض الوضوء سارع بتجديده، ليبقى دائماً على طهارة.

وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام «تبلغ الحلية من المؤمن حين يبلغ الوضوء»، أي أن الجمال والصفاء والنور تبدو على المسلم والمسلمة بسبب الوضوء.

يقول الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الأسبق، عضو مجمع البحوث الإسلامية: مداومة المسلم على الوضوء أصبحت سنة مهجورة فكثير من الناس لا يلجؤون إلى الوضوء إلا قبيل إقامة الصلاة، والبعض يؤخر صلاته لكي يصلي فرضين أو أكثر بوضوء واحد، مع أن تجديد الوضوء كله فوائد ومنافع للإنسان، كما أرشدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أسهل وأسرع وأفضل وسيلة للنظافة المتجددة وإزالة الأوساخ من فوق الجسد، خاصة وأن معظم المسلمين يعيشون في بيئات حارة ويسبب لهم العرق مشكلات عديدة وتتراكم على أجسادهم كميات هائلة من الأتربة وعوادم السيارات.
ويضيف: في التوجيهات النبوية السابقة سنة كريمة ينبغي الحرص عليها لأنها تحقق لنا الكثير من المنافع الصحية فالوضوء إلى جانب إزالته الأوساخ يجدد نشاط الإنسان، ويزيل الكسل والخمول منه، ويجعل له قدرة متجددة على العمل، وهذا مكسب دنيوي يحتاج إليه كل إنسان.

سنن ومستحبات

وهنا يشير وكيل الأزهر الأسبق إلى سنن ومستحبات الوضوء التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرص عليها حتى تتحقق الفائدة الكاملة من الوضوء، وأبرزها:
- التسمية في أول الوضوء بأن يفتتح المسلم الوضوء باسم الله على سبيل التبرك والتعظيم. والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه».
-غسل اليدين إلى مفصل الكف ثلاث مرات بالماء الطهور في أول الوضوء.. وهنا يقول صلوات الله وسلامه عليه: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات».. وهذا سلوك نبوي يحمل قدراً كبيراً من الحرص على النظافة العامة، فالإنسان وهو نائم لا يدري إلى أين امتدت يده، وكثير من الناس يضعون أياديهم أثناء نومهم على أماكن في أجسادهم تكون مليئة بالميكروبات والجراثيم، ولذلك فإن تطهيرها بالماء ثلاث مرات قبل بدء الوضوء لا يخلو من حكمة.
-استعمال السواك لتنظيف الفم والأسنان، فإذا لم يوجد استعمل فرشاة تنظيف الأسنان وما يشبهها، لأن العبرة بنظافة الفم والأسنان.. وقد وردت أحاديث متعددة في فضل السواك عند الوضوء منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء».. كما قال صلى الله عليه وسلم: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب».
-المضمضة والاستنشاق لأنه من الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يواظب على ذلك.. يقول عثمان بن عفان رضي الله عنه: «رأيت رسول الله توضأ فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات من ماء..».. أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمضمض ثلاث مرات، ثم يستنشق ثلاث مرات، ثم يطرد الماء من فمه وأنفه ثلاث مرات.. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ليستنثر».. ومن السنة أن يكون الاستنشاق باليد اليمنى، والاستنثار باليد اليسرى، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.. وتسن المبالغة في ذلك لغير الصائم.. فقد ورد في الصحيحين أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ فقال له: «أسبع الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً».
-تخليل اللحية، فقد جاء في الحديث عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: «هكذا أمرني ربي».
-تخليل أصابع اليدين والرجلين.. فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: «إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك».
والتخلل معناه: إدخال الماء بين أصابع اليدين والرجلين بالكيفية التي يتأكد معها أن الماء قد وصل إلى ما بين الأصابع.
-تكرار الغسل ثلاث مرات، ذلك أن غسل العضو وتعميمه بالماء كله في المرة الأولى فرض، والغسلة الثانية والثالثة بعد ذلك سنة، ويشترط في الأولى المفروضة أن يعم الماء العضو بصورة كاملة.
-التيامن.. بمعنى أن يبدأ المتوضئ بغسل اليد اليمنى قبل اليسرى ويغسل الرجل اليمنى قبل اليسرى.
-مسح الأذنين، بأن يمسح المتوضئ الأذنين بأصبعيه السبابتين ويمسح ظاهرهما بإبهاميه، ويكون المسح إما بالماء الذي مسح به رأسه أو بماء جديد.

«ما هذا السرف يا سعد؟»

والمسلم مطالب بالاقتصاد في الماء الذي يستعمله في وضوئه بصفة عامة - كما يقول الشيخ عاشور - لأن الماء نعمة من أجل النعم، وقد تكرر الحديث عن نعمة الماء فيما يقرب من 60 موضعاً في القرآن الكريم، وترشيد استعمال الماء سلوك نبوي كريم، حيث ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - مر على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو يتوضأ فرآه يسرف في استعمال الماء في وضوئه فقال له: «ما هذا السرف في الماء يا سعد؟».

فقال سعد: يا رسول الله وهل في الماء من سرف؟ فقال له: «نعم، لا تسرف في استعمال الماء ولو كنت على نهر جارٍ».

ويسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء أثناء الوضوء وبعده، وقد وردت أحاديث شريفة في ذلك، ومن دعواته الشهيرة أثناء وضوئه قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي».
وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء - أي يفعله كاملاً - ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها يشاء».
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الوضوء حتى ولو لم يكن عازماً على الصلاة، وكان يحب أن يظل على وضوء لكي يكثر من ذكر الله وهو على طهارة.. ويروى أن أحد الصحابة ألقي عليه السلام فتأخر الرسول في الرد عليه حتى انتهى من وضوئه، ثم قال له: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة».
كذلك كان صلى الله عليه وسلم لا ينام إلا وهو على وضوء، وقال البراء بن عازب رضي الله عنه في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت».
هكذا كان النبي يعرف بركة الوضوء ومكاسبه العديدة للإنسان صحياً ونفسياً.. فهل نتأسى برسول الله ونسير على هديه ونحيي سننه في الوضوء لنحظى بكل ما فيها من مكاسب ومنافع؟!